و «قول أحدهم: أمرني ربي، أو نهاني ربي ... إلخ، افتراء على الله عظيم، وما يدريه أن ربه أمره أو نهاه» 113، ولو لم يكن في الاستقسام بالأزلام إلا الافتراء على الله تعالى، والكذب عليه لكفى بذلك إثمًا وزورًا، فإن كان بهذه المثابة فهو جدير بالتحريم والنهي عنه.
هذا ولقد أبدلنا الله به في الإسلام صلاة الاستخارة، والدعاء فيها معروف ومشهور 114، وفي كلمات هذا الدعاء يفوض العبد أموره لله تعالى، ويرد علم الأشياء إلى علام الغيوب سبحانه.
رابعًا: اختصاص الأصنام ببعض الحيوانات الحية:
وجاء إبطال هذا المظهر في آية واحدة من القرآن، وهي قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ? وَلَ?كِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ? وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُو) [المائدة: 103]
تقرب عباد الأصنام إلى أصنامهم بكثير من العبادات، منها ما كان ينذره البعض من نذور، ومن هذه النذور والقرابين «ما يكون حيوانات حية، تسمى باسم الأرباب، فتحبس عليها، وتوقف باسمها، وتكون حرة طليقة لا يجوز لأحد أن يقربها بسوء.
ومن هذه الحيوانات الحية ما جاء في هذه الآية الكريمة:
1.البحيرة.
وهي من البحر و «أصل البحر: كل مكان واسع جامع للماء الكثير، ثم اعتبر هذا المعنى في كل واسع، فيقال: بحرت كذا، أي: أوسعته سعة البحر تشبيهًا به، ومنه بحرت البعير: شققت أذنه شقًا واسعًا، ومنه سميت «البحيرة» ، ويقال للمتوسع في علمه: بحر» 115.
وهذا خلاصة ما ورد في لفظ «البحيرة» لغة، ولقد اختلف العلماء في تحديد وتعريف «البحيرة» اصطلاحًا اختلافًا كثيرًا 116 إلا أن اختلافهم هذا يؤل إلى أن البحيرة هي:
«الناقة أو الشاة التي تشق أذنها إذا ولدت خمسة أبطن أو عشرة أو بين ذلك، فإذا تم لها ذلك تركت فلا يشرب لبنها، ولا يجز وبرها، ولا يحمل على ظهرها، ولا تطرد عن ماء، ولا تمنع من كلأ، فإذا ماتت حرموا لحمها على النساء دون الرجال» 117.
2.السائبة.
أصل السائبة: من «سيبته فساب، والسيب مجرى الماء» 118 الذي ينساب فيه بين شطآنه.
أو السائبة «فاعلة من سيبته، أي: تركته وأهملته فهي سائبة، أو لمعنى مفعول كعيشة راضية» 119.
ومن هذا الأصل اللغوي جاءت تعاريف العلماء للسائبة، ولقد اختلفوا في تعريفها اصطلاحًا أيضًا، وخلاصة أقوالهم تئول إلى أن السائبة هي «الناقة أو البعير أو الدابة التي يبلغ نتاجها حدًا معينًا، فحينئذ تترك ولا تركب ولا يحمل عليها، ولا تمنع من ماء وكلأ، وتترك سائبة لا يحل لأحد كائنًا من كان أن يخالف ذلك» 120، وهذه الأقوال وأشباهها تعطينا صورة كاملة لما كان عليه أهل الجاهلية من تعبد؛ لاعتقادهم أن ذلك يقربهم إلى الله زلفى.
3.الوصيلة.
قال بعض المفسرين: «الوصيلة: هي الشاة إذا ولدت ذكرًا وأنثى، قالوا: وصلت أخاها، وتركوا الذكر لآلهتهم، وإن ولدت ذكرًا فهو لآلهتهم، وإن ولدت أنثى فهي لهم ... وعليه فالوصيلة بمعنى الموصولة، كأنها وصلت بغيرها، ويجوز أن تكون بمعنى الواصلة؛ لأنها وصلت أخاها» 121.
وقيل: «الوصيلة في الغنم، فإذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا، فإن كان السابع ذكرًا ذبح وأكل منه الرجال والنساء، وإن كان أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكرًا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم تذبح لمكانها، وكان لحمها حرامًا على النساء، ولبنها كذلك، إلا أن يموت منها شيء فيأكله الرجال والنساء» 122، ولعل هذا الاختلاف راجع إلى أن كل قبيلة من قبائل العرب كان لها نظام معين في مثل هذه الأمور تسير عليه، وتنهج نهجه؛ لذا اختلف النقل عنهم تبعًا لاختلاف أنظمة القبائل، وعلى كلٍ فهذه أقوال تصور لنا جانبًا من جوانب تقديس العرب للأصنام.
4.الحامي.
الحامي: اسم فاعل من حمى، أي: منع، وهو الفحل من الإبل 123 واختلفوا في تحديد ماهيته أيضًا.
فقال الفراء: «هو الفحل إذا لقح ولد ولده حمي ظهره فلا يركب، ولا يجز له وبر، ولا يمنع من مرعى، وأي إبل ضرب فيها لم يمنع» 124.
وقالوا: بل الحام الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات، ليس بينهن ذكر فقد حمي ظهره، فلا يركب ولا يجز وبره، ويخلى في إبله يضرب فيها، لا ينتفع به بغير ذلك 125، وقيل: كان الفحل إذا انقضى ضرابه جعلوا عليه من ريش الطواويس وسيبوه 126.
والملاحظ أن الاختلاف بين هذه الأقوال اختلاف لفظي ظاهري، حيث يمكن الجمع بينهما، فالحامي هو الفحل من الإبل، الذي يمتد به عمره فيلقح ولد ولده، ولا يكون ذلك إلا إذا نتج له عشر إناث أو ما قارب ذلك، ولعل هذا الاختلاف راجع - كما ذكر من قبل- إلى تباين قبائل العرب في ذلك.
ويؤيد هذا ما ذكره الآلوسي بقوله -بعد أن حكى قريبًا من هذه الأقوال-: «وجمع بين الأقوال المتقدمة في كل من تلك الأنواع بأن العرب كانت تختلف أفعالهم فيها» 127.
وبالتالي روى كل راوٍ حسبما نمى إلى علمه من أمورهم، والله تبارك وتعالى أبطل كل هذه الشركيات الجاهلية في الإسلام بقوله: (? ? ?) أي: ما شرع ولا حكم ... بمثل هذه الأمور، لكن الذين كفروا يختلفون ويفترون الكذب على الله تعالى «حيث يفعلون ما يفعلون، ويقولون: الله أمرنا بهذا، ويكذبون على الله بادعائهم أن هذه الأشياء من فعل الله وأمره» 128، والله تعالى أعلى وأعلم.
خامسًا: اختصاص العرب الأصنام ببعض الحرث والزراعة:
من أباطيل المشركين وجهلهم في تعبدهم للأصنام أنهم كانوا يخصونها ببعض الحرث والزرع، ولقد ذكر الله ذلك عنهم في قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَ?ذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَ?ذَا لِشُرَكَائِنَا ? فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ? وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى? شُرَكَائِهِمْ ? سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الأنعام: 136] .
الذرء -كما يقول الراغب- إظهار الله تعالى ما أبداه، يقال: ذرأ الله الخلق، أي: أوجد أشخاصهم.
قال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ?) [الأعراف: 179] 129.
والأنعام «لفظ يطلق على الإبل والبقر والغنم» خاصة من بين الماشية، وهي «جمع نعم، مأخوذة من نعمة الوطء» 130 فهي موطأة للإنسان ليركبها، ويستخدمها في سائر أموره الحياتية.
وسورة الأنعام من السور التي ذكرت كثيرًا من جهالات العرب في الجاهلية، مما يدل على سفاهة أحلامهم وتفاهة عقولهم، والآية التي معنا تمضي قدمًا في هذا الإطار، لكن فعلهم هنا بلغ حد الإجحاف، وجاوز حد الاعتداء على ما جعلوه لله تعالى، مع أنهم كانوا على العكس من ذلك تمامًا بالنسبة لما كان لأصنامهم، هذا ولقد تباينت أقوال المفسرين في توضيح صورة هذا الإجحاف على أقوال تلخيصها فيما يلي:
-قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كانوا إذا أدخلوا الطعام فجعلوه حزمًا، جعلوا منها سهمًا لله، وسهمًا لآلهتهم، وكان إذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لآلهتهم إلى الذي جعلوه لله، ردوه إلى الذي جعلوه لآلهتهم، وإن هبت من نحو الذي جعلوه لله إلى الذي جعلوه لآلهتهم أقروه ولم يردوه» 131.
-ذكر الطبري عن ابن عباس أيضًا أنه قال: «جعلوا لله من سقي الماء نصيبًا، وللشيطان والأوثان نصيبًا، فإن انفجر شيء من سقي ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدوه» 132.
-ذكر أبو حيان عن بعض العلماء: أن المشركين كانوا إذا ذبحوا لله ذكروا آلهتهم على ذلك الذبح، وإذا ذبحوا لآلهتهم لم يذكروا الله، وهذا هو معنى الآية عندهم 133.
والناظر في هذه الآراء جميعها لا يكاد يجد بينها فرقًا جوهريًا، بل هو مجرد خلاف لفظي أو هو -كما يعبر عنه- اختلاف عبارة وتنوع لا اختلاف تضاد؛ وذلك لأنها تلتقي على مائدة واحدة، وتصور لنا مدى قسمة أهل الجاهلية الضيزى، وتبين مدى الجور على حقوق الله تعالى في أي نوع خصوه به من «حرث أو سقي أو أنعام» ، ولعل اختلاف النقل عن العرب راجع إلى اختلاف طرائق قبائل العرب أنفسهم في هذه الأمور، فبعض القبائل تجعل النصيبين من الحرث، وبعضهم من الأنعام، والبعض الآخر من سقى الماء .. وهكذا، لذا فقد اختلف النقل، والأمر في ذلك كله يسير.
هذا ولقد رجح الإمام الطبري القول الأول للإمام ابن عباس على غيره، أخذًا بظاهر الآية، فالله جل ثناؤه أخبر أنهم جعلوا له من حرثهم وأنعامهم قسمًا مقدورًا، فقالوا: هذا لله، وجعلوا مثله لشركائهم - وهم الأوثان بالإجماع- وقالوا: هذا لشركائنا، وأن نصيب شركائهم لا يصل منه لله شيء، وما كان لله وصل إلى نصيب شركائهم 134، وعلى كلٍ فالآية توضح مدى تعظيم وتقديس العرب لأصنامهم، ومدى مبالغتهم في ذلك حتى وإن جاروا على حق الله تعالى.
ويبين بعض الباحثين سبب هذه التفرقة، وسبب هذا الظلم فيقول: «ولعل ذلك بسبب أن ما خصصوه للأصنام كان يجد له معقبًا وسائلًا، يراجع أصحاب الحرث والأنعام لاستحصال حق الأصنام منهم، وهو حق مفروض، فكان السدنة يحصلون حق الأصنام، بينما كان ما يخصصونه لله نذرًا لا يعرف به غير الناذر، فكان يتلاعب به، ويعطيه أو يعطي جزءًا منه إلى جامعي حق الأصنام، على اعتبار أنها شريكة لله، وبهذا يتهرب من أداء النذر كاملًا بهذه الحيلة، أو لاعتقادهم بأن الله بعيد عنهم، وهو غفور رحيم، أما الأصنام فقريبة منهم وهي منتقمة أشد الانتقام» 135.
أرأيت أيها القارئ الكريم كيف يحتال العرب لاغتيال حق الله تعالى أو الجور عليه، ثم هم يوفون أصنامهم حق الوفاء، بل وأكثر منه، فهم بحق {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} ، وساء حكمهم هذا «لإيثارهم مخلوقًا عاجزًا عن كل شيء، على خالق قادر على كل شيء» 136 ألا ما أجهل المشركين! وما أحلم الله عنهم!
سادسًا: الطواف حولها:
لم يرد هذا المظهر صراحة في القرآن الكريم، إنما وردت الإشارة إليه بطريق المفهوم، حيث ورد في سبب نزول قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] .
ما يفيد أن العرب كانوا يطوفون حول أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى.
فعن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: سألت عائشة: أرأيت قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] .
فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت «فلا جناح عليه ألا يطوف بهما» ولكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية، التى كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية، قالت عائشة: (وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما) 137 الحديث.
يعلق الإمام ابن بطال على الآية والحديث فيقول: «نزلت في الفريقين كليهما، في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام من أجل أن الله أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت ... ثم يذكر عن بعضهم قوله: كان على الصفا وثن، يقال له: «يساف» ، وعلى المروة وثن يقال له: «نائلة» ، فكان المشركون يطوفون بينهما، فلما كان الإسلام قال ناس: «يا رسول الله، إن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بين الصفا والمروة للوثنين الذين كان عليهما، وليسا من شعائر الله» فنزلت هذه الآية» 138.
فمن خلال ماسبق يتضح أن المشركين كانوا يتعبدون لأوثانهم بالطواف حولها، وهذا مظهر من مظاهر التعبد والتقديس لها، فلما جاء الإسلام ودخل فيه من كان يطوف حول الصفا والمروة حالة كون الأصنام عليهما وهو في الجاهلية، تحرج وهو في الإسلام أن يطوف بينهما استصحابًا للحالة الماضية، فلما تحرجوا أنزل الله الآية لرفع هذا الحرج، وبيان أنه كان من أمر الجاهلية الذي رفعه الله بالإسلام، والله أعلم.
-مما لاشك فيه أن العاقبة للمتقين، والنهاية الوخيمة للظلم والظالمين، ولا ظلم أعظم من ظلم الإنسان لنفسه في إشراكه بربه، وعبادته الأوثان من دونه تعالى، وسيجلي البحث هنا عاقبة الأوثان وعابديها في الدنيا والآخرة:
أولًا: عاقبة الأوثان وعابديها في الدنيا:
يعد من نافلة القول إن الإسلام دين الخير والرحمة لجميع البشرية في كل زمان ومكان، حتى وإن لم يكونوا معتنقين له، فالله تعالى وصف حبيبه صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .
فعموم رحمته للعالمين واضح بنص الآية الكريمة، ومن هذا المنطلق فإن عباد الأوثان من هذا القبيل، ينبغي أن يبين لهم سماحة هذا الدين، وفساد ما هم عليه من وثنية وشرك، وأن أوثانهم هذه لن تنفعهم مثقال ذرة من خير في الدنيا والآخرة، ولا أدل على ذلك من حالهم حين يمسهم السوء في البر أو البحر، فإن عقولهم تذهل عن كل معبود سوى الله تعالى، يرفعون إليه وحده أكف الضراعة لينجيهم مما هم فيه، وتلهث الألسنة حينئذ بأحر عبارات الدعاء والثناء والالتجاء إليه وحده دون سواه، والآيات في هذا الصدد كثيرة ووفيرة، يكتفى منها بواحدة توضح المقصود وتبينه.
ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً عَلَيْنَا بِهِ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا} [الإسراء: 67 - 69]
وفي هذه الآيات يقول تعالى ذكره: وإذا نالتكم الشدة والجهد في البحر فقدتم من تدعون من دون الله من الأنداد والآلهة، ولم تجدوا غير الله مغيثًا يغيثكم إذا دعوتموه، فلما دعوتموه وأغاثكم، وأجاب دعاءكم ونجاكم من هول ما كنتم فيه في البحر، أعرضتم عما دعاكم إليه ربكم من خلع الأنداد والأوثان، والبراءة من الآلهة، وإفراده بالألوهية؛ كفرًا منكم بنعمته، وكان الإنسان كفورًا ذا جحد لنعم ربه، ثم يقول تعالى ذكره: أفأمنتم أيها الناس من ربكم، وقد كفرتم نعمته بتنجيته إياكم من هول ما كنتم فيه في البحر، أن يخسف بكم ناحية البر، أو يرسل عليكم حاصبًا، ثم يقول: أو يمطركم بحجارة حارة من السماء تقتلكم، كما فعل بقوم لوط، ثم لا تجدوا لكم وكيلًا، ثم يقول: ثم لا تجدوا لكم ما يقوم بالمدافعة عنكم من عذابه وما يمنعكم منه، أم أمنتم أيها القوم من ربكم، وقد كفرتم به بعد إنعامه عليكم، النعمة التي قد علمتم أن يعيدكم في البحر تارة أخرى، فيرسل عليكم قاصفًا من الريح، وهي التي تقصف ما مرت به فتحطمه وتدقه، فيغرقكم الله بهذه الريح القاصف بما كفرتم، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعًا، ثم لا تجدوا لكم علينا تابعًا يتبعنا بما فعلنا بكم، ولا ثائرًا يثأرنا بإهلاكنا إياكم 139.
والآيات الكريمة تحكي حال الإنسان عامة مع ربه تعالى، لا حال الوثنيين وحدهم، نسأل الله العفو والعافية.
هذا وينبغي أيضًا في التعامل مع الأوثان أن تزال وتكسر، وتستأصل شأفتها، كما فعل نبينا صلى الله عليه وسلم بها يوم الفتح، وكما فعل من قبله أبوه إبراهيم الخليل عليه السلام، والأدلة على ذلك شهيرة ووفيرة.
ومن ثم ينبغي أن يفيء الوثنيون إلى رشدهم قبل أن يباغتهم الموت، ويموتوا -عياذًا بالله- على شركهم فيخلدوا في النار، فضلًا عما يقع بينهم وبين آلهتهم من تبرؤ وشقاق.
ثانيًا: عاقبة الأوثان وعابديها في الآخرة:
طوف بنا البحث فيما سبق مع الأوثان والوثنيين وعاقبتهم في الدنيا، من وجوب دعوتهم إلى الحق، وانتشالهم من الجهالة والضلالة، وإزلتها ومحاربتها ... والآن يطوف بنا في جولة أخرى لبيان عاقبتهم في الآخرة ...
أورد القرآن أن ما عبد من دون الله تعالى سيتنصل من عابديه يوم القيامة، بل إن المشركين أنفسهم لما يرون العذاب يعلنون البراءة من هذه الأصنام .. ولكن هيهات هيهات، فات وقت الندم والتبرؤ، وانصرم وقت التوبة والتحسر، ولم يبق إلا الحساب والعذاب، وجاء هذا البيان في غير آية من القرآن، ومن هذه الآيات:
قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة: 166] .
وقوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 22 - 24] .
وقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأعراف: 37] .
وقوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} [يونس: 28] .
إلى غير هذه الآيات التي فاض بها القرآن الكريم، ولما كان المقام لا يتسع لتناول هذه الآيات بالدراسة والشرح يكتفي البحث بالنظرة الإجمالية العامة على الآيات المباركات:
يجهد المشركون أنفسهم في التقرب والتزلف إلى آلهتهم في الدنيا، فيعترون العتائر ويقدمون القرابين، بل ويخصصون جزءًا من الحرث والأنعام لهذه الآلهة .. عساهم أن يحظوا بالرضا والقبول لديها، لكنهم يصدمون يوم القيامة حين يجابهون منها بما يكرهون، ويواجهون بما لم يتوقعوا .. وتتنصل هذه الآلهة منهم.
والآيات التي معنا تصور لقطة من هذا المشهد الأخروي، فيحشر العباد جميعًا يوم القيامة، وينادي الذين أشركوا: {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} أنهم شركاء، والمقصود من هذا السؤال «التقريع والتبكيت، لا نفس السؤال، ويحتمل أن يكون معناه: أين نفس الشركاء؟ أو أين شفاعتهم، وانتفاعكم بهم؟
وعلى كل لا يكون الكلام إلا تقريعًا وتوبيخًا، وتقريرًا لهم أن ما يرجونه مأيوس منه، وتنبيهًا على فساد طريقتهم في الدنيا» 140.
لكن المشركين عند سؤالهم لا يجيبون بالحقيقة بل يكذبون، ظنًا منهم أن الله لا يعلم حقيقة الأمر، ولعل كذبهم ينجيهم من هول الموقف، وحكى الله عنهم ذلك في قوله: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} وأصل الفتنة - كما يقول الراغب 141 - إدخال الذهب في النار؛ لتظهر جودته من رداءته، ثم استعملت بعد ذلك في معانٍ كالعذاب، والاختبار، والبلاء، والشدة .. وغيرها، والفتنة تكون من الله للعبد .. كالبلية، والمصيبة، والقتل والعذاب .. وغير ذلك 142.
قال الزجاج 143 في تفسير الآية: «أعلم الله أنه لم يكن افتتانهم بشركهم، وإقامتهم عليه إلا أن تبرؤا منه، وانتفوا منه، فحلفوا أنهم ما كانوا مشركين» وعليه فالفتنة هاهنا بمعنى الشرك والافتتان بالأوثان.
وختم الله الآية بقوله: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي: غاب عنهم 144 ما كانوا يدعونه من دون الله تعالى.
وقيل: إنه عام في كل ما يعبد من دون الله تعالى، فهي تضل عن عابديها يوم القيامة، ولا تغني عنهم شيئًا 145.
وهكذا جلت الآيات موقفًا من مواقف المشركين يوم القيامة، حيث إنهم أنفسهم يتبرأون من الشرك والآلهة، فضلًا عن تبرؤ الآلهة منهم، وتغيبهم عنهم في الآخرة وقت احتياج النصرة منها.