فهرس الكتاب

الصفحة 1155 من 2431

الظّل

أولًا: المعنى اللغوي:

الظاء واللام أصلٌ واحد، يدلّ على ستر شيءٍ لشيءٍ، وهو الذي يسمى الظل، والجمع: ظلالٌ وظلولٌ وأظلالٌ وأظلّةٌ وظللٌ، والظل: ضوء شعاع الشمس إذا استتر عنك بحاجز، فاستتار شعاع الشمس ظلٌ، وظلٌّ ظليل: دائمٌ، ومن المجاز أن يقال: بتنا في ظل الليل، وأتانا في ظل الليل، أي: سواده، وظللت أعمل كذا بالكسر ظلولًا، إذا عملته بالنهار دون الليل، وإنما قيل ذلك؛ لأن ذلك شيءٌ يخص به النهار، وذلك أن الشيء يكون له ظلٌّ نهارًا، ولا يقال ظلّ يفعل كذا ليلًا؛ لأن الليل نفسه ظل، قال الخليل: لا تقول العرب «ظلّ» إلا لعملٍ يكون بالنهار 1.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرّف الجرجاني: «الظل: ما نسخته الشمس، وهو من الطلوع إلى الزوال» 2.

وذكر المفسرون «أن الظلّ: هو الأمر المتوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة، وهو يحدث على وجه الأرض منبسطًا فيما بين ظهور الفجر إلى طلوع الشمس، ثم إن الشمس تنسخه وتزيله شيئًا فشيئًا إلى الزوال، ثم هو ينسخ ضوء الشمس من وقت الزوال إلى الغروب، ويسمى فيئًا» 3، وهذه الحالة أطيب الأحوال؛ لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع، وينفر عنها الحس، وأما الضوء الخالص: وهو الكيفية الفائضة من الشمس فهي لقوتها تبهر الحس البصري، وتفيد السخونة القوية وهي مؤذية، فإذن أطيب الأحوال هو الظل؛ ولذلك وصف الجنة به، فقال عز وجل: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الواقعة: 30] » 4.

فالعلاقة بين المعنيين: أن المعنى الاصطلاحي أخص من المعنى اللغوي؛ فاللغوي ستر شيء لشيء، بخلاف المعنى الاصطلاحي فهو خاص بستر ضوء الشمس من وقت الزوال إلى الغروب.

وردت مادة (ظ ل ل) في القرآن الكريم (24) مرة 5.

والصيغ التي وردت كالآتي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 2 ... {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} [البقرة:57]

الاسم ... 20 ... {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} [الفرقان:45]

صيغة المبالغة ... 2 ... {وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57) } [النساء:57]

وجاء (الظّل) في القرآن بمعناه اللغوي، وهو الذي يدل على ستر شيء لشيء 6، ولم يخرج عن المعنى اللغوي.

قال الله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا} [النحل:81] .

أي: جعل لكم مما خلق من الأشجار وغيرها ظلالًا تستظلون بها من شدة الحر 7.

الظلمة:

الظلمة لغةً:

الظّلمة: ضدّ النّور، وجمع (الظّلمة) : ظُلَم، وظُلَماتٌ، وظُلُماتٌ، وظُلْماتٌ، بضمّ اللّام وفتحها وسكونها. وقد أظلم اللّيل، والظّلماء: الظّلمة، وربّما وصف بها، يقال: ليلةٌ ظلماء، أي: مظلمةٌ 8.

الظلمة اصطلاحًا:

قال الجرجاني: «الظلمة: عدم الضوء فيما من شأنه أن يكون مضيئًا» 9.

الصلة بين الظلمة والظل:

قال الكفوي: «الظل: هو ما يحصل من الهواء المضيء بالذّات كالشّمس، أو بالغير كالقمر، والظل في الحقيقة إنّما هو في ظلّ شعاع الشّمس دون الشعاع، فإذا لم يكن ضوء فهو ظلمة وليس بظل» 10. والظل يكون بالليل والنهار 11، أما الظلمة فليست إلا في الليل.

الحر:

الحر لغةً:

خلاف البرد، يقال هذا يومٌ ذو حرٍّ، ويومٌ حارٌّ، والحرور: الريح الحارّة في النهار واللّيل 12.

الحر اصطلاحًا:

عرّف المناوي الحرارة بقوله: «الحرارة: كيفية شأنها تفريق المؤتلفات، وجمع المتشكلات» 13.

الصلة بين الحر والظل:

يتفق كل منهما في أنهما يكونان في الليل والنهار، ولكنهما يختلفان في درجة الحرارة، فالحر شديد الحرارة، والظل بارد، فهما ضدان.

بيّن سبحانه وتعالى أن الظل من النعم العظيمة، والمنافع الجليلة، والآيات الكبرى.

قال جل وعلا: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 81] .

فهذه الآية وردت في سورة النحل التي تسمى سورة النّعم 14، فعدّد الله في هذه الآية من نعمه ما شرح فيها، فمنها الظلال تقي من حر الشمس الذي لا تحتمله الأبدان، ولا يبقى معه ولا دونه الإنسان، من شجر وحجر وغمام، ومن جملتها الجبال 15.

ففي الآية امتنان بنعمة الإلهام إلى التوقي من أضرار الحرّ والقرّ في حالة الانتقال، وأعقبت به المنة بذلك في حال الإقامة والسكنى، وبنعمة خلق الأشياء التي يكون بها ذلك التوقي باستعمال الموجود، وصنع ما يحتاج إليه الإنسان من اللباس؛ إذ خلق الله الظلال صالحة للتوقي من حر الشمس، وخلق الكهوف في الجبال ليمكن اللجأ إليها، وخلق مواد اللباس مع الإلهام إلى صناعة نسجها، وخلق الحديد لاتخاذ الدروع للقتال 16.

وفي الآية بيان نعمة الله تبارك وتعالى بما هيّأه لعباده من الظل؛ فإن الظل عن الحر من نعم الله على العباد.

ولهذا ذكره الله عز وجل ممتنًا به على بني إسرائيل بقوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} [البقرة: 57] 17.

وتظهر فائدة نعمة (الظل) أكثر في البلاد الحارة والبلاد الصحراوية، وخاصة في حالة السفر، يقول صاحب اللباب: «واعلم أن بلاد العرب شديدة الحرّ، وحاجتهم إلى الظلّ ودفع الحرّ شديدة؛ فلهذا ذكر الله تعالى هذه المعاني في معرض النّعمة العظيمة» 18.

والقرآن إنما أنزل على قدر معرفة العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} [النحل: 81] .

وما جعل من السهل أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال 19.

فهذه نعمٌ عدّدها الله عليهم بحسب أحوالهم وبلادهم، وأنها الأشياء المباشرة لهم؛ لأن بلادهم من الحرارة، وقهر الشمس بحيث للظل غناء عظيم، ونفع ظاهر 20.

وأيضًا البلاد المعتدلة، والأوقات المعتدلة نادرة جدًا، والغالب إما غلبة الحر، أو غلبة البرد، وعلى كل التقديرات فلابد للإنسان من مسكن يأوي إليه، فكان الإنعام بتحصيله عظيمًا 21.

وأما تفسير الظلال في هذه الآية بأنه ظلال أوليائه، كما قال الألوسي: «وأنه يستظل بهم المريدون من شدة حر الهجران، ويأوون إليهم من قهر الطغيان» 22؛ لأنهم ظلال الله في أرضه، كما قيل: السلطان ظل الله في أرضه، يأوي إليه كل مظلوم، فهو تفسير غير صحيح، وليس عليه أثرة من علم، ولم يقل به أهل التأويل، بل يقول الطبري في تفسير الظلال في هذه الآية: «يقول تعالى ذكره: ومن نعمة الله عليكم أيها الناس: أن جعل لكم مما خلق من الأشجار وغيرها ظلالًا تستظلون بها من شدة الحر، وهي جمع ظل، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل» 23.

والمراد بقوله: {ظِلَالًا} يدخل فيه ظلال الغمام، وظلال البيوت، وظلال الشجر، وظلال الجبال، وكل شيء له ظل من حائط وسقف وشجر وجبل، وغير ذلك 24.

وإن اختلفت عبارات المفسرين في المراد بالظل هنا في هذه الآية إلا أنها ترجع إلى معنى واحد؛ فنلحظ أن كل واحد منهم ذكر عبارة تختلف عن عبارة الآخر؛ إلا أن ذلك من باب التمثيل لا التضاد؛ لأن الله قال: {مِمَّا خَلَقَ} ولم يذكر شيئًا بعينه؛ لأن أنواع ما خلق وكان منه الظلال كثيرة، فالجنات تتفيأ ظلالها بالغدو والآصال، والبيوت فيها ظلال، لمن يكون بجوارها، والغمام يكفّ وهج الشمس وحرارتها، والسحاب تظلل.

فالظلال يعم جميع ما يظل من العرش والفساطيط والسقوف مما يصطنعه الآدميون 25.

وقد يقول قائل: إن هذه ظواهر طبيعية فما النعمة فيها؟ ونقول في الجواب عن ذلك: إنها نعم كبيرة تغمر الناس، ولا يحسّون بها، ولكن إذا حرموها يعرفون مقدار الإنعام، فهذه (الظلال) نعمة من الله تعالى يشعر بها أكثر أصحاب المناطق الصحراوية التي لا ماء يرطّب جوها، ولا نسيم عليل يطفيء حرها؛ ولذلك كانت من نعم الله التي أنعم بها على سكانها الذين آتاهم الله تعالى مع ذلك جلدًا، وقوة احتمال؛ فكانت هذه نعمًا أنعم الله بها عليهم ليستطيعوا أن يعيشوا، وأن ينعموا في خيراتها.

ولنعلم أن هناك فرقًا بين الظلال والأكنان؛ فإن الظلال يكون بالشجر ونحوه مما يظل ولا يكنّ، بخلاف ما في الجبال من الغيران فإنه يظل ويكنّ.

فقال: {مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} [النحل: 81] ؛ لأن الجبل يكنّ الإنسان من فوقه ويمينه ويساره وأسفل منه، ليس مقصودها الاستظلال، بخلاف الظلال فإن مقصودها الاستظلال؛ ولهذا قرن بهذه ما في السرابيل من منفعة الوقاية، فجمع في هذه الآية بين وقاية اللباس المنتقل مع البدن، ووقاية الظلال الثابتة على الأرض 26.

فهذا في الأمكنة.

ثم قال في اللباس: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} [النحل: 81] .

واللباس والمساكن كلاهما تقي الناس ما يؤذيهم من حر وبرد وعدو، وكلاهما تسترهم عن أعين الناظرين 27.

ومما يدل على أن الظل من النعم العظيمة: أن الله تعالى نفى التساوي بين الظل والحرور، فجعل الظل نعمة قارنها الله عز وجل بالفرق بين العمى والإبصار، وبين الظلام والنور، حيث قال: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ} [فاطر: 19 - 21] .

فأخبر تعالى في هذه الآية أنه لا يتساوى الأضداد في حكمة الله، وفيما أودعه في فطر عباده {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى} فاقد البصر {وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} فكما أنه من المتقرر عندكم الذي لا يقبل الشك أن هذه المذكورات لا تتساوى، فكذلك فلتعلموا أن عدم تساوي المتضادات المعنوية أولى وأولى 28.

وهو مثل ضربه الله للمؤمنين، وهم الأحياء، وللكافرين، وهم الأموات 29.

فكما لا يتساوى المكان الظليل مع المكان الشديد الحرارة كذلك لا يستوي أصحاب الجنة وأصحاب النار.

والحرور بمنزلة السموم، وهي الرياح الحارة، والحرور تكون بالنهار وبالليل، والسموم لا تكون إلا بالنهار 30.

وأعيدت (لا) في {وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ} تأكيدًا لنفي الاستواء؛ لأن الاستواء لا يكتفي بواحد، أو تكون (لا) مؤسسة غير مؤكدة.

وكرّرت كلمة النفي بين الظلمات والنور، والظل والحرور، والأحياء الأموات، ولم تكرر بين الأعمى والبصير؛ وذلك لأن التكرير للتأكيد، والمنافاة بين الظلمة والنور والظل والحرور مضادة، فالظلمة تنافي النور وتضاده، والعمى والبصر كذلك، أما الأعمى والبصير ليس كذلك، بل الشخص الواحد قد يكون بصيرًا، وهو بعينه يصير أعمى، فالأعمى والبصير لا منافاة بينهما إلا من حيث الوصف، والظل والحرور والمنافاة بينهما ذاتية؛ لأن المراد من الظل عدم الحر والبرد، فلما كانت المنافاة هناك أتم، أكد بالتكرار 31.

وأفرد (الظل) ، وجمع (الحر) فقال: (الحرور) ؛ لأن الظل هو شيء واحد يضاد أنواع الحر: من السموم، ومن حر النار، ومن تصاعد الأبخرة من الأرض الكبريتية، إلى غير ذلك مما يتوهج به الجو، ويسخن به الهواء؛ فلذلك حسن إفراد الصيغة -يعني إفراد الظل-، وتخصيص الحرور بهذه الصيغة.

ومما يدل أيضًا على أن الظل من النعم الجليلة: أن الله تعالى جعل الظل ليستروح فيه بعد النصب والتعب، كما حدث مع نبي الله موسى عليه السلام بعد أن سقى للفتاتين.

قال تعالى: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24] .

أي: بعد أن سقى موسى عليه السلام للمرأتين ماشيتهما، تولى، أي: رجع إلى ظل الشجرة التي كان جالسًا تحتها، فاستظلّ بها.

وفي قوله: {ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ} دلالة على أنه سقى لهما في شمس وحر 32. وفيه: دليل جواز الاستراحة في الدنيا، بخلاف ما يقوله بعض المتقشفة 33.

وقوله: {إِلَى الظِّلِّ} إلى ظل شجرة، وذكر أنها سمرة 34. وقيل: هو ظل جدار لا سقف له.

وعن عبد الله مسعود رضي الله عنه قال: «حثثت على جمل ليلتين حتى صبّحت مدين، فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى، فإذا شجرة خضراء ترف، فأهوى إليها جملي -وكان جائعًا- فأخذها جملي فعالجها ساعة، ثم لفظها، فدعوت الله لموسى عليه السلام، ثم انصرفت» .

وفي رواية: «أنه ذهب إلى الشجرة التي كلّم الله منها لموسى» 35.

وعلى كلٍّ فقد آوى موسى عليه السلام «إلى الظل المادي البليل بجسمه، وآوى إلى الظل العريض الممدود، ظل الله الكريم المنان، بروحه وقلبه» 36.

وكذا جعل الله من نعمه على بني إسرائيل أنه سخّر لهم السحاب ليظلهم، ووفّر لهم أشهى المأكولات، فقال: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [الأعراف: 160] .

فلما عصوا ربهم، رفع الجبل من فوقهم، فبدا لهم كأنه ظلة.

يقول تعالى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} [الأعراف: 171] .

سبق وقلنا: إن الظل نعمة من نعم الله، يتقى بها من الحر، وهذه إحدى الحكم العظيمة من خلق الظل، والظلال.

أولًا: الظل والعبادة:

من المعلوم أن الله تعالى فرض على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة، مؤقتة بأوقات اقتضتها حكمة الله تعالى؛ ليكون العبد على صلة بربه تعالى في هذه الصلوات مدة هذه الأوقات كلها، فهي للقلب بمنزلة الماء للشجرة، تسقى به وقتًا فوقتًا، لا دفعة واحدة، ثم ينقطع عنها.

ومن الحكمة أيضًا في تفريق هذه الصلوات في تلك الأوقات: أن لا يحصل الملل والثقل على العبد إذا أداها كلها في وقت واحد، فتبارك الله تعالى أحكم الحاكمين.

ونجد أن الله تعالى ربط بعض هذه الصلوات بحركة الظل، فيتم تحديد أوقات الظهرين، وأوقات فضيلتهما بقياس الظل الحادث بعد الزوال.

فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أوقات الصلوات بقوله: (وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس) 37.

يقول ابن القيم: «وفي دلالة الشمس على الظلال ما تعرف به أوقات الصلوات، وما مضى من اليوم، وما بقي منه، وفي تحركه وانتقاله ما يبرد به ما أصابه من حر الشمس، وينفع الحيوانات والشجر والنبات، فهو من آيات الله الدالة عليه» 38.

هكذا يربط النبي صلى الله عليه وسلم هذين الوقتين بحركة الظل، فبيّن أن ابتداء وقت الظهر: هو من زوال الشمس، والمقصود زوالها عن وسط السماء إلى جهة الغرب، وأما نهايته: فهو إلى أن يصير ظل كل شيء مثله -أي: طوله- بعد الظل الذي زالت عليه الشمس.

وأما ابتداء وقت العصر، فيكون بانتهاء وقت الظهر، أي: عند مصير ظل كل شيء مثله، وأما نهاية وقت العصر، فله وقتان:

وقت اختيار: وهو من أول وقت العصر إلى اصفرار الشمس؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ووقت العصر ما لم تصفر الشمس) 39، أي: ما لم تكن صفراء، وتحديده بالساعة يختلف باختلاف الفصول.

وقت اضطرار: وهو من اصفرار الشمس إلى غروب الشمس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) 40.

والزوال: هو ميل الشمس عن كبد السماء بعد انتصاف النهار، وعلامته: زيادة الظل بعد تناهي نقصانه، وذلك أن ظل الشخص يكون في أول النهار طويلًا ممتدًا، فكلما ارتفعت الشمس نقص، فإذا انتصف النهار وقف الظل، فإذا زالت الشمس عاد الظل إلى الزيادة، فإذا أردت أن تعلم هل زالت، فانصب عصًا أو غيرها في الشمس على أرض مستوية، وعلّم على طرف ظلها، ثم راقبه، فإن نقص الظل علمت أن الشمس لم تزل، ولا تزال تراقبه حتى يزيد، فمتى زاد علمت الزوال حينئذٍ.

ويختلف قدر ما يزول عليه الشمس من الظل باختلاف الأزمان والبلاد، فأقصر ما يكون الظل عند الزوال في الصيف عند تناهي طول النهار، وأطول ما يكون في الشتاء عند تناهي قصر النهار 41.

وقد أشار الله تعالى لأوقات الصلوات في مواضع من القرآن، منها قوله: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] .

فأشار بقوله: {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} وهو زوالها عن كبد السماء على التحقيق إلى صلاة الظهر والعصر، وأشار بقوله: {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} -وهو ظلامه- إلى صلاة المغرب والعشاء، وأشار بقوله: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} إلى صلاة الصبح، وعبّر عنها بالقرآن بمعنى القراءة؛ لأنها ركن فيها من التعبير عن الشيء باسم بعضه.

وهذا البيان أوضحته السنة إيضاحًا كليًّا، ومن الآيات التي أشير فيها إلى أوقات الصلاة -كما قاله جماعة من العلماء- قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم: 17 - 18] .

قالوا: المراد بالتسبيح في هذه الآية الصلاة، وأشار بقوله: {حِينَ تُمْسُونَ} إلى صلاة المغرب والعشاء، وبقوله: {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} إلى صلاة الصبح، وبقوله: {وَعَشِيًّا} إلى صلاة العصر بقوله: {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} إلى صلاة الظهر.

وقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} [هود: 114] .

وأقرب الأقوال في الآية: أنه أشار بطرفي النهار إلى صلاة الصبح أوله، وصلاة الظهر والعصر آخره، أي: في النصف الأخير منه، وأشار بزلفٍ من الليل إلى صلاة المغرب والعشاء 42.

وكان الصحابة أيضًا يدللون على استعجالهم في صلاة الجمعة بالظل؛ فقد جاء في صحيح البخاري عن إياس بن سلمة بن الأكوع، قال: حدّثني أبي وكان من أصحاب الشجرة، قال: (كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل فيه) 43.

فقوله: (وليس للحيطان ظل) أي: يصلح لأن يستظل فيه، وهو دليل التعجيل بصلاة الجمعة أول الوقت.

وقيل: يحتمل أن تكون الحيطان في ذلك الوقت ليس لها علو ولا رف تقتضي الظل في أول الزوال، أو يكون خبر ابن سلمة عن حيطان معتدلة إلى الجنوب من دور المدينة وغيرها 44.

والمقصود: أننا نجد أن بعض العبادات ارتبطت بحركة الظل، في تحديد دخولها وخروجها، وهذا من الحكم والمنافع للظل والظلال.

ثانيًا: الظل وتشبيه الدنيا به:

الدنيا سريعة الفناء، قريبة الانقضاء، تعد بالبقاء ثم تخلف في الوفاء، تنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة، وهي سائرة سيرًا عنيفًا، ومرتحلة ارتحالًا سريعًا، ولكن الناظر إليها قد لا يحس بحركتها فيطمئن إليها، وإنما يحس عند انقضائها؛ ولهذا مثّلت بالظل؛ فإنه متحرك ساكن، متحرك في الحقيقة، ساكن الظاهر، لا تدرك حركته بالبصر الظاهر، بل البصيرة الباطنة، ولما ذكرت الدنيا عند الحسن البصري رحمه الله أنشد:

أحلام نوم أو كظل زائل

إن اللبيب بمثلها لا يخدع

وكان الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما يتمثل كثيرًا بقوله:

يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها

إن اغترارًا بظل زائل حمق

ويقال: إن أعرابيًّا نزل بقوم فقدّموا إليه طعامًا فأكل، ثم قام إلى ظل خيمة لهم، فنام هناك، فاقتلعوا الخيمة، فأصابته الشمس فانتبه، فقام وهو يقول:

ألا إنما الدنيا كظل ثنية

ولابد يومًا أن ظلك زائل

وقال آخر 45:

وإن امرأ قد عاش سبعين حجة

ولم يتزود للمعاد لجاهل

ودنياك ظل، فاترك الحرص بعدما

علمت؛ فإن الظل لابد زائل

وقال آخر:

وما دنياك إلا مثل فيءٍ

أظلك ثم آذن بالزوال

وقال آخر:

إنما الدنيا كظلٍّ زائلٍ

أو كضيفٍ بات ليلًا فارتحل

وقيل: مثل الدنيا مثل الظل، إن طلبته تباعد، وإن تركته تتابع.

وفى الحديث: (ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب قال في ظل شجرة في يوم حار، ثم راح وتركها) 4647.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت