فهرس الكتاب

الصفحة 715 من 2431

وكلما قويت محبة العبد لله في قلبه قويت هذه الأعمال المترتبة عليها، وبكمالها يكمل توحيد العبد، هذا وقد نهى الله سبحانه عن موالاة أعدائه في مواضع كثيرة من القرآن، وأخبر أن موالاتهم تنافي الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأنها سبب للفتنة والفساد في الأرض، وأن من والاهم ووادهم فليس من الله في شيء، وأنه من الظالمين الضالين عن سواء السبيل، وأنه مستوجب لسخط الله وأليم عقابه في الآخرة، والآيات في هذا كثيرة، منها قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1] .

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51] .

فمن أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة ومحبة من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23] .

وفي النص على الأقارب دليل على أن مصارمة من سواهم من الكفار مطلوبة بطريق الأولى والأحرى.

وقال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22] .

قال البغوي رحمه الله تعالى: «أخبر الله أن إيمان المؤمنين يفسد بموادة الكفار وإن من كان مؤمنا لا يوالي من كفر وإن كان من عشيرته» 71.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «أخبر سبحانه وتعالى أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرًا فمن واد الكفار فليس بمؤمن» ، اهـ.

وقال تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 113] .

والركون: هو المحبة والميل بالقلب، إذا علم تحريم موالاة أعداء الله تعالى وموادتهم فليعلم أيضًا أن الأسباب الجالبة لموالاتهم وموادتهم كثيرة جدًا، ومن أقربها وسيلة مساكنتهم في الديار، ولاسيما في ديارهم الخاصة بهم، ومخالطتهم في الأعمال، ومجالستهم، ومصاحبتهم، وزيارتهم، وتولي أعمالهم، والتزيي بزيهم، والتأدب بآدابهم، وتعظيمهم بالقول والفعل، وكثير من المسلمين واقعون في ذلك» 72.

المحبة في الله سبب لنيل محبة الله: فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله له، على مدرجته، ملكًا فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه) 73.

والحب في الله من علامات صدق الإيمان: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله) 74.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) 75.

وممن يظلهم الله في ظله المتحابون فيه: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) 76.

ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (رجلان تحابا في الله) 77.

والحب في الله سبيل الجنة: قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) 78.

ثانيًا: الطاعة والانقياد للمحبوب:

إن من أصول محبة الله أن تترجم طاعة وانقيادًا له وتتبع لمرضاته ومحابه، فالمحبة أصل كل حركة، وأساس كل عمل 79.

ولقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم ضوابط هذه المحبة وطرق الطاعة في أكثر من (اثنتي عشرة) آية، منها: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] .

وقال أيضًا: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 64 - 65] .

وقال أيضًا: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} [النساء: 69 - 70] .

وقال أيضًا: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80] .

وقال أيضًا: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] .

وقال أيضًا: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 51 - 52] .

وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 62] .

وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] .

وقال أيضًا: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] .

وقال أيضًا: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10] .

قال العز بن عبد السلام: «محبة الله وسيلة إلى أن يعامله العبد معاملة المحب لحبيبه من المبادرة لطاعته، والمسارعة لما يرضيه، والتحرز من أسباب سخطه، والاحتياط لأسباب رضاه» 80 ولا تنبعث همة العبد للقيام بأنواع العبادة المختلفة كما تنبعث عندما تحركها محبة الله؛ إذ أن هذه المحبة هي أقوى محركات القلوب إلى الله 81، كما أنها تبعث في العبد قوة ونشاطا لخدمة المحبوب وطاعته. فإذا ما صحت المحبة وصدقت، أثمرت عبودية تامة لله تعالى يشترك في تحقيقها القلب واللسان والجوارح جميعها.

المحبة هي أصل عبودية القلب، ولها عظيم الأثر في تحققه بالعبودية، ومن ذلك:

المحبة في تحقيق الخوف والرجاء: فإذا تمكن حب الله تعالى من قلب عبده المؤمن أثمر له خوفًا ورجاءً، فإن كل من أحب محبوبًا فلابد أن يخاف فواته كما يرجو لقاءه.

كذلك فالمحب يكون في حبه خائفًا متضائلًا تحت الهيبة والتعظيم، كذا يكون رجاء المحب لجنته التي هي دليل رضاه، وأشد منه رجاؤه القرب منه، والنظر إلى وجهه الكريم.

«فالخوف والرجاء متلازمان، ويستحيل انفكاك المحب عنهما، وإن كان قد يغلب أحدهما على الآخر، وهما مجتمعان، وذلك عندما يشتغل القلب بأحدهما ولا يلتفت إلى الآخر في الحال لغفلته عنه» 82.

وتتحقق أثر المحبة في تحقيق الرضا بأقدار الله تعالى إذ أن من أثار محبة الله تعالى الرضا بأقداره حلوها ومرها، «فإن المحب يتسلى بمحبوبه عن كل مصيبة يصاب بها دونه، فإذا سلم له محبوبه لم يبال بما فاته، فلا يجزع على ما ناله؛ لأنه يرى محبوبه عوضًا عن كل شيء، ولا يرى في شيء غيره عوضًا منه، فكل مصيبة عنده هينة إذا أبقت عليه محبوبه» 83.

كذلك فعندما يغلب الحب على قلب العبد وتنصرف همته للفوز بمحبوبه، فإنه ينسى ما يصيبه من ألم، ولا يلتفت له، منشغلًا عنه بترقب ما يحب، والتجربة والمشاهدة دالة على ذلك. كما أن المحب يقبل كل ما يأتيه من حبيبه ويرضى عنه، لاسيما إن كان يعرف ربه، ويحسن الظن به، يعرف رحمته، وعدله، وعظمته، وغناه، وفضله وكرمه، وعلمه ولطفه؛ ولهذا كانت قصص العارفين المحبين في رضاهم بأقدار ربهم أقرب ما تكون إلى الخيال عند من ضعفت بالله معرفتهم ومحبتهم. قال ابن القيم: «من صحت له معرفة ربه والفقه في أسمائه وصفاته، علم يقينا أن المكروهات التي تصيبه والمحن التي تنزل به، فيها من ضروب المصالح التي لا يحصيها علمه ولا فكرته» 84، ولهذا فإنه دائمًا شاكرًا حامدًا راضيًا مهما تقلبت به الأيام، ومهما اختلفت به الأحوال، إذ لا يأتي من الحبيب إلا الخير وإن لم يدركه العبد، ورحمة الله تتمثل في الممنوع كما تتمثل في الممنوح 85.

أثر المحبة في تحقيق الصبر على طاعة الله: فذاك أمر آخر للعبد المحب منه أعظم الحظ وأوفر النصيب، فكلما زادت معرفته وصدق حبه ارتقى عن مجرد الصبر عليها إلى حبها والاستلذاذ بها، ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان) 86.

ومن هنا «يكون مؤثرًا ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه، فيلزم مشاق العمل، ويجتنب اتباع الهوى، ويعرض عن دعة الكسل، ولا يزال مواظبًا على طاعة الله، ومتقربًا إليه بالنوافل» 87.

للمحبة أثر بالغ في الولاء والبراء: إذ المحب من حبه لحبيبه يحب كل من يحبه ويواليهم وينصرهم، كما يبغض أعداءه ويتبرأ منهم، فحب الشيء وإرادته يستلزم بغض ضده وكراهته، والمحبة الكاملة تجب معها الموافقة للمحبوب في محابه؛ ولهذا قال الله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22] .

فالإيمان بالله يستلزم مودته تعالى، ومحبته، ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك يتنافى مع موادة من عاداه وحاده 88.

فالمؤمنون الصادقون يحبون جملة من آمن بالله ورسوله وقام بوظائف الإسلام عملًا واعتقادًا، ويحبون من وجه من معهم من الخير على قدر ما معهم منه، ويبغضونهم على قدر ما معهم من الشر، وكذا يبغضون جملة من كفر أو ألحد أو صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله 89، لا اعتبار في حبهم وبغضهم لصلات قربى أو هوى نفس، وإنما الاعتبار هو الحب في الله والبغض فيه.

وقد ضرب أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وكذا سلف الأمة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمثلة عليا في الولاء لله ورسوله والمؤمنين، والبراءة من أعداءه، مهما كانت صلات قرابتهم أو مبلغ مودتهم قبل اعتناق الدين الحق، وفي قصة إبراهيم -عليه السلام- مع أبيه وقومه، وفي قصة أبي عبيدة بن الجراح ومصعب بن عمير وغيرهم رضي الله عنهم أصدق الشواهد على ذلك.

وتتحقق أثر المحبة في تحقيق عبودية الجوارح، ومن ذلك دوام الذكر، فالمحبة كلما قويت في القلب جعلت العبد دائم اللهج بذكر ربه تعالى، حامدًا شاكرًا، مهللًا مكبرًا، كما تتحقق أثر المحبة على قراءة القرآن للمحبين مع كلام الله، فصلتهم بالقرآن قوية، يأتمرون بأمره، ويقفون عند نهيه، ويتعظون بوعظه.

ولا شك أن العبادات الظاهرة على سائر الجوارح دليل على وجود محبة الله تعالى في قلب العبد؛ إذ أن محبته تعالى هي أصل أعمال الإيمان كلها، وهي الباعثة على الطاعات كلها، والطاعة والاتباع هما دليل صدقها 90 ولهذا قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31] .

ومن ذلك المحبة في تحقيق الصلاة، فالمحب يحب تكرار اللقاء، فيقبل على النوافل فرحًا بوقوفه بين يدي ربه جل وعلا.

ومن أثر المحبة تحقيق الجهاد والدعوة، فالمحب لا يألو جهدًا في الدعوة إلى سبيل مرضاته، وتعريف العباد به، وبذل كل غالٍ في سبيله؛ ولهذا وصف الله الذين يحبهم ويحبونه فقال: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54] .

فمن امتلأت قلوبهم بمحبته باعوا نفوسهم لله تعالى يقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111] .

وكذلك فللمحبة أعظم الأثر في تحقيق الصيام، والحج له، والزكاة اتباعا لأمره جل وعلا، وغيرها من العبادات التي إن قام بها العبد بدافع من محبته لربه تعالى كانت أكمل وأفضل.

فالمحبة دافع على منتهى الاجتهاد في الطاعة، «من عرف الله أحبه، ومن أحبه أطاعه» 91.

فالمحبة والمعرفة والإخلاص ومتابعة الحبيب أثمرت أنواع العبادات وآتت ثمارها، فإن انضم لدافع المحبة دافع الخوف والرجاء كانت العبودية أكمل والاستقامة آكد.

ثالثًا: الحشر مع المحبوب:

إن المتأمل في الآيات التي جاء فيها لفظ الحشر ليدرك أنها جاءت لتؤكد الحشر والجمع مع من كان يحبون أو يعبدون، يقول الله تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [فصلت: 19] .

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 128] .

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [يونس: 45] .

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان: 17] .

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] .

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] .

{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72] .

وفي هذه الآيات دلالة واضحة على أن الذين أجرموا حشروا مع أقرانهم، وأن الذين آمنوا حشروا مع أقرانهم، فعن عليٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثٌ هن حقٌ: لا يجعل الله من له سهمٌ في الإسلام كمن لا سهم له، ولا يتولى الله عبدٌ فيوليه غيره، ولا يحب رجلٌ قومًا إلا حشر معهم) 92.

ومن الأحاديث المشهورة في هذا المعنى حديث أنسٍ رضي الله عنه، (أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال:(وماذا أعددت لها) ؟ قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: (أنت مع من أحببت) . قال أنسٌ: (فما فرحنا بشيءٍ فرحنا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت، قال أنسٌ: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكرٍ وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم) 93.

والحب المقصود هنا نوعان:

الأول: المحبة الدينية، أي المحبة لأجل الدين والمعتقد، فمن أحب الصالحين لصلاحهم وأحب ما هم عليه من التقوى والدين، رجي أن يجمعه الله بهم في جنته، ومن أحب الكفار لكفرهم ومعتقدهم، ووالاهم على ما هم فيه، كان ذلك أيضًا سببا لدخول النار معهم.

قال ابن بطال رحمه الله: «بيان هذا المعنى أنه لما كان المحب للصالحين إنما أحبهم من أجل طاعتهم لله، وكانت المحبة عملًا من أعمال القلوب، واعتقادًا لها، أثاب الله معتقد ذلك ثواب الصالحين؛ إذ النية هي الأصل، والعمل تابع لها، والله يؤتي فضله من يشاء» 94.

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 8] .

أي: وإن حرصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، لا تطعهما في ذلك، فإن مرجعكم إلي يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما، وصبرك على دينك، وأحشرك مع الصالحين، لا في زمرة والديك، وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا، فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة مع من أحب، أي: حبًا دينيًا؛ ولهذا قال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 9] 95.

ويقول ابن حجر الهيتمي رحمه الله في حديثه عن كبيرة محبة الظلمة أو الفسقة وبغض الصالحين-: «عد هذين كبيرة هو ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة: (المرء مع من أحب) وله وجه؛ إذ الفرض أنه أحب الفاسقين لفسقهم، وأبغض الصالحين لصلاحهم، وظاهر أن محبة الفسق كبيرة كفعله، وكذا بغض الصالحين؛ لأن حب أولئك الفاسقين وبغض الصالحين يدل على انفكاك ربقة الإسلام وعلى بغضه، وبغض الإسلام كفر، فما يؤدي إليه ينبغي أن يكون كبيرة» 96.

الثاني: المحبة الموجبة لتشابه الأعمال والأخلاق، فمن أحب أحد العلماء الصالحين وتشبه بما هو عليه من الصلاح والتقوى دخل الجنة بذلك، ومن أحب الفاسقين أو الكافرين، وأدت به محبته إلى التشبه بأحوالهم ومعاصيهم كان معهم في العقاب أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت