والثاني: «أنها ترجع إلى العمل الصالح، فالمعنى: والعمل الصالح يرفعه الكلم الطّيّب» ، فهو عكس القول الأول، وبه قال أبو صالح، وشهر بن حوشب.
فإذا قلنا: إن الكلم الطّيّب هو التوحيد، كانت فائدة هذا القول أنه لا يقبل عملٌ صالح إلا من موحّد.
والثالث: أنها ترجع إلى الله عز وجل.
فالمعنى: «والعمل الصالح يرفعه الله إليه» ، أي: يقبله، قاله قتادة 50.
وورد عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] .
قال: «الكلام الطّيّب: ذكر اللّه، والعمل الصّالح: أداء فرائضه؛ فمن ذكر اللّه سبحانه في أداء فرائضه، حمل عليه ذكر اللّه فصعد به إلى اللّه، ومن ذكر اللّه ولم يؤدّ فرائضه، ردّ كلامه على عمله، فكان أولى به» 51.
يقول الرازي رحمه الله: «قوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} تقريرٌ لبيان العزّة؛ وذلك لأنّ الكفّار كانوا يقولون: نحن لا نعبد من لا نراه، ولا نحضر عنده؛ لأنّ البعد من الملك ذلّةٌ، فقال تعالى: إن كنتم لا تصلون إليه فهو يسمع كلامكم، ويقبل الطّيّب، فمن قبل كلامه، وصعد إليه فهو عزيزٌ، ومن ردّ كلامه في وجهه فهو ذليلٌ، وأمّا هذه الأصنام لا يتبيّن عندها الذّليل من العزيز؛ إذ لا علم لها، فكلّ أحدٍ يمسها، وكذلك يرى عملكم، فمن عمل صالحًا رفعه إليه، ومن عمل سيّئًا ردّه عليه، فالعزيز من الّذي عمله لوجهه، والذّليل من يدفع الّذي عمله في وجهه، وأمّا هذه الأصنام فلا تعلم شيئًا، فلا عزيز يرفع عندها، ولا ذليل، فلا عزّة بها، بل عليها ذلّةٌ؛ وذلك لأنّ ذلّة السّيّد ذلّةٌ للعبد، ومن كان معبوده وربّه وإلهه حجارةً أو خشبًا ماذا يكون هو؟!
وفي قوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} وجوهٌ، أحدها: كلمة لا إله إلّا اللّه هي الطّيّبة، وثانيها: سبحان اللّه، والحمد للّه، ولا إله إلّا اللّه، واللّه أكبر طيّبٌ، ثالثها: هذه الكلمات الأربع، وخامسةٌ وهي تبارك اللّه، والمختار: أنّ كلّ كلامٍ هو ذكر اللّه، أو هو للّه كالنّصيحة والعلم فهو إليه يصعد 52.
ذكر القرآن الكريم صورًا للطيبات الحسية نبينها فيما يأتي:
أولًا: المطعومات:
لقد بَيَّنَ الحق سبحانه وتعالى أنه أحل لنا من المطعومات الطيبات فقط، فقال سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 4 - 5] .
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} من الأطعمة؟ {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} وهي كل ما فيه نفع أو لذة، من غير ضرر بالبدن ولا بالعقل، فدخل في ذلك جميع الحبوب والثمار التي في القرى والبراري، ودخل في ذلك جميع حيوانات البحر وجميع حيوانات البر، إلا ما استثناه الشارع، كالسباع والخبائث منها.
ولهذا دلت الآية بمفهومها على تحريم الخبائث، كما صرح به في قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] .
أصل معنى الطيب معنى الطهارة والزكاء، والوقع الحسن في النفس عاجلًا وآجلًا، فالشيء المستلذ إذا كان وخمًا لا يسمى طيبًا؛ لأنه يعقب ألمًا أو ضرًّا؛ ولذلك كان طيب كل شيء: أن يكون من أحسن نوعه وأنفعه.
والطيبات هنا هي الحلال، وكل حرام فليس بطيب. وقيل: ما التذه آكله وشاربه، ولم يكن عليه فيه ضرر في الدنيا، ولا في الآخرة. وقيل: الطيبات الذبائح؛ لأنها طابت بالتذكية 53.
لذلك بَيَّنَ سبحانه أن من رسالة النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحل للناس الطيبات بأمر من ربه جل وعلا {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] .
ولهذا نهانا ربنا سبحانه وتعالى أن نحرم على أنفسنا هذه الطيبات، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87] .
يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} من المطاعم والمشارب، فإنها نعم أنعم الله بها عليكم، فاحمدوه إذ أحلها لكم، واشكروه ولا تردوا نعمته بكفرها، أو عدم قبولها، أو اعتقاد تحريمها، فتجمعون بذلك بين القول على الله بالكذب، وكفر النعمة، واعتقاد الحلال الطيب حرامًا خبيثًا، فإن هذا من الاعتداء.
والله قد نهى عن الاعتداء فقال: {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} بل يبغضهم ويمقتهم ويعاقبهم على ذلك.
والآية تردّ على المتقشفة؛ لأنه نهانا ألا نأكل طيبات ما أحل اللّه لنا، وهم يحرمون ذلك، ثم لا فرق بين تحريم ما أحل اللّه لنا من الطيبات، وتحليل ما حرم الله علينا من الخبائث، ثم يلزمهم أن يحرموا على أنفسهم التناول من الخبز والماء، وهما من أطيب الطيبات، ألا ترى أن المرء قد يمل ويسأم من غيرهما من الطيبات إذا كثر ذلك، ولا يمل ألبتّة من الخبز والماء، دل أنهما من أطيب الطيبات، إلا أن يمتنعوا من التناول من غيرهما، إيثارًا منهم غيرهم على أنفسهم لما يلحق القوم من المئونة في غيرهما من الطيبات، ولا يلحق في الخبز والماء؛ لأنهما موجودان، يجدهما كل أحد ولا يجد غيرهما من الطيبات، إلا من تصل مؤنة عظيمة، فإن كان تركهم التناول منها لهذا الوجه فإنه لا بأس 54.
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: يا أيّها الّذين صدقوا اللّه ورسوله، وأقرّوا بما جاءهم به نبيّهم صلى الله عليه وسلم أنّه حقٌّ من عند اللّه {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] .
يعني بالطّيّبات: اللّذيذات الّتي تشتهيها النّفوس، وتميل إليها القلوب، فتمنعوها إيّاها، كالّذي فعله القسّيسون والرّهبان، فحرّموا على أنفسهم النّساء والمطاعم الطّيّبة، والمشارب اللّذيذة، وحبس في الصّوامع بعضهم أنفسهم، وساح في الأرض بعضهم.
يقول تعالى ذكره: فلا تفعلوا أيّها المؤمنون كما فعل أولئك، ولا تعتدوا حدّ اللّه الّذي حدّ لكم فيما أحلّ لكم، وفيما حرّم عليكم، فتجاوزوا حدّه الّذي حدّه، فتخالفوا بذلك طاعته، فإنّ اللّه لا يحبّ من اعتدى حدّه الّذي حدّه لخلقه فيما أحلّ لهم وحرّم عليهم» 55.
وقال سبحانه: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32] .
يقول تعالى منكرًا على من تعنت، وحرم ما أحل الله من الطيبات: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} من أنواع اللباس على اختلاف أصنافه، والطيبات من الرزق، من مأكل ومشرب بجميع أنواعه، أي: من هذا الذي يقدم على تحريم ما أنعم الله بها على العباد، ومن ذا الذي يضيّق عليهم ما وسعّه الله؟
وهذا التوسيع من الله لعباده بالطيبات جعله لهم ليستعينوا به على عبادته، فلم يبحه إلا لعباده المؤمنين؛ ولهذا قال: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: لا تبعة عليهم فيها.
ومفهوم الآية: أن من لم يؤمن بالله، بل استعان بها على معاصيه، فإنها غير خالصة له ولا مباحة، بل يعاقب عليها وعلى التنعم بها، ويسأل عن النعيم يوم القيامة.
{كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ} أي: نوضحها ونبينها {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} لأنهم الذين ينتفعون بما فصله الله من الآيات، ويعلمون أنها من عند الله، فيعقلونها ويفهمونها 56.
ولهذا أمر الله عز وجل بالأكل من الطيبات:
أمر الله الرسل بذلك، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51] .
وأمر الله المؤمنين بذلك، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172] .
وقال تعالى: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 88] .
وأمر الله بني إسرائيل بذلك، فقال تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57] .
وقال تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 160] .
وقال تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} [طه: 80 - 81] .
وأمر الله الناس جميعًا بذلك، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 168] .
يبين الله تعالى هنا أنه الرازق لعباده، وأنه هو الذي يشرع لهم الحلال والحرام، وهذا فرع عن وحدانية الألوهية -كما أسلفنا- فالجهة التي تخلق وترزق هي التي تشرع فتحرم وتحلل، وهكذا يرتبط التشريع بالعقيدة بلا فكاك.
وهنا يبيح الله للناس جميعًا أن يأكلوا مما رزقهم في الأرض حلالًا طيبًا -إلا ما شرع عليهم حرمته وهو المبين فيما بعد- وأن يتلقوا منه هو الأمر في الحل والحرمة، وألا يتبعوا الشيطان في شيء من هذا؛ لأنه عدوهم، ومن ثم فهو لا يأمرهم بخير، إنما يأمرهم بالسوء من التصور والفعل، ويأمرهم بأن يحللوا ويحرموا من عند أنفسهم، دون أمر من الله، مع الزعم بأن هذا الذي يقولونه هو شريعة الله، كما كان اليهود مثلًا يصنعون، وكما كان مشركو قريش يدعون.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 168 - 169] .
وهذا الأمر بالإباحة والحل لما في الأرض -إلا المحظور القليل الذي ينص عليه القرآن نصًّا- يمثل طلاقة هذه العقيدة، وتجاوبها مع فطرة الكون، وفطرة الناس، فالله خلق ما في الأرض للإنسان، ومن ثم جعله له حلالًا، لا يقيده إلا أمر خاص بالحظر، وإلا تجاوز دائرة الاعتدال والقصد.
ولكن الأمر في عمومه أمر طلاقة واستمتاع بطيبات الحياة، واستجابة للفطرة بلا كزازة 57 ولا حرج ولا تضييق، كل أولئك بشرط واحد هو أن يتلقى الناس ما يحل لهم وما يحرم عليهم من الجهة التي ترزقهم هذا الرزق، لا من إيحاء الشيطان الذي لا يوحي بخير؛ لأنه عدو للناس بين العداوة، لا يأمرهم إلا بالسوء وبالفحشاء، وإلا بالتجديف على الله، والافتراء عليه، دون تثبت ولا يقين 58.
وقال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل: 114] .
في المقابل: يبين سبحانه أن هذه الطيبات حرمها الله عز وجل على بني إسرائيل بسبب ظلمهم وطغيانهم {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [النساء: 160] .
يخبر تعالى أنه حرم على أهل الكتاب كثيرًا من الطيبات التي كانت حلالًا عليهم، وهذا تحريم عقوبة بسبب ظلمهم واعتدائهم، وصدهم الناس عن سبيل الله، ومنعهم إياهم من الهدى، وبأخذهم الربا وقد نهوا عنه، فمنعوا المحتاجين ممن يبايعونه عن العدل، فعاقبهم الله من جنس فعلهم، فمنعهم من كثير من الطيبات التي كانوا بصدد حلها، لكونها طيبة، وأما التحريم الذي على هذه الأمة فإنه تحريم تنزيه لهم عن الخبائث التي تضرهم في دينهم ودنياهم 59.
ثانيًا: الأموال:
جاء الحديث عن الأموال الطيبة في مواضع من القرآن:
أمر الله عز وجل الصحابة أن يتمتعوا بالأموال التي غنموها، والتي أحلها الله عز وجل، وجعلها طيبة لهم بعد أن كانت محرمة على الأمم السابقة.
فقال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 69] .
يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أهل بدر: فكلوا أيها المؤمنون مما غنمتم من أموال المشركين حلالًا بإحلاله لكم طيبًا، وخافوا الله أن تعودوا، أن تفعلوا في دينكم شيئًا بعد هذه من قبل أن يعهد فيه إليكم، كما فعلتم في أخذ الفداء، وأكل الغنيمة، وأخذتموهما من قبل أن يحلا لكم، إن الله غفور رحيم.
قال بعضهم: «قوله: {حَلَالًا طَيِّبًا} واحد، كل حلال طيب، وكل حرام خبيث، وإنما يطيب إذا حل، ويخبث إذا حرم، ولكن يحتمل قوله: {حَلَالًا} بالشرع، {طَيِّبًا} في الطبع، وكذلك الحرام هو حرام بالشرع، وخبيث بالطبع، وإنما يتكلم بالحل والحرمة من جهة الشرع، والطيب والخبيث بالطبع.
والطيب: هو الذي يتلذذ به ولا تبعة فيه؛ لأن خوف التبعة ينغص عليه، ويذهب بطيبه ولذته. وجائز ما ذكر من الطيب -ها هنا- لما أن أهل الشرك كانوا يأخذون الأموال ويجمعونها من وجه لا يحل، وبأسباب فاسدة، فيكرهون التناول منها إذا غنموها لتلك الأسباب الفاسدة، فطيب قلوبهم بقوله: {طَيِّبًا} 60.
هذا عن الغنائم، كذلك مهر المرأة إذا تنازلت عنه يكون مالًا طيبًا {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4] .
لما كان كثير من الناس يظلمون النساء، ويهضمونهن حقوقهن، خصوصًا الصداق الذي يكون شيئًا كثيرًا، ودفعة واحدة، يشق دفعه للزوجة، أمرهم وحثهم على إيتاء النساء مهورهن عن طيب نفس، وحال طمأنينة، فلا تماطلوهن أو تبخسوا منه شيئًا.
فإن طبن لكم عن شيء من الصداق بأن سمحن لكم عن رضا واختيار بإسقاط شيء منه، أو تأخيره، أو المعاوضة عنه فلا حرج عليكم في ذلك ولا تبعة 61.
هذا عن المال الطيب الذي يتحصل عليه الإنسان من طريق حلال، ومن هذه الطرق الحلال: الغنائم، وتنازل المرأة عن مهرها.
في المقابل يحذرنا سبحانه من المال الخبيث، وهو الذي يتحصل عليه الإنسان من طريق حرام، ومن ذلك: أكل مال اليتيم {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2] .
أمر الرؤوف الرحيم عباده أن يحسنوا إلى اليتامى، وأن لا يقربوا أموالهم إلا بالتي هي أحسن، وأن يؤتوهم أموالهم إذا بلغوا ورشدوا كاملة موفرة، وأن لا يتبدلوا الخبيث الذي هو أكل مال اليتيم بغير حق بالطيب، وهو الحلال الذي ما فيه حرج ولا تبعة، ولا تأكلوا أموالهم مع أموالكم.
ففيه تنبيهٌ لقبح أكل مالهم بهذه الحالة التي قد استغنى بها الإنسان بما جعل الله له من الرزق في ماله، فمن تجرّأ على هذه الحالة فقد أتى إثمًا عظيمًا، ووزرًا جسيمًا.
ومن استبدال الخبيث بالطيب: أن يأخذ الولي من مال اليتيم النفيس، ويجعل بدله من ماله الخسيس 62.
هذا عن ما يحصل عليه الإنسان من مال طيب وخبيث.
أما ما يخرجه الإنسان من مال صدقة لله عز وجل، فقد نهانا الله سبحانه أن نختار أخبث ما عندنا لنخرجه، وأمرنا أن نتصدق من أطيب الأموال، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] .
يأمر تعالى عباده المؤمنين بالنفقة من طيبات ما يسر لهم من المكاسب، ومما أخرج لهم من الأرض، فكما منّ عليكم بتسهيل تحصيله، فأنفقوا منه شكرًا لله، وأداءً لبعض حقوق إخوانكم عليكم، وتطهيرًا لأموالكم، واقصدوا في تلك النفقة الطيب الذي تحبونه لأنفسكم، ولا تيمموا الرديء الذي لا ترغبونه، ولا تأخذونه إلا على وجه الإغماض والمسامحة.
{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} فهو غني عنكم، ونفع صدقاتكم وأعمالكم عائد إليكم، ومع هذا فهو حميد على ما يأمركم به من الأوامر الحميدة، والخصال السديدة، فعليكم أن تمتثلوا أوامره لأنها قوت القلوب، وحياة النفوس، ونعيم الأرواح.
وفي المراد بالطيب ها هنا قولان:
أحدهما: «أنه الجيّد الأنفس» ، قاله ابن عباس رضي الله عنهما.
والثاني: «أنه الحلال» ، قاله أبو معقل في آخرين 63.
ثالثًا: الأزواج:
أساس اختيار الرجل لزوجته أن تكون المرأة من الطيبات، وأساس قبول المرأة للرجل أن يكون الرجل من الطيبين.
قال تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: 26] .
في معنى الخبيث والطيب أربعة أقوال:
أحدها: الكلمات الخبيثات لا يتكلم بها إلا الخبيث من الرجال والنساء، والكلمات الطيبات لا يتكلم بها إلا الطيبون من الرجال والنساء.
والثاني: الكلمات الخبيثات إنما تلصق بالخبيثين من الرجال والنساء، فأما الطيبات والطيبون فلا يصلح أن يقال في حقهم إلا الطيبات.
والثالث: الخبيثات من الأعمال للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من الأعمال، وكذلك الطيبات.
والرابع: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال 64.
والآية تحتمل كل هذه المعاني، لكن الآية واردة في وسط سياق تبرئة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك، فأقرب المعاني: هو أن يكون حديث الآية عن الطيب والخبيث من الرجال والنساء.
والمقصود بالطيبات من النساء: هي صاحبة الدين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تنكح النساء لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك) 65.