فهرس الكتاب

الصفحة 2367 من 2431

ولا يمكن أن يكون العمل صالحًا إلا بهذا الإخلاص لله، والموافقة لشريعة الله، فمن أشرك فعمله غير صالح، ومن ابتدع فعمله غير صالح، ويكون مردودًا عليهما، ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) 71.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌ) 72.

أي: مردود عليه، فصار العمل الصالح ما جمع وصفين: الإخلاص لله، والمتابعة لشريعة الله، أو لرسول الله 73.

وهذا العمل الصالح مطلوب من كل أحد، لم يستثن الله نبيًا ولا رسولًا من إلزامه بالعمل الصالح؛ لذا أعقب بيان نعمه وأفضاله على داود بأمره مع أهله بصالح العمل، وهو فعل الأوامر، وترك النواهي، كما قال تعالى: (? ? ? ?) [سبأ: 13] .

وعلل الترغيب بالعمل الصالح بأنه تعالى بصير بأعمال عباده وأقوالهم، لا يغيب عنه شيء، فيجازيهم عليها 74.

وإن ثواب العمل الصالح، وعقاب العمل السيئ يرجع إلى صاحبه، فينفعه أو يضره في آخرته، وإن جميع الخلائق عائدون إلى ربهم للحساب والجزاء، فالعمل الصالح يعود بالنفع على فاعله، والعمل الرديء يعود بالضرر على فاعله، وأنه تعالى أمر بهذا، ونهى عن ذلك، لحظ العبد، لا لنفع يرجع إليه، وهذا ترغيب منه تعالى في العمل الصالح، وزجر عن العمل الباطل 75.

وإن اقتران الإيمان دائمًا بالعمل الصالح يدل على أن الإسلام يدعو إلى العمل الإيجابي للخير، فليس الإيمان في الإسلام مجرد نزاهة روحية، وتعبد في الصوامع، إنما الإيمان مظهره عمل إيجابي، فيه نفع للناس؛ فالإسلام يدعو إلى العمل الإيجابي، لا مجرد التقديس السلبي.

وإذا كان العمل الصالح هو النفع العام والنفع الخاص، فإنه يفترق عن الصلاة والزكاة، من حيث إن هذه هي الفرائض الوقتية المنظمة للعلاقات بين العبد وربه، وبين العبد والناس، أما العمل الصالح فهو الحال الدائمة للمؤمن التي لا تتقيد بزمان ولا مكان ولا حال، فكما أن الإيمان حال دائمة، فالعمل الصالح أي النفع الدائم المستمر للإنسان هو الذي ينبغي أن يكون حالًا دائمة مستمرة للمؤمن 76.

شروط العمل الصالح في القرآن:

دل القرآن العظيم على أن العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور:

الأول: موافقته لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله يقول: (? ? ? ? ? ? ہ ہ) [الحشر: 7] .

الثاني: أن يكون خالصًا لله تعالى؛ لأن الله جل وعلا يقول: (? ? ? ? ? ? ں ں) [البينة: 5] .

وقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الزمر: 14 - 15] .

الثالث: أن يكون مبنيًا على أساس العقيدة الصحيحة؛ لأن الله يقول: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک) [النحل: 97] .

فقيد ذلك بالإيمان، ومفهوم مخالفته أنه لو كان غير مؤمن لما قبل منه ذلك العمل الصالح.

وقد أوضح جل وعلا هذا المفهوم في آيات كثيرة، كقوله في عمل غير المؤمن: (? ? ? ? ? ? ? ? چ چ) [الفرقان: 23] .

وقوله: (? ? ژ ژ ڑ ڑک ک ک ک گ گ گ گ ? ?) [هود: 16] .

وقوله: (? ? چ) [النور: 39] الآية.

وقوله: (? ? ? ? ? ? ? ?) [إبراهيم: 18] .

إلى غير ذلك من الآيات 77.

والمقصود: أن العمل الصالح له شروط، وهي ما سبق ذكرها، فلا ينبغي الاغترار بصورة العمل الصالح، فرب عمل صالح في الظاهر لا يثمر خيرًا، أو عمل صالح لا يستفيد منه صاحبه قربًا من الله.

وقد ذكر القرآن كثيرًا أن بعض الأعمال حابطة؛ لأنها لم تستوف شروطها، قال تعالى: (? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ?) [الكهف: 105] .

وقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [محمد: 28] .

وقال الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ?) [الحجرات: 2] ونظائرها كثير.

والحبوط: من حبطت الإبل: إذا أكلت الخضر، فنفخ بطونها، وربما هلكت 78، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (وإن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطًا أو يلم) 79.

ومن أخواته: حبجت الإبل، إذا أكلت العرفج، فأصابها ذلك، وأحبض عمله: مثل أحبطه، وحبط الجرح وحبر: إذا غفر، وهو نكسه وتراميه إلى الفساد، جعل العمل السيئ في إضراره بالعمل الصالح كالداء والحرض لمن يصاب به، أعاذنا الله من حبط الأعمال، وخيبة الآمال.

وقد دلت الآية على أمرين هائلين:

أحدهما: أن فيما يرتكب من يؤمن من الآثام ما يحبط عمله.

والثاني: أن في آثامه ما لا يٌدرى أنه محبط، ولعله عند الله كذلك، فعلى المؤمن أن يكون في تقواه كالماشي في طريق شائك لا يزال يحترز ويتوقى ويتحفظ 80.

ثانيًا: العمل السيئ:

ذكر القرآن من أنواع العمل العمل السيئ، وهو الذي من شأنه أن يسوء صاحبه 81. إذا رآه في صحيفته.

وأطلق عليه القرآن فاحشة، وذنبًا، ومعصيةً، وسيئة، وغيرها من الاطلاقات، لكن جرى أسلوب القرآن أن الله إذا قال: (ڑ ک ک) ، يراد به العمل السيئ، ودليله قول الله تعالى: (ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ) [الحج: 10] .

وقد جمع الله العمل الصالح والسيئ في آية واحدة، قال الله تعالى: (? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ?) [الزمر: 35] .

فذكر نوعين من العمل السيئ والحسن، ثم أخبر أنه يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، ويجزيهم بأحسن الذي كانوا يعملون، فيحتمل: الأحسن: الحسنات نفسها يجزيها، ويكفر السيئات.

ويحتمل: أنه يكفر أسوأ السيئات وأعظمها، ويجزي على أحسن الحسنات وأعظمها، فعلى هذا أحسن وأسوأ من نوعها، أحسن الحسنات، وأسوأ السيئات، وعلى الأول من غير نوعها، أي: يكفر السيئات، ويجزي بالحسنات 82.

والمقصود: أن الأعمال السيئة: هي التي يعملها الإنسان على غير الوجه المشروع، فكل عمل على هذا النحو هو عمل سوء.

والأفعال السيئة على أربعة أنواع:

الأول: الفعل بأحد الجوارح، كالزنا والسرقة.

الثاني: فعل اللسان، فهو عمل، والدليل على أن قول اللسان من الأفعال: أن الله صرح أن قول اللسان من الأفعال في قوله جل وعلا: (? ? ? چ چ چ چ) [الأنعام: 112] .

فأطلق على زخرف القول اسم «الفعل» فدل على أن قول اللسان فعلٌ.

الثالث: العزم المصمم؛ لأن عزم الإنسان المصمم دلت السنة الصحيحة على أنه من الأفعال السيئة التي تدخل صاحبها النار، أما الهم الذي لم يكن عزمًا مصممًا، فليس من الأفعال، كما قال جل وعلا: (? ? ? ? ? پ) [آل عمران: 122] .

وإتباعه لذلك بقوله: (پ پ) دل على أنه همٌ لم يستقر، ولم يكن عزمًا مصممًا حتى يعد من الأفعال، ومن ذلك الهم الذي ليس من العزم المصمم الذي هو من الأفعال.

الرابع: هو الترك، والترك من الأفعال الحقيقية، فهو فعلٌ على التحقيق، وإن خالف فيه من خالف، فمن ترك الصلاة حتى ضاع وقتها فقد عمل بهذا الترك عملًا سيئًا يدخل به النار، وكان ابن السبكي في بعض تآليفه في الأصول يقول: طالعت كتاب الله لأجد فيه آيةً تدل على أن الترك فعلٌ فما وجدت فيه شيئًا يدل على أن الترك فعلٌ إلا شيئًا يفهم من آيةٍ في سورة الفرقان هي قوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الفرقان: 30] .

قال: الاتخاذ أصله من الأخذ، والأخذ: التناول، فقال: تناولوه مهجورًا، فدل على أن الهجر فعلٌ.

ونحن نقول: إنا باتباع كتاب الله وجدنا آياتٍ صريحةً من كتاب الله تدل بصراحةٍ لا شك فيها على أن الترك من الأفعال، منها: آيتان في سورة المائدة، إحداهما قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة: 63] .

فسمى عدم نهيهم وتركهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سماه: «صنعًا» والصنع أخص من مطلق الفعل، ومنه قوله تعالى في المائدة أيضًا: (چ چ ? ? ? ?) .

ثم قال: (? ? ? ?) [المائدة: 79] يعني به تركهم للتناهي عن المنكر، سماه «فعلًا» وأنشأ له الذم بقوله: (? ? ? ?) .

هذه الأقسام الأربعة هي الأفعال، واللغة العربية تدل على أن الترك من الأفعال.

وبهذا يعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة: (? ? ? ?) [الأنعام: 54] . أن عمل السوء قد يكون بفعل أحد الجوارح، وقد يكون بفعل اللسان، وقد يكون بالعزم المصمم 83.

وأطلق القرآن كثيرًا على العمل السيئ: السيئة، وهي: اسم كالخطيئة، والسوأى، بوزن فعلى: اسم للفعلة السيئة، بمنزلة الحسنى للحسنة، محمولة على جهة النعت في حد أفعل وفعلى، كالأسوأ والسوأى، رجلٌ أسوأ، وامرأة سوأى، أي: قبيحة، والسوأة: كل عمل وأمر شائن، وتقول في النكرة: رجل سوءٍ، وإذا عرفت، قلت: هذا الرجل السوء، ولم تضف، وتقول: هذا عمل سوء، ولم تقل: العمل السوء؛ لأن السوء يكون نعتًا للرجل، ولا يكون السوء نعتًا للعمل؛ لأن الفعل من الرجل، وليس الفعل من السوء، كما تقول: قول صدقٍ، والقول الصدق، ورجل صدق، ولا تقول: الرجل الصدق؛ لأن الرجل ليس من الصدق 84.

قال تعالى: (ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ?) [يونس: 27] .

والسيئات على وجوه: كأكل الحرام، وشرب الخمر، والغيبة ونحوها، لكن أسوأ الكل الشرك بالله؛ ولذلك لا يغفر، وهو جلي وخفي -حفظنا الله منهما-، وكذا الحسنات على وجوه: ويجمعها العمل الصالح، وهو ما أريد به وجه الله، وأحسن الكل التوحيد؛ لأنه أساس جميع الحسنات، وقامع السيئات 85.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [غافر: 40] .

وقال بعض الحكماء: إن الله تعالى قال: (? ? ?) ولم يقل: من ذكرٍ أو أنثى وقال: (? ? ? ? ? ? ?) لأن العمل الصالح يحسن من الرجل والمرأة، والسيئة من المرأة أقبح من الرجل، فلم يذكر من ذكرٍ أو أنثى 86.

وقال تعالى: (? ژ ژ ڑ ڑ ک) [التوبة: 102] .

فالعمل السيئ هو: التخلف عن الغزو بلا إشكال، وأما العمل الصالح ففيه معنيان:

أحدهما: ندامتهم، وربطهم أنفسهم بالسواري.

والثاني: العمل الصالح: هو غزواتهم مع رسول الله من قبل 87. والصواب العموم في كلا العملين.

ومعنى الخلطة: أنهم خلطوا كل واحد منهما بالآخر، كقولك: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء؛ ذكره غالب المفسرين، وأنكره الرازي، وقال: الواو لمطلق الجمع، وفيه تنبيه على نفي القول بالمخالطة، وأنه بقي كل واحد منهما كما كان من غير أن يتأثر أحدهما بالآخر 88.

وأطلق القرآن على العمل السيئ أيضًا: الخبيث، قال تعالى: (ک ک ک گ گ) [الأنفال: 37] قيل: يعني: الكافر من المؤمن، فينزل المؤمن الجنان، والكافر النيران، وقال الكلبي: العمل الخبيث من العمل الصالح الطيب، فيثيب على الأعمال الصالحة الجنة، وعلى الأعمال الخبيثة النار 89.

ثالثًا: العمل المباح:

وذكر القرآن من أنواع العمل «العمل المباح» وهو العمل في البحر، والتجارة، والصناعة، قال تعالى: (گ گ گ ? ? ? ?) [الكهف: 79] .

قال السمرقندي: (? ? ?) أي: يؤاجرون في البحر، ويكسبون قوتهم 90.

فهذه السفينة كانت لفقراء يحترفون العمل في البحر، لنقل الناس من ساحل إلى آخر 91.

وإسناد العمل إلى الكل حينئذٍ إنما هو بطريق التغليب، أو لأن عمل الوكلاء بمنزلة عمل الموكلين 92.

ومن فوائد الآية: أن العمل يجوز في البحر، كما يجوز في البر؛ لقوله: (? ? ?) [الكهف: 79] 93. أي: مجال عملهم البحر، يعملون فيه بنقل الركاب، أو البضائع، أو الصيد، أو خلافه 94.

وهذا من العمل المباح الذي ذكره القرآن.

ومعنى الآية: أما السفينة التي خرقتها، وأنكرت علي ذلك، فقد كانت لمساكين محتاجين، يعملون في البحر للتجارة، وصيد الأسماك، وهي مرتزقهم في الحياة، وكان لهم ملك جبار ظالم نهم يأخذ لنفسه كل سفينة صالحة، ويغتصبها غصبًا من أهلها بدون الرجوع إلى حق، أو قانون 95.

ونظير ذلك قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ) [الأنبياء: 82] .

أي: يغوصون له في البحار، فيستخرجون الجواهر، ويتجاوزون ذلك إلى الأعمال والمهن وبناء المدائن والقصور، واختراع الصنائع العجيبة، كما قال: (? ? ? ? ? ? ?) والله حافظهم أن يزيغوا عن أمره، أو يبدلوا أو يغيروا، أو يوجد منهم فساد في الجملة فيما هم مسخرون فيه 96.

ومن العمل المباح الذي ذكره القرآن أيضًا الصناعة، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [سبأ: 13] .

ففي قوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) هذا عمل في الصناعة.

قال السمعاني: قوله تعالى: (? ? ? ? ? ?) أي: المساجد، ويقال: الأبنية المرتفعة، وفي القصة: أنه أمرهم ببناء الحصون بالصخر، فبنوا باليمن حصونًا كثيرة عجيبة، وهي صرواح ومرواح وفلتون وهندة وهنيدة وغمدان وغير ذلك.

وقوله: (?) أي: الصور، فإن قال قائل: أليس أن عمل الصور مكروه؟

قلنا: هو في هذه الشريعة، ويحتمل أنها كانت مباحة في شريعته، وقد كان عيسى يصور من الطين، وينفخ فيه فيجعله الله طيرًا، واختلف القول في الصور التي اتخذتها الشياطين؛ فأحد القولين: أنها صورة السباع والطيور من العقبان والنسور، وما أشبه ذلك.

والقول الثاني: أنه أمرهم باتخاذ صورة الأنبياء والزهاد والعباد، حتى إذا نظرت بنو إسرائيل إليهم ازدادوا عبادة.

وقوله: (? ?) أي: كالحياض، والجفان جمع جفنة، وفي القصة: أن كل جفنة كان يقعد عليها ألف إنسان 97.

ولهذا قال بعد ذلك: (? ? ? ?) [سبأ: 13] أي: صالحًا من الأعمال، فإنه لا نجاح، ولا فوز على العدو بالقوة المادية فقط، بل لا بد من العمل الصالح الذي يقوم النفوس، ويطهر الأرواح، ويحصنها حتى لا تكبو، ومن المطلع على خفايا النفوس؟ إنه الله عالم الغيب والشهادة، إنه بما تعملون بصير فاحذروه.

ويظهر -والله أعلم- أن داود كافح وقاتل حتى خلص الملك من الأعداء فمدته كانت مدة حرب وجلاد، ولذلك كان مشغولًا بعمل الدروع السوابغ، وفي أيام سليمان كان الهدوء مخيمًا على المملكة، فكان سليمان ينتقل على بساطه الذي يحمله الريح ليشرف على أطراف المملكة الواسعة الأرجاء، والشعب كان مشغولًا بالبناء والصناعة، وتأسيس الدور والمعابد؛ ولذلك من الله عليه بإذابة النحاس له، وتسخير الجن يعملون له ما يشاء من محاريب، وتماثيل، وقصاع كالجوابي، وقدور واسعة ثقيلة، لا تنقل، بل هي راسيات كالجبال.

وكانت الجن تعمل بين يديه ما يريده بإذن ربه، وهي مهددة، فمن يزغ منهم عن أمر الله: يمل عنه، يذقه عذابًا شديدًا من عذاب السعير.

فيا آل داود: هذه بعض نعم الله عليكم، وهي نعم سابغة كثيرة، ومن أعطي هذا فليعمل لله شكرًا، وقليل من عباده الشكور، قليل من تصفو نفسه، ويطهر قلبه، ويقابل الإحسان بالشكر، والنعمة بالحمد (ہ ہ ہ ہ ھ) [العاديات: 6] .

وخذوا أيها الناس العبرة من داود وسليمان، عبدا ربهما، وشكرا وأخلصا، فمن الله عليهما بالنعم التي لا تحصى، وأجرى على أيديهما المعجزات 98.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 74] .

أي: وتذكروا نعم الله عليكم، وإحسانه إليكم؛ إذ جعلكم خلفاء لعاد في الحضارة والعمران، والقوة والبأس، وأنزلكم منازلهم تتخذون من سهولها قصورًا زاهية، ودورًا عالية، بما ألهمكم من حذق في الصناعة، فجعلكم تضربون اللبن، وتحرقونه آجرًا «الطوب المحرق» وتستعملون الجص، وتجيدون هندسة البناء، ودقة النجارة، وتنحتون من الجبال بيوتًا؛ إذ علمكم صناعة النحت، وآتاكم القوة والجلد.

وروي: أنهم كانوا يسكنون الجبال في الشتاء لما في البيوت المنحوتة من القوة، فلا تؤثر فيها الأمطار والعواصف، ويسكنون السهول في باقي الفصول للزراعة والعمل 99.

ونظير ما جاء في الصناعة قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 80] .

فقوله: (? ?) تلك هي صنعة الدروع حلقًا متداخلة، بعد أن كانت تصنع صفيحة واحدة جامدة، والزرد المتداخل أيسر استعمالًا، وأكثر مرونة، ويبدو أن داود هو الذي ابتدع هذا النوع من الدروع بتعليم الله، والله يمن على الناس أن علم داود هذه الصناعة لوقايتهم في الحرب (? ? ?) وهو يسألهم سؤال توجيه وتحضيض (? ? ?) ؟

والحضارة البشرية سارت في طريقها خطوة خطوة وراء الكشوف، ولم تجئ طفرة؛ لأن خلافة الأرض تركت لهذا الإنسان، ولمداركه التي زوده الله بها ليخطو في كل يوم خطوة، ويعيد تنسيق حياته وفق هذه الخطوة، وإعادة تنسيق الحياة وفق نظام جديد ليست سهلة على النفس البشرية، فهي تهز أعماقها، وتغير عاداتها ومألوفها، وتقتضي فترة من الزمان لإعادة الاستقرار الذي تطمئن فيه إلى العمل والإنتاج، ومن ثم شاءت حكمة الله أن تكون هناك فترة استقرار تطول أو تقصر، بعد كل تنسيق جديد، والقلق الذي يستولي على أعصاب العالم اليوم منشؤه الأول سرعة توالي الهزات العلمية والاجتماعية التي لا تدع للبشرية فترة استقرار، ولا تدع للنفس فرصة التكيف والتذوق للوضع الجديد 100.

والمقصود: أن القرآن أخبر عن نبي الله داود الذي آتاه الحكم والخلافة في الأرض أنه قد اتخذ لنفسه صناعة يأكل منها، وأفهمه الله تعالى هذه الصناعة، وما كان أكل الرجل من عمل يده عيبًا، إنما العيب أن يكون كلًا على الناس، وهو القادر على العمل، ولقد جاء في تفسير القرطبي ما نصه: «هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب، فالسبب سنة الله في خلقه، وقد أخبر الله تعالى عن نبيه داود عليه السلام أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضًا يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدم حراثًا، ونوح نجارًا، ولقمان خياطًا، وطالوت دباغًا، وقيل: سقاء، فبالصنعة يكف الإنسان نفسه عن الناس، ويدفع بها الضرر» 101.

وقال الرازي وهو يتكلم على هذه الآية (? ?) [الأنبياء: 80] : إن مصالح العالم إما أصول وإما فروع، أما الأصول فأربعة: الزراعة والحياكة وبناء البيوت والسلطنة.

وذلك لأن الإنسان مضطر إلى طعام يأكله، وثوب يلبسه، وبناء يجلس فيه، والإنسان مدني بالطبع، فلا تتم مصلحته إلا عند اجتماع جمع من أبناء جنسه، يشتغل كل واحد منهم بمهم خاص، فحينئذٍ ينتظم من الكل مصالح الكل؛ وذلك الانتظام لا بد وأن يفضي إلى المزاحمة، ولا بد من شخص يدفع ضرر البعض عن البعض؛ وذلك هو السلطان، فثبت أنه لا تنتظم مصلحة العالم إلا بهذه الأمور الأربعة 102.

ومن العمل المباح الذي ذكره القرآن أيضًا العمل في التجارة، قال تعالى: (چ چ چ چ ? ? ? ?) [المزمل: 20] .

قال أبو جعفر: (چ چ چ چ) في سفر (? ? ? ?) في تجارة، قد سافروا لطلب المعاش 103.

وقال السيوطي: هذه الآية أصل في التجارة 104.

وقد كان بعض الصحابة يتأول من هذه الآية فضيلة التجارة والسفر للتجارة، حيث سوى الله بين المجاهدين والمكتسبين المال الحلال 105.

وقال الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 282] .

ومن فوائد هذه الآية: جواز الاتجار؛ لقوله تعالى: (? ? ? ? ?) ولكن هذا الإطلاق مقيد بالشروط التي دلت عليها النصوص؛ فلو اتجر الإنسان بأمر محرم فهذا لا يجوز من نصوص أخرى؛ ولو رابى الإنسان يريد التجارة والربح قلنا: هذا حرام من نصوص أخرى؛ إذًا هذا المطلق الذي هو التجارة مقيد بالنصوص الدالة على أن التجارة لا بد فيها من شروط.

ومن فوائد الآية: أن التجارة نوعان:

فأما الحاضرة فهي التي تدار بين الناس بدون أجل؛ وأما غير الحاضرة فهي التي تكون بأجل، أو على مسمى موصوف غير حاضر.

ومنها: أن الأصل في التجارة الدوران؛ لقوله تعالى: {تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} فأما الشيء الراكد الذي لا يدار فهل يسمى تجارة؟ يرى بعض العلماء أنه ليس تجارة؛ ولذلك يقولون: ليس فيه زكاة، وأن الزكاة إنما هي في المال الذي يدار -يعني يتداول-، ويرى آخرون أنها تجارة؛ ولكنها تجارة راكدة؛ وهذا يقع كثيرًا فيما إذا فسدت التجارة، وكسد البيع؛ فربما تبقى السلع عند أصحابها مدة طويلة لا يحركونها؛ لكن هي في حكم المدارة؛ لأن أصحابها ينتظرون أي إنسان يأتي، فيبيعون عليه 106.

ومن العمل المباح الذي ذكره القرآن أيضًا العمل في الأرض والزرع، قال تعالى: {لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) } [يس: 35] .

فقوله: {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} ما معطوفة على ثمره، أي: ليأكلوا من الثمر، وما عملته أيديهم بالحرث والزراعة والغراسة 107.

وقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) } [البقرة: 261] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت