فهرس الكتاب

الصفحة 984 من 2431

إن الله عز وجل أمر عباده المؤمنين بالاعتصام بحبله سبحانه فقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] .

فلم يأمر سبحانه بمجرد الاعتصام؛ وإنما بين بماذا يكون الاعتصام، أمرهم أن يعتصموا بحبله؛ وحبل الله هو دينه، أو هو كتابه، أمر الله عز وجل المؤمنين أن يعتصموا ويستمسكوا به، ويعتمدوا عليه؛ لأنه حبل النجاة، وسبب السلامة، أمرهم ربهم أن يفعلوا ذلك جميعًا، كلهم مجتمعين 86.

ولقد جاء في الحديث الشريف عن جابر رضي الله عنه قال: (كنا جلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطًا هكذا أمامه، فقال:(هذا سبيل الله عز وجل) ، وخطين عن يمينه، وخطين عن شماله، قال: (هذه سبيل الشيطان) ، ثم وضع يده في الخط الأسود، ثم تلا هذه الآية: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] 87.

لقد أمر الله عز وجل عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله في كثير من آيات الذكر الحكيم: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132] .

وبين لهم أن في تلك الطاعة الفلاح والفوز العظيم، قال سبحانه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 13] .

وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71] .

إن طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم المتمثلة باتباع الوحي الذي أنزله سبحانه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لهي العاصمة الواقية من كل ضلال، ولم يضمن الله عز وجل لأحد ألا يكون ضالًا في الدنيا، ولا شقيًا في الآخرة إلا لمتبعي الوحي وحده.

قال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123] .

وقد دلت هذه الآية على انتفاء الضلال والشقاوة عن متبعي الوحي، ودلت آية البقرة على انتفاء الخوف والحزن عنهم، وذلك في قوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38] 88.

إن الأمة إذا تمسكت بوحي ربها، واستنارت بالهدى الذي أنزله الله لها، توحدت على ذلك، وأي شيء يوحد الأمة أعظم من ذلك؟!

ثانيًا: التحاكم إلى القرآن والسنة:

إذا كانت أمة الإسلام أمةً متبعةً للوحي الرباني، ومطيعةً لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فلا بد لها أن ترجع دائمًا إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهما مصدرا التشريع بالنسبة لها، وهما المرجع في كل ما يطرأ عليها من أحداث، وبهما تستنير وتسترشد، {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32] .

وبذلك تتوحد الأمة أعظم توحد؛ حينما يكون لها مرجع واحد ترجع جميعها إليه؛ ترضى بحكمه، ولا تختلف عليه.

لذا فقد أمر الله عز وجل هذه الأمة إن تنازعت في شيء أن ترده إلى القرآن والسنة؛ حتى يزول التنازع، ويظهر الحق من الباطل.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] .

قال ابن كثير: «وهذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه؛ من أصول الدين وفروعه، أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10] .

فما حكم به الكتاب والسنة، وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟! ولهذا قال تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} أي: ردوا الخصومات والنزاعات إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر، وقوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والرجوع إليهما في فصل النزاع خير وأحسن تأويلًا، أي: وأحسن عاقبةً ومآلًا» 89.

وقال أبو بكر الجزائري: «الآية خطاب عام للولاة والرعية، فمتى حصل خلاف في أمر من أمور الدين والدنيا، وجب رد ذلك إلى كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فما حكما فيه وجب قبوله حلوًا كان أو مرًا، وقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} فيه أن الإيمان يستلزم الإذعان لقضاء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو يفيد أن رد الأمور المتنازع فيها إلى غير الشرع قادح في إيمان المؤمن.

وقوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} يريد ذلك الرد والرجوع بالمسائل والقضايا المختلف فيها إلى الكتاب والسنة هو خير حالًا ومآلًا، لما فيه من قطع النزاع والسير بالأمة متحدة متحابة متعاونة» 90.

ولقد أنكر الله عز وجل على عباده المؤمنين أن يقع بينهم الخلاف والاقتتال، وآيات الله تتلى عليهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 100 - 101] .

ففي الآية الثانية تعجب وإنكار على المؤمنين أن يقعوا في الكفر، أو أن يتفرقوا بعد وحدتهم، مع أنه قد اجتمع لهم كل الأسباب الداعية إلى الإيمان، الصارفة عن الكفر؛ فآيات الله تتلى عليهم ليل نهار، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم؛ يبين لهم الحق، ويبصرهم الهدى والرشاد، وينهاهم عن الغي والضلال، فليس لهم عذر إن ارتدوا على أعقابهم، أو رجعوا إلى أمر جاهليتهم 91.

قال القرطبي: «ويدخل في هذه الآية من لم ير النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ما فيهم من سنته يقوم مقام رؤيته، قال الزجاج: يجوز أن يكون هذا الخطاب لأصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم خاصة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيهم، وهم يشاهدونه، ويجوز أن يكون هذا الخطاب لجميع الأمة؛ لأن آثاره وعلاماته صلى الله عليه وسلم والقرآن الذي أوتي باقٍ فينا مكان النبي صلى الله عليه وسلم فينا، وإن لم نشاهده» 92.

إنه لا ينبغي لأمة الإسلام أن تختلف أو تتنازع في حكم أمر من الأمور ما دام بينها كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، تتحاكم إليهما، وترضى بما فيهما، وتذعن وتسلم لحكم ربها عز وجل، فهل يبقى خلاف حينئذ؟!

وبهذا فإن التحاكم إلى القرآن والسنة هو أعظم ما تتوحد عله أمة الإسلام اليوم؛ لأن ذلك هو الذي وحد العرب والناس الذين دخلوا في الإسلام بعد أن كانوا مشتتين ممزقين متناحرين.

ولا بد من التنبيه هنا إلى أن التحاكم إلى القرآن والسنة ليس مجرد شعار يرفع، أو كلام يدعيه الجميع؛ بل لا بد أن يكون هذا التحاكم أمرًا حقيقيًا واقعيًا، ولا بد أن يكون هذا التحاكم مبنيًا على فهم صحيح للقرآن والسنة، وليس فهمًا حسب الأهواء، ولتجتمع الأمة على الفهم الذي فهمه القرن الأول من الصحابة الأخيار الأطهار، فهذا هو الفهم الصحيح الذي نجتمع عليه ولا نفترق.

ثالثًا: الخلق الحسن:

إن من أعظم أسباب الوحدة - بعد الاعتصام بالقرآن والسنة- حسن الخلق؛ إذ الأخلاق الحسنة تجمع ولا تفرق، تنشر الألفة والمحبة وتزيل الضغينة والشحناء، وبالأخلاق الحسنة الكريمة يتحابب المسلمون، ويعفو بعضهم عن بعض؛ فتبقى أمتهم أمة واحدة، ويبقى بينهم الود والوصال.

ولقد أكرم الله عز وجل هذه الأمة بنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم؛ أكرم الناس خلقا، وأعظمهم أدبًا، قال الله عز وجل في شأنه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] .

«أي برحمة الله لك ولأصحابك، من الله عليك بأن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك، ولو كنت فظًا سيئ الخلق قاسي القلب لانفضوا من حولك؛ فالأخلاق الحسنة تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبها من المدح والثواب، والأخلاق السيئة تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب» 93.

«إن الناس في حاجة إلى كنفٍ رحيمٍ، وإلى بشاشةٍ سمحةٍ، وإلى ودٍ يسعهم، وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم، في حاجة إلى قلبٍ كبيرٍ يعطيهم ويحمل همومهم، يجدون عنده دائمًا الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود، وهكذا كان قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما غضب لنفسه قط، ولا احتجز لنفسه شيئًا من أعراض هذه الحياة الدنيا؛ بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية، ووسعهم حلمه وبره وعطفه ووده الكريم، وما من واحدٍ منهم عاشره أو رآه إلا امتلأ قلبه بحبه؛ نتيجة لما أفاض عليه صلى الله عليه وسلم من نفسه الكبيرة الرحيبة» 94.

لقد بين الله تعالى أن ثمرة اللين والخلق الحسن هي المحبة والاجتماع عليه صلى الله عليه وسلم، وأن خلافها من الجفوة والخشونة مؤدٍ إلى التفرق والنفور 95؛ لذا أمر الله عز وجل عباده المؤمنين بأن يعامل بعضهم بعضًا باللين والعفو والمسامحة، وألا يردوا السيئة بمثلها؛ ولكن يدفعوها بالتي هي أحسن، {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [الإسراء: 53] .

فهذا أمر من الله عز وجل لعباه المؤمنين بأن يقولوا ويعملوا التي هي أحسن، أمرهم بحسن الأدب، وإلانة القول، وخفض الجناح، وعدم مجاراة نزغات الشيطان؛ فالشيطان ينزغ بين الإخوة بالكلمة الخشنة القاسية تفلت، وبالرد السيئ يتبعها، وحينها ينقلب جو الود والمحبة والوفاق إلى جوٍ مشوبٍ بالخلاف ثم بالجفوة ثم بالعداء 96.

إن الشيطان يتربص بالمؤمنين، ويتلمس منهم السقطات التي تقع من أفواههم، والعثرات التي تنطق بها ألسنتهم، لكي يشيع الشر بينهم، ويبذر بذور الخصومة والبغضاء في صفوفهم، ويهيج أعداءهم عليهم، وهذا أمر متوقع من الشيطان؛ لأنه {كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} حريص على الإفساد بين الناس، ظاهر العداوة لهم منذ القدم 97.

ولقد رغب الله عز وجل عباده المؤمنين في معاملة إخوانهم بالتي هي أحسن فقال سبحانه: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] .

أي: لا يستوي فعل الحسنات والطاعات لأجل رضا الله تعالى، ولا فعل السيئات والمعاصي التي تسخطه ولا ترضيه، ولا يستوي الإحسان إلى الخلق، ولا الإساءة إليهم، لا في ذاتها، ولا في وصفها، ولا في جزائها، ثم أمر سبحانه بإحسان خاص، له موقع كبير، وهو الإحسان إلى من أساء إليك، فقال: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي: فإذا أساء إليك مسيء من الخلق، خصوصًا من له حق كبير عليك، كالأقارب، والأصحاب، ونحوهم، إساءة بالقول أو بالفعل، فقابله بالإحسان إليه، فإن قطعك فصله، وإن ظلمك، فاعف عنه، وإن تكلم فيك غائبًا أو حاضرًا، فلا تقابله، بل اعف عنه، وعامله بالقول اللين، وإن هجرك، وترك خطابك، فطيب له الكلام، وابذل له السلام، فإذا قابلت الإساءة بالإحسان، حصل فائدة عظيمة، {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} أي: كأنه قريب شفيق 98.

إن هذه الآية الكريمة تأمر بأعلى الأخلاق وأكرمها، لا تأمر بالعفو عن المسيء فقط؛ بل تأمر بمقابلة الإساءة بالتي هي أحسن، كما لو أساء إليك رجل إساءة فالحسنة أن تعفو عنه، والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، مثل أن يذمك فتمدحه، أو يقتل ولدك فتفتدي ولده من يد عدوه، وثمرة ذلك الخلق الكريم الرفيع ثمرة عظيمة، إذ إن ثمرة ذلك أن تنقلب العداوة إلى محبة، والشقاق إلى وفاق، ويصير العدو الخصم كأنه وليٌ حميمٌ 99.

ونظير هذه الآية قول الله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 96] .

«أي إذا أساء إليك أعداؤك، بالقول والفعل، فلا تقابلهم بالإساءة - مع أنه يجوز معاقبة المسيء بمثل إساءته - ولكن ادفع إساءتهم إليك بالإحسان منك إليهم، فإن ذلك فضل منك على المسيء، وأدعى لجلب المسيء إلى الحق، وأقرب إلى ندمه وأسفه، ورجوعه بالتوبة عما فعل، وليتصف العافي بصفة الإحسان، ويقهر بذلك عدوه الشيطان، وليستوجب الثواب من الرب عز وجل.

قال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] » 100

رابعًا: الإصلاح بين المتنازعين:

أمر الله عز وجل بالإصلاح بين المتنازعين من المؤمنين، حيث قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9 - 10] .

فهذه الآية توجب على المؤمنين الإصلاح بين إخوانهم إن حدث نزاع أو قتال بين طائفتين منهم، ولا يخفى ما في الإصلاح بين المتنازعين من ترسيخ لوحدة الأمة المسلمة، وصيانة لها من تشقق بنيانها، وتفكك وحدتها.

إن التنازع بين المؤمنين يمزق صفهم، ويوقع العداوة بينهم، فيوهن قوتهم، ويغري أعداءهم بهم، وهذا كله شرٌ يأباه الإسلام؛ لذا كان الأمر بالمبادرة إلى الإصلاح بين المتنازعين قبل أن يكبر الخلاف، ويعظم النزاع؛ فأمة الإسلام لا يليق بها تنازع أفرادها، وإنما اللائق بها الإخوة والمحبة والألفة بين أفرادها جميعًا.

وقد سبق في المطلب الأول من المبحث الثالث بيان حث القرآن الكريم على الإصلاح بين المتنازعين من المؤمنين فلا داعي لتكرار ذلك هنا.

خامسًا: الإعراض عن الجاهلين:

لا شك أن مجاراة الجاهلين، ومقابلة جهلهم بالمثل من الأمور التي تطعن في خاصرة الأخوة الإيمانية، وتزعزع الوحدة والألفة بينهم، إذ إن مجاراة هؤلاء الجاهلين يزيدهم جهلًا، وينشئ التنازع والخلاف بين صفوف المسلمين، فيشتت شملهم، ويمزق كلمتهم، ولا يخفى ما في الإعراض عن أولئك الجاهلين من مصلحة للمسلمين، بصيانة وحدتهم وإدامة اجتماعهم وتآلفهم.

ولقد أمر الله عز وجل بالإعراض عن الجاهلين فقال سبحانه: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] .

ففي الإعراض عنهم مصلحة خاصة للمعرض، حيث يسلم من أذيتهم، وفيه مصلحة عامة للمجتمع، حيث يسلم المجتمع المسلم من حدوث النزاعات والخلافات التي لا تحمد عقباها.

والآية السابقة جامعة لحسن الخلق مع الناس، وما ينبغي في معاملتهم؛ فالذي ينبغي أن يعامل به الناس أن يأخذ منهم العفو، وهو ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق، فلا يكلفون ما لا تسمح به طبائعهم؛ بل يشكر من كل أحد ما قدمه، من قول وفعل جميل أو ما هو دون ذلك، ويتجاوز عن تقصيرهم ويغض الطرف عن نقصهم، وليأمروا بكل قول حسن وفعل جميل، وخلق حسن؛ من صلة رحم، أو بر والدين، أو إصلاح بين الناس، أو نصيحة نافعة، أو معاونة على بر وتقوى، أو زجر عن قبيح، أو إرشاد إلى تحصيل مصلحة دينية أو دنيوية، أما الجاهلون منهم فقد أمر الله تعالى أن يقابل الجاهل بالإعراض عنه، وعدم مقابلته بجهله، فمن آذاك بقوله أو فعله لا تؤذه، ومن حرمك لا تحرمه، ومن قطعك فصله، ومن ظلمك فاعدل فيه 101.

قال القرطبي: «هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات؛ فقوله: {خُذِ الْعَفْوَ} دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين، ودخل في قوله: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار، وفي قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة» 102

إذا كان لوحدة الأمة الإسلامية أسبابٌ ومقوماتٌ عظيمةٌ من شأنها أن تجعل أمة الإسلام أعظم الأمم توحدًا واتحادًا واجتماعًا، فإن هناك عوائق قد تقف حائلًا دون تحقيق تلك الوحدة، فالوحدة إذا وجدت فلا بد من صيانتها من العوامل التي تؤدي إلى تحللها وتفككها، وفي المطالب الآتية بيان لأهم تلك العوائق التي تحول دون وحدة المسلمين.

أولًا: اتباع نزغات الشيطان:

لقد حذرنا ربنا عز وجل من الشيطان تحذيرًا عظيمًا، وبين أنه عدوٌ لنا.

قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6] .

فلا ينبغي للمؤمنين أن يتبعوا خطواته؛ لأنه لا يأمر إلا بالشر والفحشاء والمنكر، ولا يريد لحزبه إلا أن يكونوا معه من أصحاب السعير.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النور: 21] .

وقد بين لنا ربنا عز وجل أن عداوة الشيطان لنا قديمة منذ خلق آدم عليه السلام.

قال تعالى: {يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 27] .

والآيات القرآنية التي تحذرنا من الشيطان الرجيم وتبين لنا أساليبه الخبيثة في إضلال من يتبعه كثيرة ليس المجال هنا لحصرها.

وإن من أخبث غايات الشيطان وأهدافه أن يوقع الشر والخصومة بين المؤمنين، وأن يبدل محبتهم لبعضهم بغضًا، وأن يقلب أخوتهم عداوة، وإن أسعد لحظات الشيطان الرجيم يوم يرى المؤمن قد رفع سلاحه على أخيه المؤمن، ويرى الخصومات والنزاعات قد اشتعلت نيرانها، وبرز شرها بين أمة الإسلام، حتى إن الشيطان ليفرح بالخصومة التي تقع بين الرجل وزوجه.

ففي الحديث عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه؛ فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة؛ يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت) ، قال الأعمش: أراه قال: (فيلتزمه) 103.

وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم) 104.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت