أولًا: المعنى اللغوي:
أصل المحبة مأخوذ من حبب التي هي بمعنى اللزوم والثبات، ومنه يقال: أحبه حبا ومحبة إذا لزمه 1.
والحب: نقيض البغض. والحب: الوداد والمحبة 2.
والحب: المحبة، وكذلك الحب بالكسر 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب: المحبة: ميل النفس إلى ما تراه وتظنه خيرًا 4.
وقال الكفوي: الحب: هو عبارة عن ميل الطبع في الشيء الملذ 5.
فتكون العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي علاقة اللازم بالملزوم، فالمحبة انفعال نفسي يلزم منه ويعقبه الميل والانجذاب إلى المحبوب 6، والله أعلم.
وردت مادة (حبب) في القرآن الكريم (83) مرة 7.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 6 ... {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات:7]
الفعل المضارع ... 63 ... {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) } [القيامة:20]
المصدر ... 10 ... {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) } [العاديات:8]
أفعل التفضيل ... 3 ... {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف:33]
اسم ... 1 ... {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة:18]
وجاءت المحبة في الاستعمال القرآني على ثلاثة أوجه 8:
الأول: الإيثار: ومنه قوله تعالى: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} [ص: 32] . يعني: آثرت حب الخير.
الثاني: المودة: ومنه قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ} [آل عمران: 31] .
الثالث: القلة: ومنه قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} [الإنسان: 8] . يعني: على قلته.
الشغف:
الشغف لغة:
أن يبلغ الحب شغاف القلب، وهو جلدة دونه 9.
الشغف اصطلاحًا:
احتراق القلب بالحب مع لذة يجدها 10.
الصلة بين الشغف والمحبة:
علاقة الأعم بالأخص إذ الشغف محبة خاصة.
الخلة:
الخلة لغة:
(الخليل) الصديق، والجمع (أخلاءٌ) 11.
وهي أخص من الأخوة 12.
الخلة اصطلاحًا:
أخوة خاصة لأخ معين من بين سائر الإخوان لشدة الموافقة بينه وبين أخيه. قال ابن القيم: وهي أعلى مراتب المحبة 13.
الصلة بين الخلة والمحبة:
العلاقة بين المحبة والخلة علاقة الأعم بالأخص؛ إذ الخلة مودة خاصة خالصة، وهي أعلى مراتب المحبة.
أولًا: المحبة المباحة:
ورد لفظ الحب في القرآن والسنة بكل جوانبه الطبعية والشرعية، فالجوانب الفطرية أو الطبعية مثل حب الآباء والأبناء والأزواج وحب المال وسائر الشهوات.
قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] .
وقال تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر: 20] .
وقال: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8] .
وقال: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} [القيامة: 20] .
والمحبة الفطرية هي التي يحب فيها الإنسان الشيء بمقتضى فطرته، كمحبته للنوم، والطعام والشراب، والمال والولد، والوطن. وفي الحديث الذي أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يزال قلب الكبير شابًّا في اثنتين: في حب الدنيا، وطول الأمل) 14.
وأخرج عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان: حب المال، وطول العمر) 15.
هذه هي المحبة الفطرية الجبلية كما وردت في النصوص الشرعية.
ويقول تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32] .
فمعنى هذا أن الإسلام يعترف بالواقع النفسي للإنسان، ويقره على هذا الواقع، أن لديه نزعات فطرية نحو هذه الشهوات من مال وبنين ونساء وما شابه ولم يأت الإسلام ليستأصل هذه النزعات من كيان الإنسان، وإنما جاء ليهذبها، وليحول دون انفلاتها، لكنها محترمة لدى الإسلام، هذه النزعات لا ينظر إليها الإسلام بازدراء أو احتقار، عاطفة الإنسان، مشاعر الإنسان؛ لأن الإسلام دين الفطرة كما جاء في القرآن الكريم: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] .
فكيف يكون دين الفطرة ثم يحتقر هذه النزعات الفطرية لديك؟! إنما هناك ضوابط لهذه النزعات، أن تحب المال فليس هذا منكرا في الإسلام، لكن كيف تجمع هذا المال؟ وكيف تكسبه؟ وكيف تنفقه؟ المهم، نريد أن نركز على جانب واحد.
إن الإسلام دين سمح يعترف بعواطف الناس ومشاعرهم، ولا يصدمها، فهو لا يصدم الفطرة، ولا يصدم العقل، ولا يصدم المشاعر، دين يتطابق مع الفطرة.
والمحبة الشرعية هي التي أمر الشارع بها أمر وجوب أو استحباب، كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) 16.
والمحبة العقلية وهي يميل إليها ويقرر حسنها كما تقول: (الكرم محبوب) أي أن العقول تقر أن الكرم والنظافة والقوة محبوبة لدى الإنسان، وكما تقول للكافر: أحب فيه الحلم والصبر، أي أنك تحب الأوصاف الموجودة فيه محبة عقلية، لا شرعية، ولا فطرية.
وإن كان يظهر بادئ الأمر أن بينهما تلازمًا، لكن في حقيقة الأمر أنه ليس بينهما تلازم، بل بينهما تداخل، والفرق بينهما أن المحبة الفطرية قد تكون موجودة، لكن تتخلف المحبة العقلية، كمن أحب المال وبخل به محبة فطرية، ويعلم هو بعقله حسن الكرم والجود، ولكن غلبت محبته الفطرية محبته العقلية، وكذلك العكس يكون محبة النساء والبنين وغير ذلك، وهذا نوع لا يقدح في كمال الإخلاص ومحبة الله، ولا يخرج من الإسلام، وذلك مثل محبة ما زينه الله للنفوس من النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، فيحبها الإنسان محبة شهوة، كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء ونحو ذلك. وحتى نفرق بين الحب في الله وبين المحبة مع الله في هذا النوع الثاني فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يحبها لله، أي: أن يحب المال والنساء ونحو ذلك لله، توصلًا بها إليه، واستعانة على مرضاته وطاعته، فهذه يثاب عليها، وهي من قسم الحب لله؛ ولذا يثاب عليها ويلتذ بالتمتع بها، وهذه حال أكمل الخلق الذي حبب الله إليه من الدنيا النساء والطيب وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكر ذلك في الحديث الصحيح 17، وكانت محبته لها عونًا له على محبة الله وتبليغ رسالته والقيام بأمره، وهذا يدخل فيه ما يشبهه، مثل: محبة النكاح لمن أراد العفاف، ومثل أن يأكل الإنسان الأكلة يتقوى بها على طاعة الله، ومثل أن ينام النومة ليستعين بها على الصلاة وعلى عبادة الله في الليل، وغير ذلك من الأمور، فتتحول هذه الأمور المحببة إلى النفس إلى نوع عبادة وطاعة؛ لأنها تؤدي إلى ما يحبه الله تبارك وتعالى ويرضاه.
القسم الثاني: أن يحب هذه الأمور لموافقة طبعه وهواه وإرادته، ولكنه لم يؤثرها على ما يحبه الله ويرضاه، بل نالها بحكم النيل الطبيعي، فهذه تكون من قسم المباحات ولا يعاقب عليها، ولكن ينقص من كمال محبته لله والمحبة فيه بمقدار ما يغلو في هذه الأمور، أي أنه إذا زاد فيها عن الأمر المعتاد فربما ينقص حبه لله أو محبته في الله بقدر غلوه وزيادته في تلك الأمور، وهذا أمر مشاهد، فإن من تعلق بالدنيا أو تعلق بالنساء فلابد أن ينقص من محبته لله والمحبة في الله بمقدار ما زاد من ذلك التعلق.
القسم الثالث: أن تكون هذه الأمور التي ذكرناها آنفًا هي مقصوده ومراده وسعيه في تحصيلها والظفر بها، وتقديمها على ما يحبه الله ويرضاه، ففي هذه الحالة تكون له حالتان:
الأولى: أن يقدمها على ما يحبه الله في أصول الدين وأصول العبادة، مثل أن يقدم المال على عبادة الله، أو يقدم محبته للنساء على عبادته لله تبارك وتعالى مثل الصلاة ونحوها، فهذه قد تذهب بأصل دينه.
الثانية: أن يقدمها بحيث تؤثر على عباداته لله، لكن لا يقدمها بالكلية، مثل أن تشغله دنياه عن المحافظة على الصلاة في أوقاتها أو نحو ذلك من العبادات، ففي هذه الحالة يتحول صاحبها إلى أن يكون ظالمًا لنفسه مقصرًا عاصيًا، ولكنها لا تخرجه عن دائرة الإيمان 18.
إذا علمنا هذا تبين لنا أن المحبة الفطرية مما تألفه النفس فطرة، فلو أبعد الإنسان مثلًا عن موطنه حن إلى عبق ريحه وسحر جباله ووهاده، وتذكر ماضيه، واعتصر القلب إلى أطلاله ورؤية ترابه، وهو نوع من المحبة الفطرية.
لذلك كان من عظيم فضل الله تعالى أن جعل جزاء من يموت في الهجرة الجنة.
قال تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 100] .
يقول المفسرون: {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} أي: الجنة 19.
بل جعل الله تعالى من أسباب قتال العدو الإخراج من الديار والوطن، كما قال تعالى: {وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 246] .
فجاء التعبير عن حب الوطن (حبًّا فطريًّا) كعزة ماله وولده أحيانًا لديه.
ولذلك جعل الشرع من مصارف الزكاة المسافر المنقطع به، كما قال تعالى: {وَابْنِ السَّبِيلِ} [البقرة: 177] .
وإن كان غنيًّا في وطنه فيصرف له وقت انقطاعه حتى يعود؛ رعاية لجانب الغربة التي هي مظنة المشقة، كما قال صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: (السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه) 20.
وعلة السفر موجودة في فراق الوطن، وكما قال أهل العلم: مفارقة المألوفات أشد المكروهات.
ثانيًا: المحبة المحمودة:
وللمحبة المحمودة صور كثيرة، منها:
وهذا من أعظم الواجبات، فقد جاء لفظ الحب في القرآن والسنة لبيان حب الله لعباده المؤمنين في مثل قوله تعالى: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة: 54] .
وقوله تعالى: (? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: 222] .
وقوله تعالى: (ے ےإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) [الصف: 4] .
فإن الله تعالى أوجب علينا ذلك وتوعد من خالف فيه بقوله: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى? يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ?24?) [التوبة: 24] .
فنحن مأمورون بحب الله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه) 21.
يقول مصطفى السباعي: «من أنست نفسه بالله لم يجد لذة في الأنس بغيره، ومن أشرق قلبه بالنور لم يعد فيه متسع للظلام، ومن سمت روحه بالتقوى لم يرض إلا سكنى السماء، ومن أحب معالي الأمور لم يجد مستقرًّا إلا الجنة، ومن أحب العظماء لم يقنعه إلا أن يكون مع محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أدرك أسرار الحياة لم ير جديرًا بالحب حق الحب إلا الله تبارك وتعالى» 22.
فمن عرف الله تعالى أحب الله، وعلى قدر معرفته بالله يكون حبه لله، ولهذا فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس حبًا لله؛ لأنه كان أعرفهم بالله، يقول عليه الصلاة والسلام: (أنا أعلمكم بالله) 23.
يقول الحسن البصري: «من عرف ربه أحبه، ومن عرف الدنيا زهد فيها، وكيف يتصور أن يحب الإنسان نفسه ولا يحب ربه الذي به قوام نفسه؟!» 24.
والله تعالى يحب، ومن أحبه الله كان مع الله، في معيته، وتحت حفظه وعنايته جل في علاه، قال الله: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) [النحل: 128] .
ومعية الله تعالى لمن يحب هي معية خاصة يخص بها أحباءه وأولياءه، معية نصر وتكريم، وعناية ورعاية، فضلا عن المعية العامة التي هي معية العلم المحيط الشامل، ففي الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني) 25.
والله تعالى يحب، ومن أسمائه «الودود» ، وقد ذكر لفظ: «الودود» في القرآن الكريم مرتين: في سورة هود حيث يقول تعالى: (ٹ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ? إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) [هود: 90] .
وفي سورة البروج حيث يقول سبحانه وتعالى: (. وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) [البروج: 14] .
والود: الحب، ومعنى الودود: المحب للمؤمنين الذي يودهم ويودونه، ويحبهم ويحبونه.
ولا يجعل المؤمن محبة غير الله تعالى فوق محبة الله. فالله تعالى يتوعد من شغلته محبة غيره عن محبته جل في علاه، وأصل العبادة محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن يكون الحب كله لله، فلا يحب معه سواه، وإنما يحب لأجله وفيه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته العبودية 26: «إن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له، فإن آخر مراتب الحب هو التتيم، وأوله العلاقة؛ لتعلق القلب بالمحبوب، ثم الصبابة (لانصباب القلب إليه) ، ثم الغرام، وهو الحب الملازم للقلب، ثم العشق، وآخرها التتيم، يقال: تيم الله أي: عبد الله. فالمتيم هو المعبد لمحبوبه» 27.
وهكذا يكون طريق المحبة: أوله أمر إلهي وآخره طاعة لله تعالى واستجابة لأمره.
وفيما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه. وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) 28 الحديث.
وأخرج البخاري ومسلم بسنديهما عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلًا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي فقال: (سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟) فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخبروه أن الله يحبه) 29.
كما ورد ما يثبت حب المؤمنين لربهم عز وجل وذلك كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِله [البقرة: 165] .
وقوله تعالى: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة: 54] .
وقوله تعالى: (. قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران: 31] .
وروي (أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: متى الساعة يا رسول الله؟ قال:(ما أعددت لها؟) قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال: (أنت مع من أحببت) 30.
كيف نحب الله تعالى؟
إن المتدبر والمتأمل لهذه الآية الكريمة التي صدرنا بها ليشعر بالخوف والرهبة من هذا الوعيد الشديد، ولعل السؤال المطروح كيف نحب الله تعالى؟
إن القاعدة في عرف البشر أنهم لا يحبون ما لا يعرفون، ويحبون ما يعرفون لا من ينكرون.
وحب الله تعالى يتحقق بمعرفتنا لله تعالى، فكلما زادت معرفة العبد بربه زاد حبه له، وكلما فكر في نعم الله عليه قوي حبه لربه؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، فالإنسان بعقله يؤمن، وبقلبه يحب، وهل الإنسان إلا عقل يدرك، وقلب يحب!
وحتى يتحقق حب الله يلزم أن تحب الآخرة، فالدنيا لا يجتمع حبها مع حب الآخرة في قلب واحد؛ ولذا حذرنا منها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كثيرا، من ذلك ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال:(كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) . وكان ابن عمر يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) 31.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ? ذَ?لِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ?54?) [المائدة: 54] .
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) [البقرة: 165] .
وفى حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) 32.
وحب الله تعالى هو حياة القلوب، ونعيم الأرواح، وبهجة النفوس، وقرة العيون، وأعلى نعيم الدنيا والآخرة.
قال ابن القيم رحمه الله: «المحبة هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدًا واصليها، وتبوئهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها، وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائمًا إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب، تالله، لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من محبة محبوبهم أوفر نصيب، وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة أن المرء مع من أحب، فيالها من نعمة على المحبين سابغة!!» 33.
والمحبة لا توصف ولا تعرف، إنما يعرفها من وجدها وذاقها، وإنما البحث في أسبابها وموجباتها، وعلامتها، وشواهدها.
والمتتبع للأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها، يجد أنها عشرة:
«أحدها: قراءة القرآن بالتدبر، والتفهم لمعانيه، وما أريد به، كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد، ويشرحه؛ ليتفهم مراد صاحبه منه.
الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة.
الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان، والقلب، والعمل، والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من الذكر.
الرابع: إيثار محابه على محابك عند غلبة الهوى، والتسنم إلى محابه، وإن صعب المرتقى.
الخامس: مطالعة القلب لأسمائه، وصفاته، ومشاهدتها، ومعرفتها، وتقلبها في رياض هذه المعرفة، وميادينها، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، أحبه لا محالة، ولهذا كانت المعطلة، والفرعونية، والجهمية قطاع الطريق على القلوب بينها وبين الوصول إلى المحبوب.
السادس: مشاهدة بره، وإحسانه، وآلائه، ونعمه الظاهرة والباطنه، فإنها داعية إلى محبته.
السابع: وهو من أعجبها: انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى.
الثامن: الخلوة به وقت النزول الإلهي؛ لمناجاته، وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب، والتأدب لأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار، والتوبة.
التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، كما ينتقى أطايب الثمر، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام، وعلمت أن فيه مزيدًا لحالك، ومنفعة لغيرك.
العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل» 34.
فمن هذه الأسباب العشرة: وصل المحبون إلى منازل المحبة، ودخلوا على الحبيب.
وملاك ذلك كله أمران: استعداد الروح لهذا الشأن، وانفتاح عين البصيرة.
أما في علامات المحبة-: فيقول ابن القيم: «تالله، ما هزلت فيستامها المفلسون، ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون، لقد أقيمت للعرض في سوق من يزيد، فلم يرض لها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطالون، وقام المحبون ينظرون أيهم يصلح أن يكون ثمنًا، فدارت السلعة بينهم، ووقعت في يد من قال الله تعالى عنهم: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) [المائدة: 54] .
لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوة، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا تقبل إلا ببينة، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران: 31] .
فتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع الحبيب صلى الله عليه وسلم في أفعاله، وأقواله، وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة بتزكية.
قال تعالى: (وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ?) [المائدة: 54] .