أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (عطو) تدل على أخذ ومناولة، فالعطو: التناول باليد، ومنه اشتق الإعطاء، والمعاطاة: المناولة 1.
والعطاء والعطية: اسم لما يعطى، والجمع عطايا وأعطية، وأعطيات جمع الجمع، والاسم العطاء 2.
قال الراغب: «والإعطاء: الإنالة، قال تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} [التوبة: 29] .
واختص العطية والعطاء بالصلة، قال تعالى: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39] » 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال ابن العربي: «حقيقة العطاء: هي المناولة، وهي في اللغة والاستعمال عبارة عن كل نفع أو ضر يصل من الغير إلى الغير» 4.
وقال المناوي: «العطاء: التناول، والمعاطاة: المناولة، لكن استعملها الفقهاء في مناولة خاصة» 5.
يتبين مما سبق أن المعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي.
وردت مادة (عطو) في القرآن الكريم (23) مرة 6.
والصيغ التي وردت عليها هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 6 ... {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) } [الليل:5]
الفعل المضارع ... 3 ... {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) } [الضحى:5]
المصدر ... 5 ... {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) } [هود:108]
وجاء (العطاء) في الاستعمال في القرآني بمعناها اللغوي، وهو: الإعطاء والإنالة والمناولة 7، ومن ذلك قوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} [التوبة: 29] .
الرزق:
الرزق لغة:
الرزق: مصدر رزق يرزق رزقًا «فالرزق بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم» وجمعه أرزاق، والرزق: العطاء، وقد يسمى المطر رزقًا، قال تعالى: {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الجاثية: 5] 8.
الرزق اصطلاحًا:
الرزق: هو العطاء الجاري تارةً دنيويًّا كان أم أخرويًّا، وللنصيب تارة، ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به تارة، يقال: أعطى السلطان رزق الجند، ورزقت علمًا 9.
الصلة بين الرزق والعطاء:
نجد أن الرزق عند أهل اللغة مجتمع على أنه ما بين العطاء وما ينتفع به مما يؤكل.
الجود:
الجود لغة خلاف البخل 10، وجاد الرجل بماله يجود جودًا بالضم، فهو جوادٌ، وقيل: الجواد هو الذي يعطي بلا مسألة؛ صيانة للآخذ من ذل السؤال 11.
الجود اصطلاحًا:
قال الجرجاني: «الجود صفة، هي مبدأ إفادة ما ينبغي لا بعوض» 12.
وقيل: هو «صفةٌ تحمل صاحبها على بذل ما ينبغي من الخير لغير عوض» 13.
الصلة بين الجود والعطاء:
الجود كثرة العطاء من غير سؤال، من قولك: جادت السماء، إذا جادت بمطر غزير 14.
البذل:
البذل لغة:
بذل الشيء: أعطاه وجاد به، والبذل نقيض المنع، وكل من طابت نفسه لشيءٍ فهو باذلٌ، ورجلٌ بذال، وبذول: إذا كثر بذله للمال. يقال: بذل له شيئًا، أي: أعطاه إياه 15
البذل اصطلاحًا:
قال المناوي: «البذل: الإعطاء عن طيب نفس» 16.
الصلة بين البذل والعطاء:
يظهر من تعريف البذل أنه إعطاء عن طيب نفس، وعليه فالعطاء أعم.
تحدث القرآن الكريم عن العطاء الإلهي، وتكمن محاور هذا الحديث في النقاط الآتية:
أولًا: تفرد الله عز وجل بالعطاء:
قال تعالى عن موسى عليه السلام وهو يصف عطاء الربوبية: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] .
يخبرتعالى أن موسى عليه السلام قال في رده على فرعون: يا فرعون ربنا وربك هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي أعطى كل مخلوق من مخلوقاته، وكل شيء من الأشياء، الصورة التي تلائمه، والهيئة التي تتحقق معها منفعته ومصلحته، ثم هداه إلى وظيفته التي خلقه من أجلها، وأمده بالوسائل والملكات التي تحقق هذه الوظيفة.
فالله عز وجل أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى طريق استعماله والانتفاع به 17.
والله سبحانه هو المتفرد وحده بالعطاء، فهو الذي أعطى خلقه كل شيء يحتاجون إليه في معاشهم، ثم هداهم إلى طرق الانتفاع بما أعطاهم، كما أعطى كل نوع من أنواع خلقه الصورة التي تناسبه، والشكل الذي يتناسب مع جنسه.
ثانيًا: العطاء الدنيوي:
عطاء الله لا يحصى ولا يعد، وفي هذه الأسطر يتم الحديث عن أهم العطاء الدنيوي للإنسان.
1.نعمة الخلق.
قال تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 1 - 2] .
من أعظم النعم التي أنعم الله عز وجل بها على الإنسان نعمة الخلق، ففي الآيتين السابقتين يذكر الله عز وجل الإنسان بأنه جاء عليه وقت غير محدد من الزمان، لم يكن هذا الإنسان في ذلك الحين من الدهر شيئًا مذكورًا من بين أفراد جنسه، وإنما كان شيئًا غير موجود إلا في علم الله عز وجل، ثم أوجده سبحانه بعد ذلك من نطفة فعلقة فمضغة، ثم أنشأه سبحانه بعد ذلك خلقًا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين 18.
وقال تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ} [النحل: 4] .
في هذه الآية يذكر الحق تعالى الإنسان كيف خلقه من نطفه عندما كان في أول أمره، ثم خلق النطفة في الرحم، وتطورت تلك النطفة إلى أن أخرجه بشرًا سويًّا، أخرجه رجلًا كاملًا 19.
وقال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16] .
أي: هو الخالق لكل شيء في هذا الكون، وهو سبحانه الواحد الأحد الفرد الصمد، القهار لكل ما سواه، والغالب لكل من غالبه 20.
ومنها أيضًا قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء: 99] .
وغيرها من هذه الآيات.
2.الرزق.
قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس: 31 - 32] .
في هاتين الآيتين محاججة للمشركين الذين جعلوا مع الله إلهًا آخر، والاستفهام في الآية تقريري، من فوائده إلجاء المشركين المخاطبين في هذه الآية بما تقره عقولهم، إذ أنهم كانوا يقرون في ضمائرهم، ويقتنعون بقلوبهم أن الرازق هو الله وحده، ولا رازق غيره، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: من الذي يرزقكم من السماء بالأمطار وما يتولد عنها، ومن الأرض وما يخرج منها من نباتات وأشجار، وغير ذلك مما تخرجه الأرض 21.
وقال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [هود: 6] .
قال الألوسى: «الدابة اسم لكل حيوان ذي روح، ذكرًا كان أو أنثى، عاقلًا أو غيره، مأخوذ من الدبيب وهو في الأصل المشي الخفيف» 22.
والمعنى: وما من شيء يدب على الأرض، إلا على الله تعالى غذاؤه ومعاشه، فضلًا منه سبحانه وكرمًا على مخلوقاته. وقدم سبحانه الجار والمجرور «عَلَى اللَّهِ» على متعلقه وهو {رِزْقُهَا} ؛ لإفادة القصر، أي: على الله وحده لا على غيره رزقها ومعاشها 23.
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58] .
أي: إن الله عز وجل هو الرزاق ولا رازق سواه، وكل رزق إنما هو رازقه، وما من عطاءٍ إلا وهو الذي أعطاه 24.
[انظر: الرزق: حقيقة الرزق وتنوع صوره]
ثالثًا: العطاء الأخروي:
هناك آيات تحدثت عن عطاء الله عز وجل في الآخرة، في حق النبي صلى الله عليه وسلم، والأنبياء بشكل عام، وفي حق المؤمنين.
قال تعالى: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 4 - 5] .
يبشر الحق تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن الدار الآخرة وما أعده الله له فيها من نعيم لا يحيط به وصف، خير له من دار الدنيا التي أعطيناه فيها ما أعطيناه فيها من نبوة وكرامة ومنازل عالية، وخلق كريم، وفضلًا عن كل ذلك فسوف يعطيه ربك من خيرى الدنيا والآخرة كل ما يسعدك ويرضيك من نصر عظيم، وفتح مبين، وتمكين في الأرض، وإعلاء لكلمة الحق على يدك، وعلى أيدى أصحابك الصادقين، ومنازل عظمى في الآخرة لا يعلم مقدارها إلا الله تعالى، كالمقام المحمود، والشفاعة، والوسيلة؛ وبذلك يرضى رضاء تامًا بما أعطاه سبحانه من نعم ومنن 25.
وجيء بحرف الاستقبال في قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} ؛ لإفادة أن هذا العطاء مستمر غير مقطوع، وحذف المفعول الثاني في قوله: {يُعْطِيكَ} ، ليعم كل وجوه العطاء التي يحبها صلى الله عليه وسلم، أي: ولسوف يعطيك ربك عطاء يرضيك رضاء تاما، والتعبير بقوله {فَتَرْضَى} المشتمل على فاء التعقيب؛ للإشعار بأنه عطاء عاجل النفع، وأنه سيأتى إليه صلى الله عليه وسلم في وقت قريب، وقد أنجز سبحانه وعده 26.
قال الجمل: «وقوله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ} هذا وعد شامل لما أعطاه الله تعالى له من كمال النفس، وظهور الأمر، وإعلاء الدين واللام لام الابتداء، والمبتدأ محذوف، أى: ولأنت سوف يعطيك ربك، وليست لام القسم، لأنها لا تدخل على المضارع، إلا مع نون التوكيد 27
وقال تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1] .
الكوثر: فوعل من الكثرة، مثل النوفل من النفل، ومعناه: الشيء البالغ في الكثرة حد الإفراط، والعرب تسمي كل شيء كثر عدده، وعظم شأنه: كوثرًا، وقد قيل لأعرابية بعد رجوع ابنها من سفر: بم آب ابنك؟ قالت: آب بكوثر. أي: بشيء كثير 28.
قال الإمام القرطبي ما ملخصه: «واختلف أهل التأويل في الكوثر الذي أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم على ستة عشر قولا: الأول: أنه نهر في الجنة، الثاني: أنه حوض للنبي صلى الله عليه وسلم في الموقف يوم القيامة، الثالث: أنه النبوة والكتاب، الرابع: أنه القرآن، الخامس: الإسلام، ثم قال- رحمه الله- قلت: أصح هذه الأقوال الأول والثاني؛ لأنه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم نص في الكوثر وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه صلى الله عليه وسلم زيادة على حوضه» 29.
وافتتح سبحانه الكلام بحرف التأكيد، للاهتمام بالخبر، وللإشعار بأن المعطى شيء عظيم، أى: إنا أعطيناك بفضلنا وإحساننا- أيها الرسول الكريم- الكوثر، أي: الخير الكثير الذي من جملته هذا النهر العظيم، والحوض المطهر، فأبشر بذلك أنت وأمتك، ولا تلتفت إلى ما يقوله أعداؤك في شأنك 30.
وفي موضع آخر نجد التعبير القرآني قد تحدث عما أعده الله عز وجل لأنبيائه أيضًا.
قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58] .
أي: ومن جملة من أنعم الله عليهم، أولئك الذين هديناهم إلى طريق الحق واجتبيناهم واخترناهم لحمل رسالتنا ووحينا، فهنا نرى أن الله تعالى قد جمع لهؤلاء المنعم عليهم جملة من المزايا منها: أعمالهم الصالحة، ومناقبهم الحميدة التي سبق الحديث عنها، ومنها: كونهم من نسل هؤلاء المصطفين الأخيار، ومنها أنهم ممن هداهم الله تعالى واصطفاهم لحمل رسالته 31.
وقد بين سبحانه في سورة النساء من أنعم عليهم بصورة أكثر شمولًا، فقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] .
والمعنى: ومن يطع الله بالانقياد لأمره ونهيه، ويطع الرسول في كل ما جاء به من ربه فأولئك المطيعون مع الذين أنعم الله عليهم بالنعم التي تقصر العبارات عن تفصيلها وبيانها، وأولئك المتصفون بتمام الطاعة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، يكونون يوم القيامة في صحبة الأنبياء الذين أرسلهم الله مبشرين ومنذرين فبلغوا رسالته ونالوا منه سبحانه أشرف المنازل 32.
وقال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108] .
قال الطبري: «قال أبو جعفر: واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والحجاز والبصرة وبعض الكوفيين: «وأما الذين سعدوا» ، بفتح السين، وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفة: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا} ، بضم السين، بمعنى: رزقوا السعادة.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصواب، فإن قال قائل: وكيف قيل: {سُعِدُوا} ، فيما لم يسم فاعله، ولم يقل: «أسعدوا» ، وأنت لا تقول في الخبر فيما سمي فاعله: «سعده الله» ، بل إنما تقول: «أسعده الله» ؟
قيل: ذلك نظير قولهم: «هو مجنون» و «محبوب» ، فيما لم يسم فاعله، فإذا سموا فاعله قيل: «أجنه الله» ، و «أحبه» ، والعرب تفعل ذلك كثيرًا، وتأويل ذلك: وأما الذين سعدوا برحمة الله، فهم في الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض» 33.
فالذين سعدوا هم أهل السعادة، وهم أتباع الرسل، فمأواهم الجنة، {خَالِدِينَ فِيهَا} ، أي: ماكثين فيها أبدًا، مدة دوام السماء والأرض، بمشيئة الله تعالى، عطاءً غير منقطع ولا ممنوع، ولكنه ممتد إلى غير نهاية 34.
ينقسم العطاء الإلهي إلى قسمين، عطاء عام لجميع الخلائق، وعطاء خاص يكون لبعض الناس كالأنبياء والمرسلين والمؤمنين، وسيتم الحديث عن ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: العطاء العام:
وهذا العطاء يكون للخلائق جميعًا.
قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) } [الإسراء:18 - 20] .
قال الطبري: «يمد ربك يا محمد كلا الفريقين من مريدي العاجلة، ومريدي الآخرة، الساعي لها سعيها وهو مؤمن في هذه الدنيا من عطائه، فيرزقهما جميعا من رزقه إلى بلوغهما الأمد، واستيفائهما الأجل ما كتب لهما، ثم تختلف بهما الأحوال بعد الممات، وتفترق بهما بعد الورود المصادر، ففريق مريدي العاجلة إلى جهنم مصدرهم، وفريق مريدي الآخرة إلى الجنة مآبهم.
{وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} يقول: وما كان عطاء ربك الذي يؤتيه من يشاء من خلقه في الدنيا ممنوعا عمن بسطه عليه لا يقدر أحد من خلقه منعه من ذلك، وقد آتاه الله إياه، وإن الله عز وجل قسم الدنيا بين البر والفاجر، والآخرة خصوصا عند ربك للمتقين» 35.
فالعطاء هنا هو تمكين العبد من الفعل ومنحه القدرة والاستطاعة، كل على حسب رزقه وقضاء الله وقدره، وإن الله تبارك وتعالى يمد بعطائه في الدنيا أهل طاعته، وأهل معصيته، حتى الكافرين به والجاحدين له، فهذا النص يفسر الظاهرة المشهودة في دنيا الناس، فبين أن الله تبارك وتعالى يمد عباده بالعطاء غير المحظور، أي: الذي لا تستطيع منعه قوة غير قوة الله. فهو يمد أهل الدنيا الذين يريدون العجلة، ولكن مالهم في الآخرة من نصيب، بل لهم فيها العذاب جزاء كفرهم وعصيانهم، ويمد بعطائه طلاب الآخرة، ويدخر لهم العطاء الأَجَلَّ الأعظم يوم القيامة، فيمنحهم بذلك عطاء الدنيا وعطاء الآخرة، فضلًا منه وكرمًا 36.
أما عطاء الدنيا فمشمول بقانون الابتلاء، الذي يخضع له المؤمنون والكافرون على سواء، وأما عطاء الآخرة فهو عطاء الفضل العظيم، الذي يحرم من يحرم منه ضمن قانون الجزاء.
قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108] {غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أي: غير مقطوع، والجذ في اللغة القطع 37.
وقد زاد الله في فضله و?إكرامه، فسمى هذا العطاء أجرًا، مع أنه في الحقيقة والواقع من محض فضله وجوده، فقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [فصلت: 8] . {غَيْرُ مَمْنُونٍ} أي: غير مقطوع 38.
ونظيره قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين: 4 - 6] .
ثانيًا: العطاء الخاص:
ومن ذلك:
1.تسخير الرياح والجن لسليمان عليه السلام.
قال تعالى: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 35 - 39] .
من العطاء الخاص لسليمان عليه السلام أن الله تعالى سخر له الريح تجري بأمره حيث يريدها؛ لأنها تحمل بساطه أو سفينته الهوائية التي غدوها شهر ورواحها شهر {رُخَاءً} أي: لينة {حَيْثُ أَصَابَ} أي: أراد، كما سخر له شياطين الجن منهم البناء الذي يقوم بالبناء للدور والمصانع، ومنهم الغواص في أعماق البحر لاستخراج اللآلئ، ومنهم من إذا عصاه وتمرد عليه جمع يديه إلى عنقه بصفد ووضعه تحت الأرض.
وقوله تعالى: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي: أعطيناه ما طلب منا وقلنا له: هذا عطاؤنا لك {فَامْنُنْ} أي: أعط ما شئت لمن شئت وامنع ما شئت عمن شئت بغير حساب منا عليك، وفوق هذا وإن لك عندنا يوم القيامة للقربة وحسن المرجع 39.
2.استجابة دعوة زكريا عليه السلام برزقه الولد.
وكذلك في دعاء نبي الله زكريا عليه السلام فحقق الله مطلبه وأعطاه ما يتمناه في قوله تعالى: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} [مريم: 5 - 7] .
يجتهد زكريا عليه السلام في الدعاء بأن يرزقه الله الولد، لا من أجل شهوة دنيوية، وإنما من أجل مصلحة الدين والخوف من تضييعه وتبديله والحرص على من يرثه في علمه ونبوته، ويكون مرضيًّا عنده عز وجل، والمعنى: وإني- يا إلهى- قد خفت ما يفعله أقاربي {مِنْ وَرَائِي} أي: من بعد موتى، من تضييع لأمور الدين، ومن عدم القيام بحقه.
{وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا} لا تلد قط في شبابها ولا في غير شبابها.