في قوله تعالى: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) } [القيامة:28] .
فسر الظن بمعنى اليقين؛ لأنه إن كانت الروح قد بلغت التراقي واستبعد وجود الراقي، فلا بد أن الإنسان في هذه الحال قد أدرك بل علم واستيقن أنها آخر ساعة وهي ساعة الفراق، فتضافر الجملتين {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) } [القيامة: 26 - 27] واستحال النجاة، يجعلنا كل هذا نميل إلى وجاهة معنى اليقين هنا في لفظ الظن، وهي ساعة لا يخطئها إنسان، إذ يكون أقرب إلى الآخرة فيها منه إلى الدنيا 78.
وقال المفسرون: «المراد أنه أيقن بمفارقته الدنيا، ولعله إنما سمي اليقين ههنا بالظن، لأن الإنسان ما دام يبقى روحه متعلقا ببدنه، فإنه يطمع في الحياة؛ لشدة حبه لهذه الحياة العاجلة على ما قال: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) } [القيامة: 20] ولا ينقطع رجاؤه عنها فلا يحصل له يقين الموت، بل الظن الغالب مع رجاء الحياة، أو لعله سماه بالظن على سبيل التهكم 79.
إن الطريق إلى المعرفة الصحيحة هو العلم الراسخ، فهو كالإيمان الذي يفتح القلب للنور، أما العلم السطحي واتباع الظنون فإنهما يحولان بين القلب وبين المعرفة الصحيحة. والبشر حينما يتركون هدي ربهم، سيجدون أنفسهم منغمسين في ظنون لا تغني عن الحق شيئًا.
فالاعتقادات التي لم يقم عليها أي دليل، هي ظنون مجردة من العلم، قائمة على الهوى، مخالفة للشرع، وكلها أوهام؛ وفيما يلي صورًا منها في القرآن:
أولًا: عدم قيام الساعة:
الحياة في نظر المشركين هي ما يرونه في الدنيا رأي العين، جيل يموت وجيل يحيا وفي ظاهر الأمر لا تمتد إليهم يد بالموت، إنما هي الأيام تمضي، والدهر ينطوي فإذا هم أموات، فالدهر إذن هو الذي ينهي آجالهم، ويلحق بأجسامهم الموت فيموتون 80 {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) } [الجاثية: 24] .
{وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) } [الأنعام: 29] .
{إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) } [المؤمنون: 37] .
وقد ظن الجن كما ظنت الإنس أن الله لن يبعث أحدًا، على قول من قال إن المقصود في قوله: {وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7) } [الجن:7] هو البعث بعد الموت. يظنون ظنًا غامضًا واهيًا، لا يقوم على تدبر، ولا يستند إلى علم، ولا يدل على إدراك لحقائق الأمور، ولا ينظرون إلى ما وراء ظاهرتي الحياة والموت من سر يشهد بإرادة أخرى غير إرادة الإنسان، وبسبب آخر غير مرور الأيام 81.
إن المشركين لا يؤمنون ببعث ولا نشور، بل هم في شك ووهم وعمى من ذلك، ويعدونه من الأساطير والسحر، لعظمه واستحالته في تصورهم وما هذا إلا لجهلهم وسفههم. يقول الله مخبرًا عن حالهم بأسلوب بديع يبين لنا اضطرابهم في هذا الأمر: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) } [النمل:66 - 68] .
ويقول عز وجل: {وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) } [هود:7] .
وقد رد الله عليهم ظنهم وزعمهم الباطل بأن هذا يسيرٌ عليه سبحانه: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) } [التغابن:7] .
وقال: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) } [القيامة:3 - 4] .
بل قد نزّه نفسه سبحانه عما يترتب على هذا الوهم والظن من العبث في الخلق؛ فقال عز وجل: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) } [المؤمنون:115، 116] .
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ} : «أي: أفظننتم أنكم مخلوقون عبثًا، بلا قصد، ولا إرادة منكم، ولا حكمة لنا. وقيل: للعبث. أي: لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم، لا ثواب لها ولا عقاب، وإنما خلقناكم للعبادة وإقامة أوامر الله عز وجل. {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} أي: لا تعودون في الدار الآخرة. كما قال تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) } [القيامة: 26] يعني هملًا «82.
فمن ظن بالله أن يترك خلقه سدى معطلين عن الأمر والنهي، ولا يرسل إليهم رسله ولا ينزل عليهم كتبه بل يتركهم هملًا كالأنعام فقد ظن به ظن السوء 83. قال ابن القيم رحمه الله واصفًا هذا الظن: «من ظن أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازي المحسن فيها بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهر للعالمين كلهم صدقه وصدق رسله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين، فقد ظن به ظن السوء 84.
وقد أنكر سبحانه على من وهم وشك في ذلك؛ فالبعث من أمور العقيدة الغيبية ويحتاج إلى يقين؛ قال سبحانه: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) } [المطففين: 4 - 5] .
ومجيء الآيات بأسلوب الاستفهام الاستنكاري دليل على أن ظنهم في منتهى السوء الذي قد يوصل للكفر، بل عدّه سبحانه من الاستكبار حيث قال: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) } [القصص:39] .
وهو من ظلم النفس كما قال تعالى: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) } [الكهف:36 - 35] .
ففي قوله: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} قال الطبري رحمه الله: يقول تعالى ذكره: هذا الذي جعلنا له جنتين من أعناب، دخل جنته-وهي بستانه-وهو ظالم لنفسه، وظلمه نفسه: كفره بالبعث، وشكّه في قيام الساعة، ونسيانه المعاد إلى الله تعالى، فأوجب لها بذلك سخط الله وأليم عقابه 85.
ثانيًا: دوام الدنيا ونعيمها:
هذه الدنيا التي يستغرق فيها بعض الناس، ويضيعون الآخرة كلها لينالوا منها بعض المتاع، ظانين دوامها؛ لا أمن فيها ولا اطمئنان، ولا ثبات فيها ولا استقرار، ولا يملك الناس من أمرها شيئًا إلا بمقدار. وقد ضرب سبحانه المثل لحالها بسرعة تقضيها وزوال نعيمها؛ فقال: {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) } [يونس: الآية 24] .
وهذا المثل من أحسن الأمثلة، وهو مطابق لحالة الدنيا، فإن لذاتها وشهواتها وجاهها ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زها وقتًا قصيرًا، فإذا استكمل وتم؛ اضمحل، وزال عن صاحبه، أو زال صاحبه عنه، فأصبح صفر اليدين منها، ممتلئ القلب من همها وحزنها وحسرتها 86.
لقد بين الله لنا حقيقة الدنيا، بتقريب المعاني إلى الأذهان، وضرب الأمثال وهي نافعة لمن أعمل فكره وعقله وهداه الله، وأما الغافل المعرض، فهذا لا تنفعه الآيات، ولا يزيل عنه الشك البيان، بل يتعلق بأوهام ظانًا دوام هذه الدنيا، وأن نعيمها لن يزول.
ويظلم نفسه بهذا الظن كما أخبر سبحانه عنه: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) } [الكهف: 36] .
فصاحب البستان قد ظلم نفسه؛ وذلك لسوء ظنه بالله تعالى وشكه في إبادة جنته (بستانه) ، وقيام الساعة 87.
ثالثًا: الشك في قدرة الله 88:
إن الإيمان بكمال الله وقدرته على كل شيء من أمور العقيدة التي لا بد أن تبنى على اليقين، فهذا الخلق العظيم يحمل دلالة طلاقة قدرة الله تعالى الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. إلا أن بعض الناس قد ساقهم كبرياؤهم و ظنونهم السيئة إلى التعالي على الله والشك في قدرته سبحانه حتى على أنفسهم وهذا ما يفيده قوله: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) } [البلد:5] .
فالإنسان في نفسه وقوته يظن أن لن يقدر عليه أحد، لأنه في عنفوان شبابه وقوته وكبريائه وغطرسته، فيقول لا أحد يقدر علي، أنا أعمل ما شئت، ومنه قوله تعالى في قوم عاد: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [فصلت: 15] .
حتى الرب عز وجل يظنون أنه لا يقدر عليهم، وهذا لا شك بالنسبة للكافر، أما المؤمن فإنه يعلم أن الله قادر عليه، وأنه على كل شيء قدير فيخاف منه 89.
وكذلك الحال في يهود بني النضير حينما ظنوا أن حصونهم ستمنعهم من الله، فالمسلمون ظنوا عدم خروجهم من ديارهم، لحصانتها ومنعتها وعزهم فيها، وهذا حسبان في محله. لكنهم هم تمادوا في ظنهم فأعجبوا بحصونهم وقوتها وغرتهم، وحسبوا أنهم لا ينالون بها، ولا يقدر عليها أحد، وقدر الله تعالى وراء ذلك كله، لا تغني عنه الحصون والقلاع، ولا تجدي فيهم القوة والدفاع.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (2) } [الحشر: 2] .
ومن الشك في قدرة الله الظن بأن الله محتاج إلى الولد أو الشريك، يقول ابن القيم رحمه الله «ومن ظن بأن لله سبحانه ولدًا أو شريكًا أو أن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه فيدعونهم ويحبونهم كحبه، ويخافونهم كخوفه فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه 90.
لقد نزّه الله نفسه عن الولد وبيّن أنّه في غنى، فقال عز وجل: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) } [يونس:68] .
ففي قوله: {سُبْحَانَهُ} تنزيهًا لذاته العلية عن مستوى هذا الظن أو الفهم أو التصوّر، فهو الغني بكل معاني الغنى عن كل ما يخطر وما لا يخطر على البال مما يقتضي وجود الولد. والمقتضيات هي التي تسمح بوجود المقتضيات، فلا يوجد شيء عبثًا بلا حاجة ولا حكمة ولا غاية. له ما في السماوات وما في الأرض فكل شيء ملكه، ولا حاجة به سبحانه لأن يملك شيئًا بمساعدة الولد، فالولد إذن عبث، تعالى الله عن العبث! 91.
ثم إنّ الشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله والشك في قدرته سبحانه؛ فلما واجه إبراهيم عليه السلام الصّابئين 92 المشركين من قومه، ذكّرهم بما أوقعهم في شركهم، وهو ظن السّوء بربّ العالمين.
قال تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) } [الصافات 85 - 87] .
يقول ابن القيم رحمه الله في تقرير ذلك: «كل شرك في العالم فأصله التعطيل، فإنه لولا تعطيل كلامه سبحانه أو بعضه وظن السوء به ما أشرك به، كما قال إمام الحنفاء لقومه: {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) } [الصافات:86 - 87] .
أي: فما ظنكم به أن يجازيكم، وقد عبدتم معه غيره؟ وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء؟ أظننتم أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان؟ أم ظننتم أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده حتى يحتاج إلى شركاء تعرفه بهم كالملوك؟ أم ظننتم أنه لا يقدر وحده على الاستقلال بتدبيرهم وقضاء حوائجهم؟ أم هو قاسٍ فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده؟» 93.
إنّ المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم ... ؛ وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته، وإما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك، وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة، أولا يرحم حتى يجعله الواسطة يرحم، أو لا يكفي عبده وحده، ... أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه، كما هو حال ملوك الدنيا؛ وهذا أصل شرك الخلق 94.
رابعًا: عدم نصر الله لأنبيائه وأوليائه:
لا يتمّ للعبد إيمان ولا توحيد حتى يعتقد جميع ما أخبر الله به من أسمائه وصفاته وكماله وتصديقه بكل ما أخبر به، وأنه يفعله، وما وعد به من نصر الدين وإحقاق الحق وإبطال الباطل، فاعتقاد هذا من الإيمان، وطمأنينة القلب بذلك من الإيمان. وكل ظن ينافي ذلك فإنه من ظنون الجاهلية النافية للتوحيد؛ لأنها سوء ظن بالله، ونفي لكماله وتكذيب لخبره، وشك في وعده 95.
ففي غزوة أحد لما حصل ما حصل من هزيمة المسلمين، وكان من المنافقين من انخذل من الجيش فرحوا بذلك أشدّ الفرح، وظنوا أنه لا قائمة للإسلام بعد ذلك: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154) } [آل عمران:154] .
عن ابن جريج قال: «قيل لعبد الله بن أبي: قتل بنو الخزرج؟ قال: وهل لنا من الأمر من شيء 96. وقال الزّبير رضي الله عنه: «لقد رأيتني مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حين اشتدّ الخوف علينا، أرسل اللّه علينا النّوم، فما منّا من رجلٍ إلا ذقنه في صدره، قال: فواللّه إنّي لأسمع قول معتّب بن قشيرٍ، ما أسمعه إلا كالحلم: لو كان لنا من الأمر شيءٌ ما قتلنا ها هنا، فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل اللّه: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} لقول معتّبٍ» 97.
فليس مقصودهم بالكلمة الأولى والثانية إثبات القدر ورد الأمر كله إلى الله، ولو كان ذلك مقصودهم بالكلمة الأولى لما ذمّوا عليه، ولما حسن الرد عليه بقوله: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} ولا كان مصدر هذا الكلام ظن الجاهلية.
ولهذا قال غير واحد من المفسرين: «إن ظنهم الباطل ها هنا هو التكذيب بالقدر وظنهم أن الأمر لو كان إليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه تبعًا لهم يسمعون منهم؛ لما أصابهم القتل ولكان النصر والظفر لهم، فأكذبهم الله عز وجل في هذا الظن الباطل، الذي هو ظن الجاهلية، وهو الظن المنسوب إلى أهل الجهل الذين يزعمون بعد نفاذ القضاء والقدر الذي لم يكن بد من نفاذه أنهم كانوا قادرين على دفعه، وأن الأمر لو كان إليهم لما نفذ القضاء فكذّبهم الله بقوله: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله سبحانه بأنه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل، وفسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضاء الله وقدره ولا حكمة له فيه 98.
قال الطبري رحمه الله: «يعني بذلك جل ثناؤه وطائفة منكم أيها المؤمنون قد أهمتهم أنفسهم. يقول: هم المنافقون لا همّ لهم غير أنفسهم، فهم من حذر القتل على أنفسهم وخوف المنية عليها في شغل قد طار عن أعينهم الكرى 99، يظنون بالله الظنون الكاذبة ظن الجاهلية من أهل الشرك بالله؛ شكًا في أمر الله وتكذيبًا لنبيه صلى الله عليه وسلم ومحسبة منهم أن الله خاذلٌ نبيه، ومعلٍ عليه أهل الكفر به» 100.
فالمقصود بـ {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} المنافقين. وهم: معتّب بن قشير 101 وأصحابه، وكانوا خرجوا طمعًا في الغنيمة، وخوف المؤمنين؛ فلم يغشهم النعاس. وجعلوا يتأسفون على الحضور، ويقولون الأقاويل 102.
ثم لما كانت غزوة الخندق عاود المنافقين ظنّهم السيئ وقالوا مقولاتهم المرجفة: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) } [الأحزاب: 10 - 12] .
قال الحسن رحمه الله: «ظنون مختلفة، ظن المنافقون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه يستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق، وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون 103. لقد ظهر نفاق المنافقين؛ لأن ظنهم السيئ هداهم إلى أن دعوة الإسلام على مشارف الانتهاء والاضمحلال، وأخذوا يشككون في وعد الله ورسوله، حتى قال قائلهم: «كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط! 104. وخيب الله ظنهم، فحفظ المؤمنين، ورد الكافرين على أعقابهم لم ينالوا خيرًا {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) } [الأحزاب: 25] .
ويتواصل الظن السيئ مع المنافقين؛ لأن قلوبهم قد مردت على النفاق، فتكون غزوة الحديبية التي ما خرج فيها مع المؤمنين أحد من المنافقين؛ لأنهم لا يحبون أن يراهم المشركون متلبسين بأعمال المسلمين، مظاهرين لهم، وكانوا يحسبون أن المشركين يدافعون المسلمين عن مكة، وأن النصر سيكون للمشركين.
لقد ظنوا أن الله تعالى لم يعد رسوله صلى الله عليه وسلم بالفتح، ولا أمره بالخروج إلى العمرة، ومن ثم لن ينصر لقلة أتباعه وقوة أعدائه؛ فسجل القرآن عليهم هذا الظن السيئ، وجعل عليهم دائرة السوء {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) } [الفتح:6] .
وتمادى بهم ظنهم السيئ، وامتلأت به قلوبهم، وزينه لهم شياطينهم؛ حتى اعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يرجع من الحديبية سالمًا، وهذا هو شأن العقول الواهية، والنفوس الهاوية أن لا تأخذ من الصورة التي تتصور بها الحوادث إلا الصورة التي تلوح لها في بادئ الرأي والتي تهواها وتحبها 105.