فهرس الكتاب

الصفحة 632 من 2431

ولنا في هذه القصة القدوة الحسنة، فشبابنا وبناتنا الآن يتعرضون لمحن كثيرة تتعلق بالعفة، فنجدهم يستسلمون للشيطان ويسمحون له بأن يتحكم في عقولهم ويزين لهم المنكر، على أنه علاقة اعتيادية أو علاقة مبدئية لحصول الزواج، وكذلك يتدخل الشيطان في كل أمور حياتنا، فهو الذي يوسوس للسارق أن يستكثر من ماله، وللموظف ألا يؤدي ما عليه بأمانة، وللأبناء أن يتركوا بر آبائهم، وللآباء أن يقصروا في حق أبنائهم.

وليس للمؤمن للخروج من هذه الابتلاءات إلا أن يتوكل على الله تعالى، ويثق به في تصريف أموره، مع الأخذ بالأسباب المعينة على مواجهة الشيطان، ومن ذلك:

سابعًا: الإصلاح:

بذل أنبياء الله الكرام طاقاتهم القصوى من أجل إصلاح شؤون أقوامهم، وقد اعتمدوا في جهودهم الإصلاحية على توفيق الله تعالى ووكلوه أمورهم.

قال تعالى مصوّرًا قصة سيدنا شعيب عليه السلام مع قومه: (قالوا يا شُعَيبُ أَصَلاتُكَ تَأمُرُكَ أَن نَترُكَ ما يَعبُدُ آباؤُنا أَو أَن نَفعَلَ في أَموالِنا ما نَشاءُ إِنَّكَ لَأَنتَ الحَليمُ الرَّشيدُ ?87? قالَ يا قَومِ أَرَأَيتُم إِن كُنتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبّي وَرَزَقَني مِنهُ رِزقًا حَسَنًا وَما أُريدُ أَن أُخالِفَكُم إِلى ما أَنهاكُم عَنهُ إِن أُريدُ إِلَّا الإِصلاحَ مَا استَطَعتُ وَما تَوفيقي إِلّا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَإِلَيهِ أُنيبُ ?88? وَيا قَومِ لا يَجرِمَنَّكُم شِقاقي أَن يُصيبَكُم مِثلُ ما أَصابَ قَومَ نوحٍ أَو قَومَ هودٍ أَو قَومَ صالِحٍ وَما قَومُ لوطٍ مِنكُم بِبَعيدٍ?89? وَاستَغفِروا رَبَّكُم ثُمَّ توبوا إِلَيهِ إِنَّ رَبّي رَحيمٌ وَدودٌ?90? قالوا يا شُعَيبُ ما نَفقَهُ كَثيرًا مِمّا تَقولُ وَإِنّا لَنَراكَ فينا ضَعيفًا وَلَولا رَهطُكَ لَرَجَمناكَ وَما أَنتَ عَلَينا بِعَزيزٍ?91? قالَ يا قَومِ أَرَهطي أَعَزُّ عَلَيكُم مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذتُموهُ وَراءَكُم ظِهرِيًّا إِنَّ رَبّي بِما تَعمَلونَ مُحيطٌ ?92? وَيا قَومِ اعمَلوا عَلى مَكانَتِكُم إِنّي عامِلٌ سَوفَ تَعلَمونَ مَن يَأتيهِ عَذابٌ يُخزيهِ وَمَن هُوَ كاذِبٌ وَارتَقِبوا إِنّي مَعَكُم رَقيبٌے) [هود:87 - 93] .

وقد كان من أهم الأمور التي دعا شعيب عليه السلام قومه إليها بجانب توحيد الله هو ترك التطفيف في الكيل والميزان، فقد اشتهر عنهم هذا السلوك المخالف لمبدإ العدل الذي دعا إليه الله تعالى على لسان جميع أنبيائه، ولا يخفى ما يتبع سلوك الظلم من فساد اجتماعي واقتصادي في المجتمع، واستنكر القوم على شعيب أن يدعوهم إلى ترك ما كان يعبده آباؤهم من أوثان، وكذلك ترك التطفيف في البيع والشراء، ولم يعجبهم ذلك، بل استهزؤا به عليه السلام وبصلاته التي جعلته يقتنع بأفكار مخالفة لأفكارهم.

لكنه خاطبهم باللين والرفق، وبيّن لهم أن الله تعالى قد امتنّ عليه بالرسالة والهداية فأراد أن يهديهم إلى الحق كما هداه الله، وأنه لا يصح أن يخون الوحي، ويترك النهي عن الشرك والظلم، وأنه يريد أن ينصحهم بما نصح نفسه، وأنه لن ينهاهم عن الشيء ويأتيه، بل سيكون القدوة لهم، ووضّح أن غرضه في كل ما يفعل هو إصلاح عقيدتهم وشريعتهم وأمور مجتمعهم، ثم أعلن أن التوفيق الذي ينتظره هو من عند الله وحده وأنه عليه السلام متوكل على الله معتمد على قوته وحكمته وقدرته عز وجل في تيسير أمور دعوته، فالله تعالى هو خالقنا وإليه نعود 82.

وقد بيّن الله تعالى أثناء سرد القصة الأسباب التي اتخذها شعيب عليه السلام في توكله على الله، فلم يكتف عليه السلام على التوكل القلبي والإعلان القوليّ عن توكله، بل عمل من أجل الإصلاح الذي أخبر قومه به، ومن اجتهاداته الإصلاحية ما يلي:

هذا نبي الله الكريم الذي لم يقصّر في بذل الجهد لإصلاح عقيدة قومه وسلوكهم، وهكذا لا بد أن نكون، فنبذل ما نستطيع من أجل إعلاء كلمة الله تعالى، لا يمنعنا من ذلك خوفٌ من أي شيء؛ فالله تعالى وكيلنا، عليه نعتمد في كل أمر، وهو الذي وعد عباده المتوكلين المصلحين بالثواب.

قال تعالى: (وَالَّذينَ يُمَسِّكونَ بِالكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنّا لا نُضيعُ أَجرَ المُصلِحينَ) [الأعراف:170] .

ثامنًا: إبرام العقود والمعاهدات:

أمر الله سبحانه وتعالى نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يتوكل عليه عز وجل في عهوده، لا سيما مع غير المؤمنين، فالله تعالى الخبير بصدقهم وكذبهم، وهو كافيه شرّهم وهو الذي لا يضر عباده المتوكلين مهما مكر بهم الماكرون.

قال تعالى: (وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم وَآخَرينَ مِن دونِهِم لا تَعلَمونَهُمُ اللَّهُ يَعلَمُهُم وَما تُنفِقوا مِن شَيءٍ في سَبيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيكُم وَأَنتُم لا تُظلَمونَ ?60? وَإِن جَنَحوا لِلسَّلمِ فَاجنَح لَها وَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ العَليمُ) [الأنفال:60 - 61] .

وفي الآية أمر للمسلمين بالاستعداد لقتال الأعداء، واتخاذ ما من شأنه تقويتهم على الأعداء، من أدوات الرمي والسيوف والنبال والخيول وغيرها، حتى يخاف الكفار، والمنافقون وأهل الكتاب الذين لا يعرف المسلمين أشخاصهم، لكن الله هو العليم الخبير الذي يعرفهم، ثم أمر الله تعالى نبيه الكريم أن يجنح للسّلم إن هم جنحوا له ولجأوا إليه، وأن يعاهدهم ويبرم معهم العقود على عدم التعدي على المسلمين أو المساس بهم.

وقد أمر رب العزة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتوكل عليه في إبرام هذه المعاهدات وألا يخاف من إبطانهم الخداع والمكر، فإن الله هو العاصم لرسوله والمؤمنين من مكرهم، وهو الذي يحيقه بهم إن قصدوه، فجاء الأمر له عليه السلام بتفويض أمره إلى الله فيما عقده مع العدو ليكون عونًا له في جميع أحواله، فهو السميع لأقوالهم العليم بما في صدورهم من نيّات 83.

وفي موضع آخر، يقول الحق عز وجل: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى? فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ?80? وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى? بِاللَّهِ وَكِيلًا) [النساء:80 - 81] .

فقد بيّن الله تعالى أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة الله عز وجل وذلك لأنه عليه السلام (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ?3? إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم:3 - 4] .

وأن من تولى عنك يا محمد فاتركه، فلا عليك منه، إن عليك إلا البلاغ، ثم يذكر رب العزة أن هناك من المنافقين وضعاف القلوب من يعاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة والقتال معه، ثم ما إن يخرجوا من عنده حتى يتسارّوا فيما بينهم على خلاف ذلك، والله تعالى يعلم ما يضمرونه من مكر لرسوله الكريم، ويقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: اصفح عنهم واحلم عليهم ولا تؤاخذهم، ولا تكشف أمورهم للناس، ولا تخف منهم ومن مكرهم، وكفى بالله وليًّا وناصرًا ومعينًا لمن توكل عليه وأناب إليه، فالتوكل هو أساس الاطمئنان، وهو سمة الأنبياء الذين لطالما عاهدوا أقوامهم، ولم يقلقوا من كيد الأعداء فالله تعالى وكيلهم وسندهم وحاميهم وكافيهم شرور الكائدين 84.

أولًا: ثمرات التوكل في الدنيا:

1.محبة الله للمتوكلين.

تأكد في القرآن الكريم حب الله عز وجل للمتوكلين، تأمل قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران:159] .

فقد دعا رب العزة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم إلى مشاورة المؤمنين في أموره، ثم قال له: إذا اطمأنّ قلبك لما اخترت ففوّض أمرك إلى الله واعتمد عليه، وامض بجوارحك، فالله يحب المتوكلين، ومحبته تعالى هي أعظم محبة وهي التي تجلب النصرة والهداية والتوفيق 85.

يمتنّ الله تعالى على من يحب من عباده بأن يجعل له حبًّا في قلوب الناس.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) } [مريم:96] .

والمعنى: إن الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بما أمرهم من آداب وشيم- ومن أجلّ تلك الآداب التوكل- سيوقع الله محبتهم وألفتهم في صدور عباده 86.

وذكر أن الله تعالى سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تودد منهم، يحبهم الناس، ويتحابون فيما بينهم، ويحبهم اللّه تعالى ويرضى عنهم 87.

وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبدًا نادى جبريل: إن الله قد أحبّ فلانًا فأحبّه، فيحبه جبريل ثم ينادي جبريل في السماء: إن الله قد أحبّ فلانًا فأحبّوه، فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في أهل الأرض) 88.

2.كفاية الله للمتوكلين.

وعد الله عز وجل عباده المتوكلين عليه بالكفاية.

قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3] .

فقد قضى الله عز وجل على نفسه كفاية المتوكلين، فهو سبحانه الذي يكفيهم ما أهمّهم في دينهم ودنياهم، وهو الضامن لهم الرزق، الحافظ له من كل ما يخشون 89.

قال الربيع بن خثيم يبيّن معنى {فَهُوَ حَسْبُهُ} : «من كل ما ضاق على الناس» 90.

وقد دعا المؤمنون الله تعالى باسمه الوكيل كي يحميهم ويمنع عنهم كيد الكائدين.

عن ابن عباس رضي الله عنه: (حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران:173] ) 91.

أي: الله ربنا، وهو كافينا كل ما أهمنا وهو المفوض إليه تدبير عباده، والقائم بمصالحهم 92.

3.النجاة من الخذلان.

النصر والنجاة من الخذلان هي مكافأة الله تعالى للمتوكلين عليه.

قال تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) } [آل عمران:160] .

فنصر الله تعالى هو النصر الحقيقي، وخذلانه للعبد بتركه نصرته ومساندته هو الخذلان الحقيقي، فمهما بلغت مناصرة البشر فهي ليست بشيء أمام مناصرة رب البشر، ومن ناصره الله فلن يضره خذلان الخاذلين، ولن يضيره تقاعس المتقاعسين، قال ابن القيم: «هو حسب من توكل عليه، وكافي من لجأ إليه، وهو الذي يؤمّن الخائف ويجير المستجير، فمن تولاه واستنصر به وتوكل عليه وانقطع بكليّته إليه؛ تولاه وحفظه وحرسه وصانه، ومن خافه واتقاه أمّنه مما يخاف ويحذر، وجلب إليه ما يحتاج إليه من المنافع» 93.

4.النجاة من كيد الشيطان.

قال تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65) } [الإسراء:64 - 65] .

فقد تحدى الله تعالى الشيطان أن يبذل كل جهده وأن يقطع من يشاء عن الحق، وأن يستخدم كل صوت له ولأعوانه في الوسوسة والإبعاد عن الدين، وأن يبذل في سبيل ذلك كل الوسائل المادية المتاحة له، ووعد عز وجل عباده ألا يجعل للشيطان سلطانًا عليهم، وأنه تعالى سيكفيهم ويعصمهم من إغوائه وكيده 94، وهو تعالى القائل في محكم كتابه: {وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [المجادلة:10] .

فالمؤمن لا يضره التآمر من أي كائن كان؛ لأن الله تعالى حافظه، يقول سيد قطب: «فهو الحارس الحامي، وهو القوي العزيز، وهو العليم الخبير، وهو الشاهد الحاضر الذي لا يغيب، ولا يكون في الكون إلا ما يريد، وقد وعد بحراسة المؤمنين، فأي طمأنينة بعد هذا وأي يقين؟» 95

5.النجاة من الكربات.

ومن النماذج التي تبيّن نجاة المؤمنين المتوكلين بفضل الله تعالى قصة أصحاب الكهف، فقد فرّوا من ملكهم وقومهم الكافرين ولجأوا إلى حماية الله تعالى.

قال تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) } [الكهف:10 - 11] .

فقد أوى أولئك الفتية إلى الكهف خائفين لعلّهم يستترون عن الأنظار فلا يراهم أحد من قومهم، وهذا أخذٌ بالأسباب، فلم يكتفوا بالدعاء والمكوث بين الظلمة، بل تركوا المكان، وذادوا بدينهم إلى مكان أمين، ثم فوّضوا أمرهم إلى ربهم، فضرب الله على آذانهم حجابًا يمنعهم من سماع الأصوات والحركات، فناموا في كهفهم ثلاثمائة وتسع سنين، وكانوا يتقلبون بلطف الله وتدبيره من جنب إلى جنب، حتى بعثهم من نومهم وكانت قريتهم وقتئذٍ قد آمنت ولم يعد فيها ملكٌ ظالم، وهذا تفريج الله تعالى لكربتهم واستجابته لتضرعهم 96.

وقد بيّن سيد قطب أن قلوب هؤلاء الفتية مؤمنة ثابتة راسخة، متوكلة مطمئنة إلى الحق الذي عرفت، معتزة بالإيمان الذي اختارت، وقد استحقت بذلك رحمة الله تعالى 97.

ومن أروع الأمثلة على تفريج الكربات، ما حدث أثناء هجرة محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه.

قال الله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) } [التوبة:40] .

فقد خرج رسولنا صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد إيذاء المشركين وتآمرهم على قتله، وليس لديه قوة تكفي لمقاومتهم ومدافعتهم، والعرب كلهم ضده، وكان معه صاحبه أبو بكرٍ رضي الله عنه، فكان المقام مقام أدب التوكل الكامل 98.

وقد لجآ إلى الغار، فأقاما فيه ثلاثة أيام ليسكن الطلب عنهما، وذلك لأن المشركين حين فقدوهما ذهبوا في طلبهما كل مذهب من سائر الجهات، وجعلوا لمن ردهما أو أحدهما مائة من الإبل، واقتصوا آثارهما حتى اختلط عليهم، واحتاروا في مكانهما، فصعدوا الجبل الذي هما فيه، وجعلوا يمرون على باب الغار، فتحاذي أرجلهم باب الغار ولا يرونهما، حفظًا من الله لهما 99.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متأدبًا بالثقة في نصر الله، فنصره الله وأعلى قدره، ومكّن دينه في سائر أنحاء الأرض، والله عزيزٌ في انتقامه وانتصاره، منيع الجناب، لا يضام من لاذ ببابه واحتمى بالتمسك بخطابه، حكيمٌ في أقواله وأفعاله 100.

ثانيًا: ثمرات التوكل في الآخرة:

1.النجاة من العذاب.

النجاة من العذاب هي مطلب كل مؤمن، وهي الحق الذي وعد الله به عباده المخلصين.

قال تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) } [يونس:103] .

فالمؤمن المتّبع لرسل الله عليهم السلام، المخلص المتقي الشاكر المتوكل يستحق الرحمة من العذاب 101.

ويذكر السعدي أن تلك النجاة تثبت للمؤمنين في الدنيا والآخرة على السواء، وهذا من قبيل دفاع الله تعالى عن المؤمنين الذي ورد في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:38] .

وأوضح أنه على قدر ما يتحلى المرء بالآداب، تحصل له النجاة من المكاره 102.

ومن نماذج نجاة المؤمنين من العذاب، نجاة سيدنا هود ومن آمن معه.

قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) } [هود:58] .

وذكر ابن عجيبة أن ذكر النجاة تكرر في هذه الآية مرتين؛ لأن الله تعالى عنى بالأولى تنجيتهم من عذاب ريح السموم الذي أصاب قومهم، والتنجية الأخرى من العذاب الغليظ، قصد بها نجاتهم من النار يوم القيامة 103.

وذكر الله تعالى نجاة قوم صالح عليه السلام في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) } [هود:66] .

وذكر القشيري أن رب العزة قد أجرى على المكذبين ما توعدهم به من عذاب غير مكذوب، ونجّى نبيّهم المتوكل عليه السلام، ونجّى من اتّبعه من كل عقوبة في الدنيا والآخرة، سنّةً منه سبحانه في تنجية أوليائه أمضاها، وعادةً في تلطفه ورحمته بالمستحقين أجراها 104.

2.دخول الجنة.

الجنة هي أسمى غايات المؤمن، وأرجى آماله، وغاية عمله وعبادته.

قال تعالى واعدًا عباده المتوكلين الصابرين بالخلود في النعيم المقيم: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59) } [العنكبوت:58 - 59] .

فهذا وعد الله تعالى للمؤمنين المتوكلين بإسكانهم منازل عالية في الجنة، تجري من تحت أشجارها الأنهار، على اختلاف أصنافها، من ماء وخمر وعسل ولبن، ماكثين فيها أبدًا، لا يبغون عنها حولًا، جزاءً لهم على أعمالهم، وأنعم به من جزاء! 105.

قال تعالى: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الشورى:36] .

حيث يكون ثواب الله نعيمًا لا يفنى، ورزقًا لا ينفد، وهذا الجزاء للذين آمنوا، وتوكلوا على ربهم، وأسلموا أمرهم له، فثواب الله خيرٌ في طبيعته، أبقى في مدته من أي ثواب 106.

وفي الحديث عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب؛ هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) 107.

موضوعات ذات صلة:

الألوهية، الإيمان، التوحيد، العبادة

1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 6/ 136.

2 انظر: العين، الفراهيدي 5/ 405، مختار الصحاح، الرازي 1/ 344.

3 لسان العرب 11/ 734.

4 التعريفات، الجرجاني 1/ 70.

5 مفاتيح الغيب 9/ 410.

6 مدارك التنزيل 1/ 439.

7 التحرير والتنوير 4/ 151.

8 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 762 - 763، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص 1425 - 1453.

9 انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، 4/ 336 - 338، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 5/ 266 - 275، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص 607 - 608.

10 انظر: تاج العروس، الزبيدي 26/ 450.

11 التوقيف، المناوي 1/ 116.

12 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 3/ 302، مختار الصحاح، الرازي، 1/ 218، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، 2/ 626.

13 الكليات، الكفوي 1/ 151.

14 العين، الفراهيدي 2/ 266.

15 انظر: التفسير المنير، الزحيلي 4/ 142.

16 تاج العروس، الزبيدي 18/ 496.

17 التوقيف، المناوي 1/ 104.

18 انظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، صالح الفوزان 1/ 78.

19 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 13/ 203.

20 انظر: الكشاف، الزمخشري 2/ 364.

21 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 18/ 414.

22 انظر: الجواب الكافي، ابن القيم 1/ 137.

23 انظر: المواقف، الإيجي 3/ 322.

24 المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى ص 129.

25 انظر: الفروق اللغوية، العسكري 1/ 577.

26 انظر: مراح لبيد، محمد الجاوي 1/ 409.

27 انظر: المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، الطوسي ص 86.

28 انظر: شرح العقيدة الواسطية، الهراس ص 107.

29 جامع البيان 1/ 107.

30 انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 10/ 517.

31 انظر: أيسر التفاسير، الجزائري 4/ 605.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت