فهرس الكتاب

الصفحة 1815 من 2431

وقيل: «فقالوا معاندين للحق مكذبين لنبيهم بعدما ذكرهم بنعم الله: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ} أي: الجميع على حد سواء، وهذا غاية العتو، فإن قومًا بلغت بهم الحال إلى أن صارت مواعظ الله التي تذيب الجبال الصم الصلاب وتتصدع لها أفئدة أولي الألباب وجودها وعدمها عندهم على حدٍ سواء لقوم انتهى ظلمهم واشتد شقاؤهم وانقطع الرجاء من هدايتهم» 73.

وكل ما وجده نبيهم هود عليه السلام منهم كما ذكرنا سابقا، إلا أنه أوضح لهم أنه متوكل على الله سبحانه وتعالى ولن يضروه بشيء، وهذا ما بينه أبو حيان في تفسيره: «مجاهرة هودٍ عليه السلام لهم بالبراءة من أديانهم وحضه إياهم على كيده هم وأصنامهم معجزةٌ لهودٍ، أو حرض جماعتهم عليه مع انفراده وقوتهم وكثرتهم فلم يقدروا على نيله بسوءٍ، ثم ذكر توكله على الله معلمًا أنه ربه وربهم، ومنبهًا على أنه من حيث هو ربكم يجب عليكم أن لا تعبدوا إلا إياه، ومفوضًا أمره إليه تعالى ثقةً بحفظه وإنجاز موعوده، ووعدهم هود عليه السلام على الإيمان والتوبة بكثرة الغيث وتضاعف القوة بالتناسل شرط أن لا يتولوا ولا يعرضوا عما يدعوهم إليه، إلا أنهم مصرين على إجرامهم» 74.

ولهذا لم يؤمن منهم إلا القليل فكانت لهم النجاة في الدنيا والآخرة.

ويستفاد من ذلك: أن قوم هود عليه السلام تفننوا في كيفية صد دعوة نبيهم بمختلف الطرق والوسائل، مما يدلل على عنادهم وإصرارهم على الكفر.

سبق أن ذكرنا أن نبي الله هود عليه السلام حينما دعا قومه ذكرهم نعم الله عليهم، وفي هذا المبحث نذكر هذه النعم ثم نبين موقفهم من تلك النعم.

أولًا: نعم الله على عاد:

فلقد عدد الله تعالى في كتابه نعمه عليهم، وبيانها كما يلي:

1.نعمة القوة.

ذكرها الله سبحانه على لسان هود عليه السلام في قوله: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود:52] .

وللمفسرين في بيان هذه القوة ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه الولد وولد الولد، رواه أبو صالح عن ابن عباس.

والثاني: يزدكم شدة إلى شدتكم، قاله مجاهد وابن زيد.

والثالث: خصبا إلى خصبكم، قاله الضحاك 75. ولا مانع من أن يكون المراد كل ذلك.

وجاء ذكرها أيضًا في سورة فصلت عند قوله تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [فصلت:15] .

قال الشوكاني: « {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} وكانوا ذوي أجسام طوال وقوة شديدة» 76.

وبين أبو السعود شيئًا من تلك القوة فقال: «وقد بلغ من قوتهم أن الرجل كان ينزع الصخرة من جبل فيقتلعها بيده» 77، فهذه قوة في أجسادهم، والسابقة زيادة عليها كما هو ظاهر الآيتين.

2.الخلافة في الأرض.

قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف:69] .

فهذه الخلافة نعمة أنعمها الله تعالى على قوم عاد، قال ابن كثير: «أي: واذكروا نعمة الله عليكم في جعلكم من ذرية نوح الذي أهلك الله أهل الأرض بدعوته لما خالفوه وكذبوه» 78.

وقال القرطبي: «من عليهم بأن جعلهم سكان الأرض بعد قوم نوح» 79.

قال أبو السعود: «اذكروا وقت جعله تعالى إياكم خلفاء من بعد قوم نوح أي: في مساكنهم أو في الأرض بأن جعلكم ملوكا، فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض من رمل عالج إلى شحر عمان» 80.

وقال ابن عاشور: «والمعنى: اذكروا الوقت الذي ظهرت فيه خلافتكم عن قوم نوح في تعمير الأرض والهيمنة على الأمم، فإن عادا كانوا ذوي قوة ونعمة عظيمة» 81.

فظهر من هذه النقولات أنهم خلفوا قوم نوح في مساكنهم، ومكن الله لهم في الأرض ملكا وتعميرا وهيمنة على من سواهم من الأمم.

3.بسطة الخلق.

قال تعالى: {وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} [الأعراف:69] .

وقد ذكر المفسرون أن المراد بالبسطة إما القوة أو بسطة البدن وطول الجسم 82.

والصحيح أن المراد بالبسطة طول الجسم، قال ابن كثير: «أي: زاد طولكم على الناس بسطة أي: جعلكم أطول من أبناء جنسكم» 83.

وقد نقل البغوي وغيره أقوالا تبين هذا الطول، قال البغوي: «طولا وقوة، قال الكلبي والسدي: كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع، وقامة القصير منهم ستون ذراعا. وقال أبو حمزة الثمالي: سبعون ذراعا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ثمانون ذراعا. وقال مقاتل: كان طول كل رجل اثني عشر ذراعا. وقال وهب: كان رأس أحدهم مثل القبة العظيمة، وكان عين الرجل تفرخ فيها الضباع، وكذلك مناخرهم» 84.

وفي هذه الأقوال أقوال مبالغة، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعًا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن) 85. ففي هذا الحديث دليل على أن كل قول فيه زيادة على ستين ذراعا غير صحيح، أما ما دونها فهو محتمل، قال رشيد رضا: «وفي التفسير المأثور روايات إسرائيلية الأصل في المبالغة في طولهم وقوتهم لا يعتمد عليها ولا يحتج بشيء منها، ولكن نص على قوتهم وجبروتهم في سورة هود والشعراء وفصلت» 86.

4.الأنعام والبنين.

قال تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ} [الشعراء: 132 - 133] .

وقدم الأنعام على البنين للطيفة ذكرها ابن عاشور فقال: «وابتدأ في تعداد النعم بذكر الأنعام لأنها أجل نعمة على أهل ذلك البلد، لأن منها أقواتهم ولباسهم وعليها أسفارهم وكانوا أهل نجعة فهي سبب بقائهم، وعطف عليها البنين لأنهم نعمة عظيمة بأنها أنسهم وعونهم على أسباب الحياة وبقاء ذكرهم بعدهم وكثرة أمتهم» 87.

5.الجنات والعيون.

قال تعالى: {وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الشعراء: 134] .

قال البغوي: « {وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي: بساتين وأنهار» 88.

6.أنهم تميزوا بإرم ذات العماد.

كما وصفهم الله بذلك في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) } [الفجر:6 - 8] .

المعنى: ذكر الله سبحانه وتعالى على سبيل الاستشهاد ما أنزله من عذاب مهين بالأقوام المكذبين، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} الرؤية هنا علمية، تشبيها للعلم اليقيني بالرؤية في الوضوح والانكشاف، لأن أخبار هذه الأمم كانت معلومة للمخاطبين، ويجوز أن تكون الرؤية بصرية لكل من شاهد آثار هؤلاء الأقوام البائدين.

والمراد بعاد: تلك القبيلة المشهورة بهذا الاسم، والتي كانت تسكن الأحقاف، وهو مكان في جنوب الجزيرة العربية، معروف للعرب، وسموا بذلك نسبة إلى أبيهم عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، فقوله تعالى: {إِرَمَ} عطف بيان لعاد، لأنه جده الأدنى.

وقوله تعالى: {ذَاتِ الْعِمَادِ} صفة لعاد، والمقصود بهذه القبيلة عادًا الأولى، التي أرسل الله تعالى إليهم هودًا عليه السلام وكانوا معروفين بقوتهم وضخامة أجسامهم، وقد جاء الحديث عنهم كثيرًا في القرآن الكريم، وقوله سبحانه: {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} صفة أخرى لقبيلة عاد، والتي كانت تسكن بيوتا ذات أعمدة ترفع عليها خيامهم ومبانيهم الفارهة، و {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا} [الفجر:8] ، أي: مثل هذه القبيلة لم يخلق أحد في ضخامة أجسام أفرادها، وفي قوة أبدانها، وفيما أعطاها الله تعالى من غنى وقوة.

وذكر أن {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} أي: القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم، لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم، فالضمير في {مِثْلُهَا} يعود إلى القبيلة 89.

و «عاد إرم» : كانوا بدوا ذوي خيام تقوم على عماد، وقد وصفوا في القرآن بالقوة والبطش، فقد كانت قبيلة عاد هي أقوى قبيلة في وقتها وأميزها: {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} في ذلك الأوان 90.

ثانيًا: موقف قوم عاد من تلك النعم:

نصحهم نبيهم عليه السلام بتذكر نعم الله وشكره عليها والخوف من عقابه إن كفروا بها، وأنكروها، ولكن كان موقفهم موقف الجاحد لأنعم الله غير المبالي من سخطه، مما جعلهم يطغون في البلاد، ويتكبرون ويستكبرون فيها بغير حساب، ويبطشون في الأرض، لقوله تعالى: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) } [الشعراء:130] .

أي: وإذا بطشتم بسوط أو سيف أو أخذتم أحدًا لعقوبة بطشتم جبارين مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرًا للعواقب، والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب، فاتقوا الله في البطش، وأطيعون فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون من ألوان النعماء وأصناف الآلاء، فأمدكم بأنعامٍ وبنين، وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها، وجناتٍ بساتين وعيونٍ، وأنهار خلال الجنات، إني أخاف عليكم عذاب يومٍ عظيمٍ إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها، فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، لقوله تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7] 91.

ولكن لا مطيع ولا مجيب، واستمروا على ما هم عليه، لقوله تعالى: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) } [الفجر:11 - 12] .

والمعنى: وصف الله من سبق ذكرهم في الآيات السابقة بأقبح الأوصاف جزاء كفرهم بالله وبنعمه عليهم فقال: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) } أي: هؤلاء الذين سلف ذكرهم من عاد وثمود وفرعون قد استعملوا سلطانهم وقوتهم في هضم حقوق الناس، واغتروا بعظيم قدرتهم، فكانوا سببًا في إفساد البلاد، ذاك أن من اغتر بنفسه وتهاون بحقوق غيره واعتدى عليها وأخذ ما ليس له ولم يعط الذي عليه يكون قد فكك شمل الجماعة وأفسد في البلاد، فيختل نظام العمران، ويقف دولاب التعامل، ويوجس كل امرئ خيفة من بنى جلدته، ولا شك أن أمما هذه حالها تكون عاقبتها الخراب والدمار، وبيان هذا العقاب في المبحث الذي يليه إن شاء الله تعالى 92.

بل إنهم ردوا على نبيهم الذي يدعوهم إلى أفضل النعم ألا وهي عبادة الله، وتذكيرهم بنعم الله عليهم كما ذكر في قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأعراف:69] قائلين: أجئتنا لأجل أن نعبد الله وحده ونترك ما كان يعبد آباؤنا؟

إن هذا لشيء عجاب!! فجئنا بما تعدنا من العذاب، فنحن مستعجلون، إن كنت من الصادقين في دعواك. وهذا منتهى الغرور والتكبر والجبروت 93.

ويستفاد من ذلك: نعم الله عز وجل على الإنسان كثيرة لا تعد ولا تحصى، ولهذا لا بد من شكر الله وحمده، ليزيدنا الله سبحانه وتعالى من فضله، ومن أنكر وجحد فله العقاب العظيم في الدنيا والآخرة.

الله سبحانه وتعالى يجازي المؤمنين على إيمانهم، ويكافئهم على صبرهم وقدرة تحملهم، وفي المقابل يعاقب الكافرين ويحاسبهم على طغيانهم وجبروتهم، وأوضح الله عز وجل أنه بعد ما أوحى إلى هود عليه السلام أنه لن يؤمن من قومه إلا القليل الذين استجابوا له، ولم تعد هناك فائدة من استمرار دعوة هود عليه السلام قومه، فنصره الله على قومه الذين كذبوا بالله سبحانه وتعالى وأدلته، فأنجاه منهم ومن معه من المؤمنين، وأهلك الكافرين أجمعين، وجاءت الكثير من الآيات التي تتحدث عن هلاك قوم عاد، وتوضيح ذلك على النحو الآتي:

أكد الله عز وجل في كتابه العزيز على هلاكهم في الدنيا والآخرة ليكونوا عبرة لغيرهم بعد أن تهاونوا بتحذير نبيهم لهم من عذاب الله رادين عليه بهذا القول كما ذكر في قوله تعالى: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأحقاف:22] .

وكذلك أنكروا عذاب يوم القيامة واستبعدوه، لقوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) } [الحاقة:4] .

والنتيجة أنهم يستحقون العذاب في الدنيا والآخرة جزاء كفرهم، كما في قوله تعالى: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60) } [هود:60] .

فأهلكهم الله سبحانه عن بكرة أبيهم في قوله تعالى: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) } [النجم:50] .

والمعنى: اختلفوا في قوله تعالى: {عَادًا الْأُولَى} منهم من قال: كانوا عادين:

أحدهما: قوم هود، وهم أول، فأهلكوا بالريح، وكانت أخرى في زمن فارس الأول.

ومنهم من قال: عادًا الأولى: الذين أهلكوا من قبل من الأمم، وأهل مكة وهؤلاء عاد أخرى 94.

وقوله تعالى أيضًا: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) } [الفجر:13 - 14] .

والمعنى: يذكر الله عاقبة أمرهم فقال: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} أي: فأنزل الله تعالى بهم ألوانًا من البلاء، وشديد العقاب.

وقد شبه سبحانه ما أوقعه بهم من صنوف العذاب وما صبه عليهم من ضروب الهلاك بالسوط، من قبل أن السوط يضرب به في العقوبات، والله يوقع العذاب بالأمم عقوبة لها على ما يقع منها من أنواع التفريط في أوامر دينه.

ثم ذكر العلة في تعذيبه لهم فقال: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} أي: إن شأن ربك ألا يفوته من شؤون عباده نقير ولا قطمير، ولا يهمل أمة تعدت في أعمالها حدود شرائعه القويمة، بل يأخذها بذنوبها أخذ العزيز المقتدر، كما يأخذ الراصد القائم على الطريق من يمر به بما يريد من خير أو شر، لا يفرط فيما رصد له 95.

«وكان بدء عذابهم بإمساك الله المطر عنهم ثلاث سنين، حتى جهدهم، ثم أنشأ الله سحاباتٍ ثلاثا، بيضاء وحمراء وسوداء، ثم نادى منادٍ من السماء لزعيمهم قيل بن عثر: يا قيل، اختر لنفسك وقومك. فقال: اخترت السوداء، فإنها أكثرهن ماء!!

فخرجت على عادٍ من وادي المغيث، فاستبشروا بها وقالوا: هذا عارضٌ ممطرنا.

فجاءتهم منها ريح عقيم، فأهلكتهم

ونجا هود والمؤمنون معه، فأتوا مكة وعبدوا الله فيها حتى ماتوا» 96.

وهذا ما ذكر في قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) } [الأحقاف:24 - 25] .

والمعنى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا} سحابًا {مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} أودية ريحهم ومطرهم {قَالُوا هَذَا عَارِضٌ} سحاب {مُمْطِرُنَا} سيمطر حرثنا. قال لهم هود: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ} من العذاب {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} وجيع {تُدَمِّرُ} تهلك {كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} بإذن ربها {فَأَصْبَحُوا} فصاروا بعد الهلاك {لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} منازلهم {كَذَلِكَ} هكذا {نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} المشركين 97.

وذكر معنى قوله: {فَلَمَّا رَأَوْهُ} يعني: ما يوعدون به من العذاب {عَارِضًا} سحابًا {مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} فخرجت عليهم سحابة سوداء من واد لهم يقال له: المغيث، وكانوا قد حبس عنهم المطر، فلما رأوها استبشروا {قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} ، يقول الله تعالى: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} فجعلت الريح تحمل الفسطاط وتحمل الظعينة حتى ترى كأنها جرادة، {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} مرت به من رجال عاد وأموالها {بِأَمْرِ رَبِّهَا} فأول ما عرفوا أنها عذاب رأوا ما كان خارجًا من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فجاءت الريح فقلعت أبوابهم وصرعتهم، وأمر الله الريح فأمالت عليهم الرمال، وكانوا تحت الرمل، سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين، ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمال، فاحتملتهم فرمت بهم في البحر 98.

وتفصيل كيفية عذابهم:

إن الله سبحانه وتعالى أرسل عليهم الرياح ووصف الله عز وجل هذه الرياح في كتابه بصفتين: مرة أنها ريحٌ صرصرٌ، ومرة أخرى أنها ريح عقيم.

وبين مدة مكوث هذه الرياح على قوم عاد عقوبة لهم، وبيان ذلك على النحو الآتي:

قال تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) } [القمر:18 - 20] .

{كَذَّبَتْ عَادٌ} هودًا عليه السلام، {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي} إياهم {وَنُذُرِ} وإنذاري لمن بعدهم بما جرى عليهم، وبالجملة: إنا بمقتضى عظم قهرنا وجلالنا قد {أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ} أي: على عاد حين أردنا انتقامهم وإهلاكهم {رِيحًا صَرْصَرًا} باردة شديدة الجري والصوت {فِي يَوْمِ نَحْسٍ} شؤم منحوس، {مُسْتَمِرٍّ} ٍ شؤمه ونحوسته عليهم إلى أن يستأصلوا بما فيه بالمرة من شدة جريها وحركتها، {تَنْزِعُ} وتقلع الناس من أماكنهم مع أنهم قد دخلوا في الحفر وتشبثوا بالأثقال، {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ} أي: أصولها {مُنْقَعِرٍ} منقلب عن مغارسه ساقط على الأرض، يعنى هم سقطوا على الأرض جميعًا موتى بلا روح، {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي} إياهم {وَنُذُرِ} لمن بعدهم 99

وقوله تعالى: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) } [الذاريات:41 - 42] .

عن ابن عباس رضي الله عنهما: في قوله {الرِّيحَ الْعَقِيمَ} قال: الشديدة التي لا تلقح شيئًا، أم: الريح العقيم التي لا تلقح الشجر ولا تثير السحاب، أم: ريح لا بركة فيها، ولا منفعة، ولا ينزل منها غيث، ولا يلقح منها شجر. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الريح هي النكباء. وعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه هي الجنوب. وعن مجاهد رضي الله عنه هي الصبا التي لا تلقح شيئًا.

وفي قوله: {إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} قال: كالشيء الهالك، وقيل: كرميم الشجر 100.

أما مدة مكوث هذه الرياح على قوم عاد عقوبة لهم كما ذكر في قوله تعالى: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8) } [الحاقة:6 - 8] .

والمعنى: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ} فالآية من قبيل الجمع والتفريق، والحدث لا يناسب العين، {صَرْصَرٍ} شديدة الصوت، لها صرصرة في هبوبها، أو من الصر وهو البرد، كأنها التي كرر فيها البرد {عَاتِيَةٍ} على قوم عادٍ، فلم يقروا على دفعها، وعن على بن أبي طالب رضي الله عنه قال: عتت على خزانها، فخرجت بغير حساب.

{سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ} سلطها {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} استئناف لبيان الكمية بعد الكيف؛ ليتكامل الهول، {حُسُومًا} حاسمات كل خير، والحسم: إزالة أثر الشيء، ومنه الحسم للكي المستأصل للداء، أو متابعة هبوب الريح حتى استأصلتهم، كأن كل هبة كية، ويجوز أن يكون مصدر الفعل مقدرًا أي: يحسم حسومًا، أي: يفرق بينهم تفريقًا شديدًا لا اجتماع بعده، لكمال النحوسة، {فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا} في مهابها، {صَرْعَى} ملقى على الأرض كالأخشاب اليابسة، قيل: كانت من صبيحة الأربعاء إلى غروب الأربعاء. وسميت أيام العجوز؛ لأن عجوزًا توارت في سربٍ فوجدها الريح في اليوم الثامن، وقيل: أيام العجز، وهي آخر الشتاء. وأسماؤها: «الضن، والضبر، والآمر، والمؤتمر، والمعلل، ومطفئ الجمر» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت