فهرس الكتاب

الصفحة 770 من 2431

يقول سبحانه وتعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل:14] .

فهو لقوة ثبوته، وشدة وضوحه أمر يدل على مقام الحمد لله تبارك وتعالى 77.

2.الحمد في مقام التدبير.

إن من رحمة الله عز و جل أن تكفّل لعباده بما لا يطيقونه من الأعمال التي لا تقوم الحياة إلا بها، ومن بعض هذه الأعمال، إنزال الماء من السماء 78.

وهي أيضًا من القضايا التي يسلّم بها الكافرون، يقول سبحانه وتعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 63] .

وهذا من كمال تدبيره لأمور عباده، مقام يتفرد بالحمد من كان له.

ومن تدبيره بعد أن فطر السماوات والأرض، أن خلق ملائكة مسخرة لطاعته بما كلّفهم به من الأوامر الشرعية التي يكون بها إصلاح العباد، والأمور الكونية التي يكون بها صلاح الكون على هيئات متباينة، كل بحسب ما أنيط به من مهام 79.

فالحمد له الملك العلّام، كما قال في هذا المقام: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فاطر: 1] .

وإن تدبيره جل جلاله لا ينحصر في هذا الفعل، فهو المدبر للعالمين أجمعين كما يقول: {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الجاثية: 36] .

ومن تدبيره ما قد يخفى على كثير من خلقه، حيث يعتقدون أنهم هم القائمون به، فمنه ما يكون من التدبير المضاف إلى العباد، من قيامهم بالتصرفات، وهذا التدبير في حقيقته تدبير من الله 80، يقول سبحانه وتعالى في بيان جواب موسى عليه السلام الذي ألهمه إياه عند سؤال فرعون له عن ربه: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:49 - 50] .

فالحمد لله أولًا وآخرًا، خالقًا ومدبرًا.

رابعًا: الرزق والإنعام:

1.الحمد في مقام الرزق.

إن حمد الله في مقام الرزق يأتي في سياق الحديث عن الرزق الذي تكفل الله سبحانه وتعالى به لخلقه جميعًا المكلف منهم والمسخر، المؤمن منهم والكافر، والناظر في ما يظهر من كيفية قيام الله سبحانه وتعالى بهذا الأمر لتصيبه الدهشة والحيرة، غير أن من آمن بالله سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته تزول دهشته؛ لما يعلم من عظمة خالقه وكرمه وإحسانه لعباده، وإن أساءوا إليه، لكنه جل جلاله قد أمر عباده بأداء ما أوجب عليهم، فمنهم القائم بها على وجه التسخير، وهذا لا ثواب له ولا عقاب؛ لأنه لا خيار له، وهناك من كان الأمر متعلقًا باختياره، وهؤلاء لا يكون الرزق الذي رزقهم الله إنعامًا عليهم من كل وجه، فإنما هو إنعام من جهة كونه سببًا في طول عمرهم؛ لعلهم يستكثرون من الخير، وهؤلاء هم المؤمنون القائمون بشكر الله على نعمه بطاعته فيما أمرهم به من القيام من الإنفاق والإحسان.

يقول عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة:267] .

أو لعلهم يتوبون إلى الله إن كانوا من أهل العصيان، وهو إنعام عليهم من جهة أنه سبب في استمرار جنسهم، لكن لا تكون النعمة تامة به إلا أن يكون عونًا على طاعة الله، والقيام بحق شكرها 81.

فقد يرزق الإنسان بالولد فيكون سببًا في هلاكه 82، وبالمال فيكون سببًا في عطبه 83، وبالزوجة فتكون سببًا في فساده 84، وبالصحة فتكون سببًا في طغيانه 85، وكذا في سائر ألوان الرزق 86، إن لم يحسن تسخيرها لخدمته وإعانته على طاعة الله، وقد تقدم من ألوان الحمد ومقاماته ما يعدّ من باب رزق الله، في الحمد على ربوبية الله العامة في رزقه لجميع المرزوقين، وربوبيته الخاصة في رزقه لخواص عباده الذين آمنوا به.

2.الحمد في مقام الإنعام.

إنعام الله على عباده مقام لا يطيق العباد القيام بحق شكره إلا أن يستجيبوا لله فيما كلفهم به، وهو شكر يسير بالنسبة لما تغمدهم الله به من مظاهر الإنعام، فنعم الله لا تحصى.

يقول سبحانه وتعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 18] .

فهي أعمال يطيقها من غير حرج ولا مشقة، وأقوال يقولها من غير كلفة ولا مؤنة، وإن عجز عن شيء أعاضه بما هو أهون منه سبحانه وتعالى من رب عظيم الإنعام على عباده، ولكن أكثرهم لا يعلمون، والأمر لا يمكن استعراض مظاهره، لكن التأمل في بعضها يكفي، وقد سبق الوقوف معه بشيء من التفصيل الموجز.

خامسًا: النصر والتأييد:

منذ خلق الإنسان وعدوه يتربص به، ويكيد له، ويقسم على إهلاكه، وهو عدو إن خلّي بينه وبين الإنسان، فإنه على ما توعد به لقادر، فهو يرى الإنسان هو وقبيله من حيث لا يراهم، لكن الله سبحانه وتعالى أخسأه، وخنّسه، وقهره، وأبلسه من مراده، وهذا العدو قد كثر أتباعه وجنوده وخيلهم ورجلهم، لكنهم أمام من كان الله معه قليل، وقد أخبرنا عن نوح أنه تحدى قومه ولم يكن له سلاح إلا التوكل على الله.

يقول سبحانه وتعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} [يونس: 71] .

فالله سبحانه وتعالى هو الولي الحميد، الذي لا يتخلى عن أوليائه، يقول سبحانه وتعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج:8 - 10] .

فقد توعدهم سبحانه وتعالى بجهنم وعذاب حريقها، وهو الذي لايعلم جنوده إلا هو، فجعل النصر حليفهم، والتأييد رديفهم، لو قاموا بما أرشدهم إليه.

1.الحمد في مقام التأييد.

ما جاء رسول إلى أمة من الأمم إلا كذبوه، ولكن الله سبحانه وتعالى أقام حجتهم على أقوامهم، فأيدهم بالمعجزات، فأفحم مناوئيهم، وأبهت معاديهم، وألجم معانديهم، وأعجز مخالفيهم، فله الحمد على صدقه وعده في تأييد أوليائه، وإن من أظهر الأمثلة على ذلك رسول الله إبراهيم عليه السلام، فكم من موقف قطع الله حجة أعدائه، حين كسر آلهة قومه، وحين مناظرة النمرود الذي أخبر الله عنها في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258] .

وغيرها من المواقف التي أيد الله فيها إبراهيم، يقول سبحانه وتعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام:83] 87.

ومثل هذا كثير قد أيد الله عز و جل به رسله عليه السلام فكانت عاقبة المعاندين للحق قوله عز وجل: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 45] 88، وإن من تأييد الله لرسله بإقامة الحجة على مخالفيهم قطع لدابر القوم الذين ظلموا، فالحمد لله على كمال نصره لأوليائه بكل ألوان النصر والتأييد.

2.الحمد في مقام النصر.

عجز أعداء الله وأعداء أوليائه عن تكذيبهم، وهذا مثال لأمة من هذه الأمم أمة فرعون.

يقول سبحانه وتعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 44] .

ولم يكتفوا بمجرد التكذيب، بل طغوا وبغوا سعيًا في ردهم عن دينهم، يقول سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر:23 - 26] .

فشنوا حروبهم، بشتى صنوفها، النفسية، والإعلامية، والسياسية، والاقتصادية، والعسكرية، ولم يتركوا ميدانًا إلا ورفعوا فيه لواء حربهم على أهل الحق، ومن نصر الله فإن الله عز و جل ناصره 89.

يقول وهو أصدق القائلين: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [غافر:22] .

وهذه سنة لله ماضية، لكن ربما لم يأت النصر على ما يريده أولياء الله من العجلة، فيتأخر؛ وما ذاك إلا لأن الله سبحانه وتعالى يعلم ما لا يعلمون، وإن في صبرهم على تأخره من الأجر الذي لو علموه لفرحوا بالابتلاء أكثر من فرحهم بالعافية 90.

ولكن حكمة الله تقتضي أن يحجب عنهم ليسعوا في رفع البلاء، وإعمار الأرض الذي كلفهم الله به من القيام بألوان الطاعات ما بين صبر على الضراء، وشكر على السراء، ثم يأتيهم النصر في وقت لو تقدم عليه لما قرت أعين المؤمنين بما تقر به حين يأتي في وقته الذي وقّته الله له 91.

وكذلك ما كان من نصر نبينا صلى الله عليه وسلم، يقول الله سبحانه وتعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر:1 - 3] .

فالحمد كل الحمد، لله الذي يأتي بنصره في أنسب أوقاته، وأحسن هيئاته.

سادسًا: الهداية:

الهداية التي من الله على ضربين: هداية الدلالة والإرشاد، وهي هداية لجميع المخلوقات، فمنها ما يكون بالتسخير 92، وهي شاملة لكل الأحياء والجمادات، قال الله سبحانه وتعالى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50] .

ومنها ما يكون بالتخيير، وهي خاصة بالمكلفين من خلقه، وذلك بهداية الدلالة والإرشاد، وهداية أخرى غيرها هي هداية التوفيق والسداد، وكل منهما لها مقامها الذي يحمد الله عليه.

1.الحمد في مقام هداية الدلالة والإرشاد.

والهداية التي وردت في مقام الحمد هي الهداية التي يستوي فيها جميع من بلغتهم الرسالات، ونزلت عليهم الآيات البينات، بالهدايات الواضحات، ليخرجهم مولاهم من درك الظلمات، ووحل الضلالات، إلى طرق السعادة والكمالات، فله بذلك الفضل والمنة، لكن العباد منهم من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يزكّ بها نفسًا، وهذا أمر يذم عليه من أعرض عن رحمة ربه، ورفض أن يكون من أهل حزبه.

إنها الهداية التي تمثلت بإرسال رسله، وإنزال كتبه، وبإقامة الآيات في الأنفس والآفاق على تقرير ما فطرهم عليه، ودعاهم إليه، وقال سبحانه وتعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [النمل:93] .

لكن هذه لهداية وحدها وإن كانت كافية في بيان الحق، إلا أنها ليست التي تحصل بها النجاة والفوز والفلاح، يقول سبحانه وتعالى في بيان شأن أمة من الأمم التي هداها الله بهذه الهداية: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [فصلت: 17] .

فالحمد لله على بيان الحق 93، بأوضح الآيات، وأظهر المعجزات، إلا أن هناك مقامًا آخر للحمد على الهداية التي كانت سبب الخيرات.

2.الحمد في مقام هداية التوفيق والسداد.

وهي التي يقول الله سبحانه وتعالى فيها: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 43] .

فهي الهداية إلى سعادة الدارين، فالقائلون أهل الجنة بعد دخولها في الدار الآخرة، وأما عن حالهم في الدنيا فهم الذين ظفروا بالحياة الطيبة كما وعد الله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123] .

فالحياة الخالية من الشقاء والضلال هي الحياة الطيبة؛ وما بلغوها إلا لأنهم وفّقوا للقيام بأسبابها من الإيمان والأعمال الصالحات.

يقول سبحانه وتعالى: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} [الحج: 24] .

وقد حازها من هذه الأمة الذين قال الله فيهم: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} [محمد: 2] .

إنها هداية التوفيق والسداد من الله عز وجل، إنه فضل الله سبحانه وتعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] .

وهو أعظم فضل على العبد ليقوم بحمد الله عليه، مع غيره من الإفضال 94.

سابعًا: الإثابة والجزاء:

ما أعظمها من غاية ينالها من حبسوا أنفسهم عن ملذات الدنيا وشهواتها، وصبروا على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله، لينجز الله لهم وعده الذي آمنوا به، وعملوا من أجله.

يقول الله سبحانه وتعالى عنهم: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [الزمر:74] .

فقد فتح الله عليهم، وهداهم إلى خير القول في الآخرة، كما هدوا إلى مثله في الدنيا 95.

فله الحمد على ما أنجزه لهم من الوعد الذي قد جاءتهم به الرسل، ويخبرنا الله عن حالهم بقوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف:43] .

نعيم دائم، وثواب طمعوا بتحصيله، ففاق الذي وجدوه ما توقعوه 96، فصار مفتتح كلامهم بالتسبيح الذي ألهموه، أحشاؤه سلام عليهم وفيهم وبينهم، وأعلاه وأرقاه حمدهم لربهم جل في علاه 97.

وهذا الخبر عنهم جاء في قول الله: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس:10] .

وقد بين حالهم النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه جابرٌ، قال: سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم، يقول: (إنّ أهل الجنّة يأكلون فيها ويشربون، ولايتفلون، ولا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يمتخطون، قالوا: فما بال الطّعام؟ قال: جشاءٌ ورشحٌ كرشح المسك، يلهمون التّسبيح والتّحميد، كما تلهمون النّفس) 98.

فمقام التسبيح والتحميد مقام يقتضي الطهارة، وهم في تلك الحال في أطهر مكان وهو الجنة، وعلى أطهر حال، فلا نجس ولا قذر، فلا أجمل ولا أبهى مما هم عليه، فيتأهلون لتلك الرتبة، ويلهمون ما يحبه ربهم منهم ليزدادوا من فضله 99، ويتنعموا برضوانه، والحمد لله رب العالمين في هذا المقام حمدًا حتى يرضى، على ثوابه الذي به أهل الجنة أرضى.

أولًا: الله الحامد الأعظم:

القرآن الكريم مليء بحمد الله عز وجل لنفسه، نحو قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] .

وقوله عز وجل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) } [الأنعام:1] .

وغير ذلك من الآيات التي سبق ذكرها.

ثانيًا: الملائكة عليه السلام:

الملائكة الكرام أكثر المخلوقات تسبيحًا وتحميدًا لله عز وجل.

يقول سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} [غافر: 7] .

ويقول جل جلاله: {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزمر: 75] .

وإن تسبيحهم لله وتحميدهم له بالنسبة لهم، كالطعام والشراب والنفس بالنسبة للإنسان، بل إنهم قد ألهموا القيام به 100، كأنما هو عمل غريزي لا كلفة فيه، ولا يتودّع لسواه، يلتزم ولا يصدر عنه، ولا يترك لعداه، فهو نعيمهم وكمال لذتهم أن يقوموا بعبادة المولي به.

ثالثًا: الأنبياء عليهم السلام:

شواهد القرآن على حمد الأنبياء لربهم كثيرة، وقد جاءوا موصوفين بالحمد بصور مختلفة، فهم أهل الطاعة والاستجابة لأوامر الله سبحانه وتعالى.

فجاءت صفتهم على أنهم مأمورون به.

وقد وردت هذه الصفة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله سبحانه وتعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر:3] .

وجاءت لنبي الله نوح عليه السلام في قوله سبحانه وتعالى: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المؤمنون:28] .

وجاءت بصيغة الإخبار عن نبيّين كريمين قال الله فيهما: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [النمل:15] .

وكذلك لنبي الله موسى عليه السلام: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: 8] .

وهذه أمثلة لما جاء من حمد الأنبياء والرسل لربهم، وإن كانت حالهم دوام الحمد، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يحبّ قال:(الحمد للّه الّذي بنعمته تتمّ الصّالحات) ، وإذا رأى ما يكره قال: (الحمد للّه على كلّ حالٍ) 101.

رابعًا: المؤمنون:

ومن جملة الحامدين: المؤمنون.

وقد ساروا على طريق الأنبياء، حتى استحقوا المدح والثناء بذلك، فقد أثنى الله عليهم في كتابه بقوله: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت