أي: إن أهل الكتاب الذين كتموا أمر الإسلام وأمر محمد صلى الله عليه وسلم وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل بيّنًا واضحًا، يستحقون الطرد والبعد من رحمة الله، ويستوجبون بأعمالهم الدعاء عليهم باللعن من الملائكة والناس أجمعين. وحكم هذه الآية شامل لكل من كتم علمًا فرض الله بيانه للناس، ومن هنا ترى أن الذي يرى حرمات الله تنتهك أمام عينيه، والدين يداس جهارًا بين يديه، ويرى البدع تمحو السنن، والضلال يغشى الهدى، ثم هو لا ينتصر بيد ولا لسان، يكون ممن يستحق وعيد الآية.
ثم استثنى سبحانه وتعالى من الوعيد من تاب إليه: فقال: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} أي: إلا من أناب عن كتمانه، وراجع التوبة بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وأقرّ بنبوته، وصدّق ما جاء به من عند الله، وأصلح حال نفسه بالتقرّب إلى الله بصالح الأعمال، وبيّن ما علم من وحي الله إلى أنبيائه، وما عهد إليهم في كتبه، فلم يكتمه ولم يخفه، فهؤلاء يتوب الله عليهم، ويفيض عليهم مغفرته تفضّلًا منه ورحمة، وهو الذي يرجع قلوب عباده المنصرفة عنه ويردّها إليه بعد إدبارها عن طاعته، وهو الرّحيم بالمقبلين عليه يتغمدهم برحمته ويشملهم بعفوه، ويصفح عما كانوا اجترحوا من السيئات. وفي الآية: ترغيب للقلوب الواعية التي تخاف سخط الله وشديد عقابه في التوبة عما فرط من الذنوب، وطرد لليأس من رحمة الله مهما ثقلت الذنوب وكثرت الآثام 62.
وفي هذه الآية: دلالة على أن الداعية إلى كفر أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه 63، وتوبته أن يبيّن للناس أن ما كان يدعو إليه بدعة وضلالة، وأن الهدى في ضده، ولا يكفي اعترافه وحده أو في خلواته.
قال ابن عاشور رحمه الله: «فالعالم يحرم عليه أن يكتم من علمه ما فيه هدى للناس؛ لأن كتم الهدى إيقاع في الضلالة، سواء في ذلك العلم الذي بلغ إليه بطريق الخبر كالقرآن والسنة الصحيحة، والعلم الذي يحصل عن نظر كالاجتهادات إذا بلغت مبلغ غلبة الظن بأن فيها خيرًا للمسلمين، ويحرم عليه بطريق القياس الذي توميء إليه العلة أن يبثّ في الناس ما يوقعهم في أوهام بأن يلقّنها وهو لا يحسن تنزيلها ولا تأويلها، وكذلك كل ما يعلم أن الناس لا يحسنون وضعه» 64.
-أخبر سبحانه وتعالى أنه غافر الذنب للمذنبين، وقابل التوب من التائبين، قال تعالى: (غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ) [غافر: 3] .
عطف قابل التوب على صفة غافر الذنب؛ لإفادة أنه يجمع للمذنب التائب بين رحمتين: بين أن يقبل توبته فيجعلها له طاعة، وبين أن يمحو عنه بها الذنوب التي تاب منها وندم على فعلها، فيصبح كأنه لم يفعلها. وهذا فضل من الله 65.
وأخبر الله سبحانه وتعالى أنه هو وحده الذي يقبل التوبة عن عباده إذا رجعوا إلى توحيده وطاعته.
قال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [التوبة: 104] .
وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [الشورى: 25] .
يقول تعالى ذكره: والله الذي يقبل مراجعة العبد إذا رجع إلى توحيد الله وطاعته من بعد كفره، ويعفو أن يعاقبه على سيئاته من الأعمال، وهي معاصيه التي تاب منها، ويعلم ربكم أيها الناس ما تفعلون من خير وشر، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو مجازيكم على كل ذلك جزاءه، فاتقوا الله في أنفسكم، واحذروا أن تركبوا ما تستحقون به منه العقوبة 66. ومن الحكمة في استخدام الحرف (عن) بدلًا من (من) في قوله تعالى: {يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} أن التوبة التي يقبلها الله من عباده تضع عنهم ما حمّلوا به من أوزار، وما أثقل كاهلهم من ذنوب، فكان في قبول التوبة منهم رفع لهذه الآثام عنهم، ولهذا ضمّن الفعل (يقبل) معنى الفعل يضع، أو يسقط .. ونحو هذا، كما نظر إلى التوبة على أنها شيء محمّل بالذنوب والآثام؛ لأن التوبة لا تكون إلا عن ذنب وقع، أو إثم اقترف .. فكان قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} يعني: ألم يعلموا أن الله يضع الذنوب والآثام عن عباده 67.
شروط قبول التوبة:
قال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 17] .
ذكرت الآية لقبول التوبة قيدين: {بِجَهَالَةٍ} و {مِنْ قَرِيبٍ} .
والجهالة تطلق على سوء المعاملة، وعلى الإقدام على العمل دون روية، وهي ما قابل الحلم؛ ولذلك تطلق الجهالة على الظلم. قال عمرو بن كلثوم 68:
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وقال تعالى حكاية عن يوسف: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: 33] .
والمراد هنا ظلم النفس 69. وعلى ذلك فالجهالة: سفاهة وقلة تحصيل أدى إلى المعصية 70.
وقوله: {مِنْ قَرِيبٍ} إلى وقت الذنب، ومدة الحياة كلها.
وجمهور المفسرين على أنها التوبة قبل المعاينة، قال عكرمة: قبل الموت، وقال الضحاك: قبل معاينة ملك الموت، وقال السدي والكلبي: أن يتوب في صحته قبل مرض موته 71.
وقد روى الترمذي بسنده عن ابن عمر، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) 72.
وإنما صحت التوبة من العبد في هذا الوقت؛ لأن الرجاء فيه باقٍ، ويصح منه الندم، والعزم على ترك الفعل 73.
ولا خلف في وعده سبحانه وتعالى على قبول توبة العبد «إذا كانت بشروطها المصححة لها، وهي أربعة: الندم بالقلب، وترك المعصية في الحال، والعزم على ألا يعود إلى مثلها، وأن يكون ذلك حياء من الله تعالى لا من غيره، فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة. وقد قيل من شروطها: الاعتراف بالذنب وكثرة الاستغفار» 74.
عدم قبول التوبة:
أخبر سبحانه وتعالى أنه لا يكون قبول التوبة من الذين يصرّون على ارتكاب المعاصي، ولا يرجعون إلى ربهم إلى أن تأتيهم سكرات الموت، ولا تقبل توبة الذين يموتون وهم كافرون.
قال تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 18] .
يعني بذلك جل ثناؤه: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} من أهل الإصرار على معاصي الله، {حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ} يقول: إذا حشرج أحدهم بنفسه، وعاين ملائكة ربه قد أقبلوا إليه لقبض روحه قال: وقد غلب على نفسه، وحيل بينه وبين فهمه بشغله بكرب حشرجته وغرغرته: {إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} ، يقول: فليس لهذا عند الله تبارك وتعالى توبة؛ لأنه قال ما قال في غير حال توبة 75.
وسنة الله عز وجل أن العبد إذا عاين الانتقال الى الله تعالى لم ينفعه توبة ولا إقلاع 76؛ وذلك أن التوبة في هذه الحاله توبة المضطر، لجّت به الغواية، وأحاطت به الخطيئة، توبة الذي يتوب لأنه لم يعد لديه متسع لارتكاب الذنوب، ولا فسحة لمقارفة الخطيئة. وهذه لا يقبلها الله؛ لأنها لا تنشيء صلاحًا في القلب ولا صلاحًا في الحياة، ولا تدل على تبدل في الطبع ولا تغير في الاتجاه.
{وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} ، وهؤلاء قد قطعوا كل ما بينهم وبين التوبة من وشيجة، وضيّعوا كل ما بينهم وبين المغفرة من فرصة 77.
وأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يقبل التوبة عندما يأتي بعض أشراط الساعة وعلاماتها الدالة على مجيئها، وهي طلوع الشمس من مغربها، قال تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158] .
والحكمة في هذا ظاهرة، فإنه إنما كان الإيمان ينفع إذا كان إيمانًا بالغيب، وكان اختيارًا من العبد، فأما إذا وجدت الآيات صار الأمر شهادة، ولم يبق للإيمان فائدة؛ لأنه يشبه الإيمان الضروري، كإيمان الغريق والحريق ونحوهما، ممن إذا رأى الموت أقلع عما هو فيه، كما قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [غافر: 84 - 85] 78.
قال جمهور أهل التأويل: الآية التي لا تنفع التوبة من الشرك أو من المعاصي بعدها، هي طلوع الشمس من المغرب 79.
وقد روى البخاري بسنده، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم السّاعة حتّى تطلع الشّمس من مغربها، فإذا رآها النّاس آمن من عليها، فذاك حين {لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} ) 80.
ومن نماذج الذين لم تقبل توبتهم عند المعاينة: فرعون، قال تعالى في وصف فرعون: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 90 - 91] ، فلم يقبل الله توبته عند مشاهدة العذاب 81.
ومن استمر على ذنوبه وأصر على عيوبه، حتى صارت فيه صفاتٍ راسخةً، فإنه يعسر عليه إيجاد التوبة التامة، والغالب أنه لا يوفّق للتوبة، ولا ييسّر لأسبابها، الذي يعمل السوء على علم تام ويقين وتهاون بنظر الله إليه، فإنه سدّ على نفسه باب الرحمة 82.
وقوله: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ} تنبيهٌ على نفي القبول عن نوع من التوبة، وهي التي تكون عند اليأس من الحياة 83.
-أولًا: الأنبياء:
1.توبة آدم عليه السلام.
أخبر الله سبحانه وتعالى أن آدم عصاه بأكله من الشجرة التي نُهي عن الأكل منها، قال تعالى: {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121] .
ثم أخبر سبحانه وتعالى أنه وفّق آدم إلى التوبة؛ وذلك بإلهامه قوله سبحانه وتعالى: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] .
فتلقاها آدم بالقبول، فتاب الله عليه، وغفر له ذنبه، قال تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37] .
أي: استقبلها بالأخذ والقبول، والعمل بها حين علمها، ووفّق لها 84.
القراءات في قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} :
قرأ ابن كثير: (فتلقى آدم) بالنصب (كلماتٌ) بالرفع، جعل الفعل للكلمات؛ لأنها تلقت آدم عليه السلام، وحجته أن العرب تقول: تلقيت زيدًا، وتلقاني زيد، والمعنى واحد؛ لأن من لقيته فقد لقيك، وما نالك فقد نلته.
وقرأ الباقون: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} رفع بفعله؛ لأنه تلقى من ربه الكلمات، أي أخذها منه وحفظها وفهمها، والعرب تقول: تلقيت هذا من فلان، المعنى: إن فهمي قبلها منه، وحجتهم ما روي في التفسير في تأويل قوله: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} أي قبلها، فإذا كان آدم القابل، فالكلمات مقبولة 85.
وقوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} تأكيد فائدته أن التوبة على العبد إنما هي نعمة من الله، لا من العبد وحده؛ لئلا يعجب التائب، بل الواجب عليه شكر الله تعالى في توبته عليه 86.
والتعقيب بالرحيم؛ لأن الرحيم جارٍ مجرى العلة للتواب؛ إذ قبوله التوبة عن عباده ضرب من الرحمة بهم 87.
2.توبة نوح عليه السلام.
أخبر سبحانه وتعالى عن توبة نوح عليه السلام في مسألته ربه عن ابنه.
قال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 45 - 47] .
«يقول تعالى ذكره مخبرًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم عن إنابة نوح عليه السلام بالتوبة إليه من زلته في مسألته التي سألها ربه في ابنه، قال: رب إني أستجير بك أن أتكلف مسألتك، مما قد استأثرت بعلمه، وطويت علمه عن خلقك، فاغفر لي زلتي في مسألتي إياك ما سألتك في ابني، وإن أنت لم تغفرها لي وترحمني فتنقذني من غضبك أكن من الذين غبنوا أنفسهم حظوظها وهلكوا» 88. فحينئذ ندم نوح عليه السلام ندامة شديدة، على ما صدر منه.
ودلت الآية على أن نوحًا عليه السلام لم يكن عنده علم بأن سؤاله لربه في نجاة ابنه محرّم، داخل في قوله: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} بل تعارض عنده الأمران، وظن دخوله في قوله: {أَهْلِكَ} ، وبعد ذلك تبين له أنه داخل في المنهي عن الدعاء لهم، والمراجعة فيهم 89.
3.توبة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
أخبر سبحانه وتعالى عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أنهما دعوا الله أن يتوب عليهما.
قال تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 128] .
قال الطبري رحمه الله: «فإن قال لنا قائل: وهل كان لهما ذنوب فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة؟ قيل: إنه ليس أحد من خلق الله إلا وله من العمل فيما بينه وبين ربه ما يجب عليه الإنابة منه والتوبة. فجائز أن يكون ما كان من قبلهما ما قالا من ذلك، وإنما خصا به الحال التي كانا عليها من رفع قواعد البيت؛ لأن ذلك كان أحرى الأماكن أن يستجيب الله فيها دعاءهما، وليجعلا ما فعلا من ذلك سنة يقتدى بها بعدهما، وتتخذ الناس تلك البقعة بعدهما موضع تنصل من الذنوب إلى الله» 90.
وقال السعدي رحمه الله: «ولما كان العبد -مهما كان- لابد أن يعتريه التقصير، ويحتاج إلى التوبة قالا: {وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} » 91.
4.توبة موسى عليه السلام.
أخبر الله سبحانه وتعالى أنه تاب على موسى عليه السلام من مسألته الرؤية في هذه الحياة الدنيا.
قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] .
أي: من أن أسألك الرؤية في الدنيا وأنت لا تبيحها 92، أو إني تبت إليك من سؤال الرؤية بغير إذنك، وأنا أول المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا، أو يقال: وأنا أول المؤمنين بأنه لا يجوز السؤال منك الا بإذنك 93.
قال ابن عاشور رحمه الله: «ولا نشك في أنه سأل رؤية تليق بذات الله تعالى، وهي مثل الرؤية الموعود بها في الآخرة، فكان موسى عليه السلام يحسب أن مثلها ممكن في الدنيا، حتى أعلمه الله بأن ذلك غير واقع في الدنيا، ولا يمتنع على نبي عدم العلم بتفاصيل الشؤون الإلهية قبل أن يعلّمها الله إياه؛ ولذلك كان أئمة أهل السنة محقين في الاستدلال بسؤال موسى رؤية الله على إمكانها بكيفية تليق بصفات الإلهية، لا نعلم كنهها، وهو معنى قولهم: «بلا كيف» ، وكان المعتزلة غير محقين في استدلالهم بذلك على استحالتها بكل صفة» 94.
5.توبة داود عليه السلام.
ذكر الله تعالى نبأ خصمين اختصما عند داود في قضية جعلها الله فتنة له، وموعظة لخلل ارتكبه، فتاب الله عليه، وغفر له، وقيّض له هذه القضية، فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 21 - 25] .
فسأل داود ربه غفران ذنبه، وخرّ ساجدًا لله، ورجع إلى رضا ربه، وتاب من خطيئته 95، وهذا الذنب الذي صدر من داود عليه السلام، لم يذكره الله لعدم الحاجة إلى ذكره، فالتعرض له من باب التكلف، وإنما الفائدة ما قصه الله علينا من لطفه به وتوبته وإنابته، وأنه ارتفع محله، فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها 96.
6.توبة يونس عليه السلام.
قال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87 - 88] .
أي: واذكر عبدنا ورسولنا ذا النون وهو: يونس، أي: صاحب النون، وهو الحوت، بالذكر الجميل، والثناء الحسن، فإن الله تعالى أرسله إلى قومه، فدعاهم، فلم يؤمنوا، فوعدهم بنزول العذاب بأمد سمّاه لهم، فجاءهم العذاب ورأوه عيانًا، فعجّوا إلى الله، وضجّوا وتابوا، فرفع الله عنهم العذاب، كما قال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس: 98] .
وقال: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [الصافات 147 - 148] .
وهذه الأمة العظيمة، الذين آمنوا بدعوة يونس من أكبر فضائله، ولكنه عليه الصلاة والسلام، ذهب مغاضبًا، وأبق عن ربه لذنب من الذنوب، التي لم يذكرها الله لنا في كتابه، ولا حاجة لنا إلى تعيينها؛ لقوله: {إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [الصافات: 140] .
{فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} [الصافات: 142] .