فهرس الكتاب

الصفحة 2151 من 2431

الهجرة

أولًا: المعنى اللغوي:

الهاء والجيم والراء، أصلان: يدل أحدهما على قطيعة وقطع، والآخر على شد شيء وربطه.

فالأول الهجر: ضد الوصل، وكذلك الهجران، وهاجر القوم من دار إلى دار: تركوا الأولى للثانية 1.

هجره يهجره هجرًا وهجرانًا: صرمه، وهما يهتجران ويتهاجران، والاسم: الهجرة، وقيل: الهجران، ويذهب إلى أن الهواجر جمع هجر، ويرى أنه من الجموع الشاذة كأن واحدها هاجرةٌ، والصحيح في هواجر أنها جمع هاجرةٍ: بمعنى الهجر 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الهجرة شرعا: «ترك الوطن الذي بين الكفار، والانتقال إلى دار الإسلام» 3.

وقيل: «الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام» 4.

وقيل: إنما تنصرف إلى هجران بلد الشرك إلى دار الإسلام؛ رغبة في تعلم الإسلام والعمل به 5.

فالهجرة، هي: «الخروج في سبيل الله من دار الكفر إلى دار الإسلام، ومن دارٍ شديد الفتنة إلى دارٍ أقل منه فتنة؛ طلبًا للسلامة في الدين والنفس» 6.

وردت مادة (هجر) في القرآن الكريم (31) مرة 7.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 11 ... {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا} [النحل:110]

الفعل المضارع ... 6 ... {فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء:89]

فعل الأمر ... 4 ... {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) } [مريم:46]

المصدر ... 1 ... {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10) } [المزمل:10]

اسم الفاعل ... 8 ... {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) } [العنكبوت:26]

اسم المفعول ... 1 ... {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30) } [الفرقان:30]

وجاءت الهجرة في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: الترك والمفارقة؛ إما بالبدن أو باللسان أو بالقلب 8.

الترك:

الترك لغةً:

التاء والراء والكاف: الترك: التخلية عن الشيء؛ ولذلك تسمى البيضة بالعراء تريكة.

تركت الشيء تركًا: خليته، وتاركته البيع متاركة، وتراك بمعنى: اترك، وهو اسمٌ لفعل الأمر 9.

الترك اصطلاحًا:

الترك عند العرب تخليف الشيء في المكان الذي هو فيه والانصراف عنه 10.

الصلة بين المتاركة والهجرة:

المتاركة هي: ترك الأمر بالشيء والرغبة فيه، والنهي عن خلافه 11، أما الهجرة: فهي أعم من الترك، فهي ترك الأشياء مع الرغبة فيها، وتمني الرجوع إليها.

القطيعة:

القطيعة لغةً:

«القاف والطاء والعين، أصل صحيح واحد، يدل على صرم وإبانة شيء من شيء، والقطيعة: الهجران، يقال: تقاطع الرجلان، إذا تصارما» ، والاسم: القطيعة 12، وقطع رحمه قطيعةً: إذا لم يصلها، ويقال: رحم قطعاء بيني وبينك، إذا لم توصل 13.

والقطيعة اصطلاحًا:

ترك البر والإحسان إلى الأهل والأقارب وهي ضد الصلة 14.

الصلة بين القطيعة والهجرة:

قد يكون بينهما ارتباط في ترك المكان، فالمقاطع قد يترك مكان التواصل مع أقربائه، والمهاجر قد يترك موطنه الأصلي، إلا أنه لا يلزم في الهجرة المقاطعة؛ كما أن المقاطع الذي يهجر قراباته من الكفار لا يلزم من قطيعتهم الهجرة إلى موطن وبلد آخر ما دام قادرًا على تأدية فرائض الدين.

الخروج:

الخروج لغةً:

الخاء والراء والجيم، أصلان، وقد يمكن الجمع بينهما، فالأول: النفاذ عن الشيء، والثاني: اختلاف لونين. والخروج: خروج السحابة، يقال ما أحسن خروجها، وفلان خريج فلان، إذا كان يتعلم منه، كأنه هو الذي أخرجه من حد الجهل 15.

الخروج اصطلاحًا:

«الانفصال من المحيط إلى الخارج ويلزمه الظهور والبروز» 16، وقيل: «هو عبارة عن الانفصال من مكانه الذي هو فيه إلى مكان قصده، وذلك المكان تارة يكون قريبا، وتارة يكون بعيدا» 17.

الصلة بين الخروج والهجرة:

الخروج: هو الانتقال من مكان إلى مكان آخر، وقد يعد مذمومًا أو محمودًا، والهجرة: الرحيل من مكان لآخر، وتعد في الغالب محمودة.

من أنواع الهجرة التي ذكرها القرآن الكريم هجرة المكان، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي:

أولًا: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام:

دار الحرب: هي كل بقعة تكون فيها الحرب بين المؤمنين والكافرين.

فدار الحرب هي دار الكفار الذين بينهم وبين المسلمين حرب 18.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع من الهجرة.

قال الله جل جلاله في سورة العنكبوت: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56] .

فأرشد الله عباده المؤمنين للهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة حيث يمكن إقامة الدين وعبادة الله وحده.

وممن ذهب إلى أن المراد بهذه الآية الهجرة والانتقال ابن زيد ومقاتل والكلبي 19.

وكلام ابن زيد أوضح في أن المراد بالآية هجرة المسلمين من مكة؛ فقد سأله ابن وهب عن هذه الآية: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56] : «يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين؟ فقال: نعم» 20.

وتذييل الآية بقوله سبحانه وتعالى: {فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} فيه بيان «أن علة الأمر لهم بالهجرة هي تمكينهم من إظهار التوحيد، وإقامة الدين» 21.

وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 97 - 99] .

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون 22 بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم بفعل بعض، قال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت الآية» 23.

فهذه الآية كما نرى شددت على أهمية الهجرة من أرض الكفر، وحذرت من البقاء بين أظهر المشركين، وبينت خطره، وتوعدت من فعل ذلك بعقاب الله له، ما لم يكن من أهل الأعذار.

والمقصود بالهجرة في الآية: الانتقال من مكة إلى المدينة، بعدما حاربت قريش النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، وضيقت عليهم ومنعتهم من الدعوة إلى الله عز وجل وإقامة شعائره، فأذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة؛ لإقامة دولة الإسلام، وإرساء مبادئ الدين الجديد.

حكم الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام:

يستدل من الآية السابقة على بعض الأحكام المتعلقة بالهجرة على النحو الآتي:

1.وجوب الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام عند عدم العذر.

هذا حكمٌ باقٍ إلى يوم القيامة، ويستفاد هذا الوجوب في الآية من عدة أمور:

قال الإمام ابن كثير رحمه الله في هذه الآية: «الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه، مرتكب حرامًا بالإجماع، وبنص هذه الآية» 24.

قال ابن العربي رحمه الله: «النوع الثاني من الهجرة: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضًا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والهجرة التي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان، فمن أسلم في دار الحرب وجب عليه الخروج إلى دار الإسلام، فإن بقي فقد عصى» 25.

وقال الشيخ السعدي في تفسير الآية: «وفي الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات، وتركها من المحرمات، بل من الكبائر» 26.

2.أهل الأعذار معفو عنهم ولا يشملهم العقاب.

من رحمة الله عز وجل بعباده أنه لم يكلفهم فوق طاقتهم، ولم يأمرهم بما يعجزون عن تحقيقه، وهذا من محاسن الإسلام، ويسر شريعته؛ ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد عفا عمن لم يقدر على الهجرة لسبب من الأسباب، ولم يتوعده بما توعد به تارك الهجرة لغير سبب، وهو ما يبينه قوله عز وجل: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا(98) فَأُولَ?ئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ? وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) [النساء: 98 - 99] .

قال ابن عطية رحمه الله: «ثم استثنى منهم من كان استضعافه على حقيقة من زمنة 27 الرجال، وضعفة النساء والولدان. والحيلة: لفظ عام لأسباب أنواع التخلص، والسبيل: سبيل المدينة فيما ذكر مجاهد والسدي وغيرهما، والصواب أنه عام في جميع السبل، ثم رجى الله سبحانه وتعالى هؤلاء بالعفو عنهم» 28.

وقال ابن عاشور: « (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ) استثناء من الوعيد، والمعنى: إلا المستضعفين حقًا، أي: العاجزين عن الخروج من مكة؛ لقلة جهد أو لإكراه المشركين إياهم على البقاء، والتبيين بقوله: (مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) [النساء: 98] ؛ لقصد التعميم، والمقصد التنبيه على أن من الرجال مستضعفين؛ فلذلك ابتدئ بذكرهم، ثم ألحق بذكرهم النساء والصبيان؛ لأن وجودهم في العائلة يكون عذرًا لوليهم إذا كان لا يجد حيلة.

وجملة: لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) [النساء: 98] .

حال من المستضعفين، موضحة للاستضعاف؛ ليظهر أنه غير الاستضعاف الذي يقوله الذين ظلموا أنفسهم: (كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ?) [النساء: 97] .

أي: لا يستطيعون حيلة في الخروج؛ إما لمنع أهل مكة إياهم، أو لفقرهم، وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) [النساء: 98] .

أي: معرفة للطريق كالأعمى» 29.

فالهجرة واجبة في حق كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين، فإن لم يفعل فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا، وأما من كان مستضعفًا عاجزًا عن الهجرة لسبب من الأسباب فقد عفا الله عنه وعذره، والله أعلم.

ثانيًا: الهجرة من أرض البدعة والمعصية إلى أرض السنة والطاعة:

من أنواع الهجرة التي أقرها الشرع الهجرة من أرض البدعة والمعصية إلى أرض السنة والطاعة.

والمقصود بأرض البدعة والمعصية التي استقر فيها الإسلام، ثم انتشرت فيها البدع والمخالفات.

وليس المقصود بالأرض البلد أو المدينة أو المنطقة، بل الأمر أوسع من هذا، فيشمل كل بقعة أو مجلس تحول عنه لنوع بدعة أو شيء محرم.

وقد جاءت الإشارة إلى هذا النوع من الهجرة في الكتاب والسنة.

فأرشد القرآن الكريم في بعض آياته إلى ضرورة الهجرة من أرض البدعة والمعصية إلى أرض السنة والطاعة، ومن هذه الآيات:

قال الله عز وجل في سورة العنكبوت: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت: 56] .

وهذه الآية وإن كان قد سبق الاستدلال بها على وجوب الهجرة من دار الكفر إلا أن بعض السلف -ومنهم سعيد بن جبير وعطاء-30 رأوا أن المقصود بالهجرة في الآية الهجرة من أرض المعاصي إلى أرض الطاعة؛ بناءً على عموم الآية.

قال الإمام القرطبي في بيان القول السابق عند تفسيره لهذه الآية: «وقال ابن جبير وعطاء: إن الأرض التي فيها الظلم والمنكر تترتب فيها هذه الآية، وتلزم الهجرة عنها إلى بلد حق» 31.

وقال سبحانه وتعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى? يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ? وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى? مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأنعام: 68] .

وقد استنبط العلماء من هذه الآية وجوب الهجرة من أرض البدعة والمعصية إلى أرض السنة والطاعة.

وقد أشار ابن العربي المالكي رحمه الله إلى هذا النوع من أنواع الهجرة بقوله: «النوع الثاني من الهجرة: الخروج من أرض البدعة، قال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: «لا يحل لأحد أن يقيم ببلد سب فيها السلف» . وهذا صحيح؛ فإن المنكر إذا لم يقدر على تغييره نزل عنه 32.

قال الله جل جلاله: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى? يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ? وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى? مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأنعام: 68] 33.

ثم ذكر رحمه الله الهجرة من أرض المعصية إلى أرض الطاعة بقوله: «النوع الثالث من أنواع الهجرة: الخروج عن أرض غلب عليها الحرام؛ فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم» 34.

وأغلب أهل العلم في تفسير هذه الآية على أن المقصود بها مجالس البدع والاستهزاء بالدين 35.

والخطاب وإن كان للرسول صلى الله عليه وسلم في الآية مباشرةً، فإن حكم بقية المسلمين كحكمه. كما قال جل جلاله في ذكر المنافقين: (فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى? يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ?) [النساء: 140] .

قال الحافظ ابن كثير عن آية سورة الأنعام مبينًا عمومها لكل المسلمين: «والمراد بهذه الآية كل فرد من آحاد الأمة ألا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله، ويضعونها على غير مواضعها، وهذه الآية هي المشار إليها في قوله: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى? يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ? إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ?140?) [النساء: 140] .

أي: إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك فقد ساويتموهم في الذي هم فيه» 36.

ووردت الهجرة كذلك في السنة النبوية كما وردت في القرآن.

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان فيمن كان قبلكم رجلٌ قتل تسعةً وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهبٍ، فأتاه، فقال: إنه قتل تسعةً وتسعين نفسًا، فهل له من توبةٍ؟ فقال: لا، فقتله، فكمل به مائةً، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجلٍ عالمٍ، فقال: إنه قتل مائة نفسٍ، فهل له من توبةٍ؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوءٍ، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملكٌ في صورة آدميٍ، فجعلوه بينهم 37، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة) ، قال قتادة: فقال الحسن: ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره 3839.

قال النووي رحمه الله: «قوله: (انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن فيها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء) قال العلماء: في هذا استحباب مفارقة التائب المواضع التي أصاب بها الذنوب، والأخدان المساعدين له على ذلك، ومقاطعتهم ما داموا على حالهم، وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح والعلماء والمتعبدين الورعين ومن يقتدي بهم وينتفع بصحبتهم، وتتأكد بذلك توبته» 40.

حكم هذه الهجرة:

سبق أن بينا أن الهجرة من أرض البدعة والمعصية إلى أرض السنة والطاعة ليس المقصود منها انتقال إلى بلد أو مدينة أو منطقة فحسب، بل الأمر أوسع من هذا، يشمل كل بقعة أو مجلس تحول عنه لنوع بدعة أو شيء محرم.

وبناءً على ذلك يكون لهذه الهجرة حكمان:

الأول: الوجوب إذا كان الجلوس في مثل هذه الأماكن سببًا في فقد المسلم القدرة على الالتزام بتعاليم دينه، وعدم قدرته على تغيير المنكرات، كما يفهم من نصوص القرآن وكلام العلماء.

ويفهم هذا الوجوب من قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى? يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ? وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى? مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ?68?) [الأنعام: 68] .

ومن دلالات الوجوب في الآية: صيغة الأمر بالإعراض في قوله تعالى: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) [الأنعام: 68] .

وجعل غاية هذا الإعراض 41 أن يخوضوا في حديث غيره، وهو قوله تعالى: (حَتَّى? يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) [الأنعام: 68] .

وكذلك يستفاد من النهي في قوله تعالى: (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى? مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأنعام: 68] ؛ لأن الإقامة في هذه الأرض أيًا كان نوعها -كما بينا سابقًا- تعرض المسلم لسخط الله عز وجل وفقد القدرة على الالتزام بتعاليم دينه.

ويفهم الوجوب من كلام العلماء المذكورين سابقًا، كابن العربي وابن كثير، وغيرهما.

الثاني: جواز الهجرة وعدمه:

وهذا إذا كان المسلم قادرًا على إقامة أحكام دينه، وعلى إزالة هذه المنكرات، وعلى دعوة العصاة في مثل هذه الأماكن.

ويؤخذ هذا الحكم من قوله تعالى في سورة الأنعام: (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَ?كِنْ ذِكْرَى? لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الأنعام: 69] .

وقد صرح بعض العلماء بهذا الحكم، واتضح من كلام بعضٍ آخر بمفهوم المخالفة.

قال الرازي في تفسير هذه الآية: «قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لما قدرنا على أن نجلس في المسجد الحرام، وأن نطوف بالبيت، فنزلت هذه الآية، وحصلت الرخصة فيها للمؤمنين بأن يقعدوا معهم ويذكرونهم ويفهمونهم» 42.

وقال الشيخ السعدي في قوله تعالى: (فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى? مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأنعام: 68] : «هذا النهي والتحريم لمن جلس معهم ولم يستعمل تقوى الله بأن كان يشاركهم في القول والعمل المحرم، أو يسكت عنهم وعن الإنكار، فإن استعمل تقوى الله تعالى بأن كان يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر والكلام الذي يصدر منهم فيترتب على ذلك زوال الشر أو تخفيفه فهذا ليس عليه حرج ولا إثم؛ ولهذا قال: (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَ?كِنْ ذِكْرَى? لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الأنعام: 69] » 43.

وقال ابن القاسم: «سمعت مالكًا يقول: لا يحل لأحد أن يقيم ببلد سب فيها السلف» 44.

وقد وافقه ابن العربي بقوله: «وهذا صحيح؛ فإن المنكر إذا لم يقدر على تغييره نزل عنه 45.

قال الله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى? يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ? وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى? مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ?68?) [الأنعام: 68] 46.

فيفهم من قوله: «فإن المنكر إذا لم يقدر على تغييره نزل عنه» ، جواز المكث والجلوس عند استطاعة تغيير المنكر.

وقال الشوكاني في تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى? يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ? وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى? مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ?68?) [الأنعام: 68] : «وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتسمح 47 بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون كلام الله، ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله، ويردون ذلك إلى أهوائهم المضلة وبدعهم الفاسدة، فإنه إذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه، فأقل الأحوال أن يترك مجالستهم، وذلك يسير عليه غير عسير» 48.

وبعد عرض كلام أهل العلم في هذا النوع من الهجرة يتبين أنها تدور بين الوجوب والجواز، على التفصيل الذي سبق بيانه، والله أعلم.

ثالثًا: الهجرة لطلب العلم والتجارة:

لما كان طلب العلم وتعلمه وتعليمه للناس من أجل الأعمال وأفضلها؛ عد السفر في سبيل تحصيله لونًا من ألوان الهجرة، ونوعًا من أنواعها؛ وذلك لما يترتب عليه من منافع للمسلمين؛ ولما يصاحبه من مشقة ترك الأوطان، ومفارقة الإخوان، ومكابدة مشاق السفر والغربة ومتاعبه.

وجاء الحث على هذا النوع في القرآن الكريم في أكثر من موضع، بين آيات تأمر بها، وأخرى تذكر قصصًا للمهاجرين في طلب العلم.

كما حثت السنة النبوية الشريفة أيضًا على هذا النوع وبينت فضائله.

يقول الله عز وجل: (? فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة: 122] .

وهنا نجد الإشارة إلى أهمية الخروج والهجرة لطلب العلم والتفقه في الدين، فقد بين سبحانه وتعالى فيها أن غاية هذا الخروج من البلدان هو التفقه في الدين، وإنذار العباد به.

يقول الشيخ السعدي رحمه الله في قوله: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) [التوبة: 122] .

أي: «ليتعلموا العلم الشرعي ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلموا غيرهم، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم» 49.

ويقول السيوطي رحمه الله: «وفي الآية إشارة إلى الرحلة في طلب العلم» 50.

واتخذ الطاهر ابن عاشور هذه الآية أصلًا في طلب العلم، فقال: «هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم، على طائفة عظيمة من المسلمين وجوبًا على الكفاية» 51.

وبالنظر في سياق الآية يتبين لنا أنها أتت في معرض الحديث عن الجهاد في سبيل الله، وكأن في هذا إشارة إلى أن الهجرة لطلب العلم لا تقل في المنزلة عن الهجرة للجهاد في سبيل الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت