«فهناك نفرٌ 52 كالنفر إلى الجهاد، وهو النفر إلى التفقه في الدين، والتعرف على أحكام الشريعة، ففي النفر إلى الجهاد يقول الله عز وجل: (. انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) [التوبة: 41] .
وفي النفر إلى العلم يقول جل جلاله: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [التوبة: 122] .
فطلب العلم فريضة على كل مسلم كفريضة الجهاد سواء بسواء» 53.
تناسب لطيف:
نلحظ وجود تناسب رائق من حيث المعنى ومن حيث اللفظ بين هذه الآية وما قبلها، في قوله: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) [التوبة: 120] .
ونجد الطاهر ابن عاشور رحمه الله يجلي لنا هذا الترابط فيقول: «وإذ قد كانت الآية السابقة قد حرضت فريقًا من المسلمين على الالتفاف حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو لمصلحة نشر الإسلام، ناسب أن يذكر عقبها نفر فريق من المؤمنين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للتفقه في الدين؛ ليكونوا مرشدين لأقوامهم الذين دخلوا في الإسلام.
ومن محاسن هذا البيان أن قابل صيغة التحريض على الغزو بمثلها في التحريض على العلم؛ إذ افتتحت صيغة تحريض الغزو بلام الجحود، في قوله: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ) [التوبة: 120] .
وافتتحت صيغة التحريض على العلم والتفقه بمثل ذلك، إذ يقول: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً) [التوبة: 122] 54.
وهذا لا شك يبين فضل الهجرة في طلب العلم وتحصيله.
والهجرة لطلب العلم لكفاية حاجة الأمة لا تقل في وجوبها عن وجوب الجهاد لتحقيق مصالح الأمة.
وقد استنبط الطاهر ابن عاشور رحمه الله هذا الحكم اللطيف من قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ? فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة: 122] .
فقال: «الإتيان بصيغة لام الجحود تأكيد للنفي، وهو خبر مستعمل في النهي، فتأكيده يفيد تأكيد النهي، أي: كونه نهيًا جازمًا يقتضي التحريم؛ وذلك أنه كما كان النفر للغزو واجبًا؛ لأن في تركه إضاعة مصلحة الأمة، كذلك كان تركه من طائفة من المسلمين واجبًا، لأن في تمحض جميع المسلمين للغزو إضاعة مصلحة للأمة أيضًا، فأفاد مجموع الكلامين أن النفر للغزو واجب على الكفاية، أي: على طائفة كافية لتحصيل المقصد الشرعي منه، وأن تركه متعين على طائفة كافية منهم، لتحصيل المقصد الشرعي مما أمروا بالاشتغال به من العلم في وقت اشتغال الطائفة الأخرى بالغزو» 55.
وإذا كان القرآن أشار إلى الهجرة لطلب العلم فقد أشارت السنة النبوية إليه أيضًا، وصرحت بأن هذه الهجرة جهاد، فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع) 56.
وعن زر بن حبيشٍ قال: أتيت صفوان بن عسالٍ المرادي فقال: ما جاء بك؟ قلت: أنبط 57 العلم، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من خارجٍ خرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة. أجنحتها رضًا بما يصنع 58.
ومما يبين لنا أيضًا فضل الهجرة في طلب العلم -زيادةً على ما سبق- ما قصه الله علينا من خبر الكليم موسى عليه السلام مع الخضر عليه السلام في سورة الكهف.
قال تعالى: (وَإِذ قالَ موسى لِفَتاهُ لا أَبرَحُ حَتّى أَبلُغَ مَجمَعَ البَحرَينِ أَو أَمضِيَ حُقُبًا ?60? فَلَمّا بَلَغا مَجمَعَ بَينِهِما نَسِيا حوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبيلَهُ فِي البَحرِ سَرَبًا ?61? فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَد لَقينا مِن سَفَرِنا هذا نَصَبًا ?62? قالَ أَرَأَيتَ إِذ أَوَينا إِلَى الصَّخرَةِ فَإِنّي نَسيتُ الحوتَ وَما أَنسانيهُ إِلَّا الشَّيطانُ أَن أَذكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبيلَهُ فِي البَحرِ عَجَبًا ?63? قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبغِ فَارتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا ?64? فَوَجَدا عَبدًا مِن عِبادِنا آتَيناهُ رَحمَةً مِن عِندِنا وَعَلَّمناهُ مِن لَدُنّا عِلمًا ?65? قالَ لَهُ موسى هَل أَتَّبِعُكَ عَلى أَن تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمتَ رُشدًا) [الكهف: 60 - 66] .
فهذه قصة ارتحال موسى عليه السلام إلى الخضر وهجرته إليه، وسبب هذه الهجرة يبينه لنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه إن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله في مكتلٍ، فحيثما فقدت الحوت فهو) 59.
إذن فموسى عليه السلام قد هاجر لطلب العلم من العبد الصالح.
يقول القرطبي رحمه الله: «في هذا من الفقه رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب، واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم، وكان ذلك دأب السلف الصالح» 60.
وبتتبع آيات القصة ومفرداتها يتبين لنا: الحرص الشديد من موسى عليه السلام على مواصلة الرحلة، مهما كلفه ذلك من مشقة وعناء؛ إذ يقول: (وَإِذ قالَ موسى لِفَتاهُ لا أَبرَحُ حَتّى أَبلُغَ مَجمَعَ البَحرَينِ أَو أَمضِيَ حُقُبًا) [الكهف: 60] .
وهذا «يكشف عن حرصه الشديد على تحقيق هذه الرغبة حتى إنه إذا لم يبلغها في المدى الذي قدره فلن يكف عن السعي، بل يظل هكذا طوال حياته راصدًا لهذه الغاية، ساعيًا إليها، شأن من تتسلط عليه رغبة ويستولي عليه أمل فيعيش حياته كلها ساعيًا لهذه الرغبة، جاريًا وراء هذا الأمل إلى أن يتحقق أو يموت دونه» 61.
فالهجرة في طلب العلم من نفائس الأعمال وعظيمها، فلا غرو أن استحقت كل هذا الإصرار من نبي كريم.
قال الرازي: في قوله تعالى: (وَإِذ قالَ موسى لِفَتاهُ لا أَبرَحُ حَتّى أَبلُغَ مَجمَعَ البَحرَينِ أَو أَمضِيَ حُقُبًا) [الكهف: 60] .
«هذا إخبار من موسى عليه السلام بأنه وطن نفسه على تحمل التعب الشديد والعناء العظيم في السفر؛ لأجل طلب العلم، وذلك تنبيه على أن المتعلم لو سافر من المشرق إلى المغرب لطلب مسألة واحدة لحق له ذلك» 62.
ولو لم يكن لهذا النوع من أنواع الهجرة ثمرة إلا تحصيل العلم النافع الذي يورث العبد خشية الله، مصداقًا لقوله سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ?) [فاطر: 28] 63 لكفى، فكيف وقد أمر الله به، وجعله من سنة الأنبياء والصالحين، وجعل تعليمه للناس من خير الأعمال وأقومها!
ولله در القرطبي إذ يقول: «بسبب ذلك -أي: الهجرة لطلب العلم- وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح، وحصلوا على السعي الناجح، فرسخت لهم في العلوم أقدام، وصح لهم من الذكر والأجر والفضل أفضل الأقسام» 64.
ومن تمام نعمة الله على عباده أن ذلل لهم الأرض وسخرها كالدابة الذلول سهلة الانقياد، وأرشدهم إلى السير والسعي في جنباتها وفجاجها؛ لتحصيل الرزق والمعاش، فقال سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ? وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [الملك: 15] .
ومن رحمة الله بعباده أيضًا أن وازن لهم بين متطلبات أرواحهم، ومقتضيات الحياة في الأرض من عمل ونشاط وكسبٍ؛ فأباح لهم الانتشار في الأرض للتجارة والكسب بعد الفراغ من صلاة الجمعة، حيث قال جل جلاله: (ٹ ٹفَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّ) [الجمعة: 10] .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «لما حجر عليهم في التصرف بعد النداء، وأمرهم بالاجتماع أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض، والابتغاء من فضل الله» 65.
وابتغاء الفضل ورد في القرآن بمعنى التجارة 66.
كما أرشد الله عباده أن السفر للتجارة سبب للنيل من فضل الله الواسع، فقال سبحانه وتعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ?) [المزمل: 20] .
والضرب في الأرض هو السفر للتجارة 67.
«وسمى الله السفر للتجارة ضربًا في الأرض؛ لأن الماشي بجدٍ واجتهاد يضرب الأرض برجله» 68.
«وتأمل كيف أن الله قال: (يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) [المزمل: 20] .
فأشار إلى سعة ما عند الله بكونه فوق أمانيهم؛ وقال: (مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) ، أي: بعض ما أوجده الملك الأعظم لعباده، ولا حاجة به إليه بوجهٍ من الربح في التجارة» 69.
ومما يبين فضيلة السفر للتجارة وتحصيل الرزق، بشرط توفر النية الطيبة، وعدم الانشغال به عن ذكر الله، أن الله عز وجل جعل الهجرة للسعي على الرزق والتجارة مقرونة بالجهاد في سبيله، فقال جل جلاله: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ? وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ?) [المزمل: 20] .
فقد «جمع الله سبحانه وتعالى في الآية بين السعي في الأرض لطلب الرزق والجهاد في سبيله؛ للإشعار بأن الأول لا يقل في فضله عن الثاني متى توافرت فيه النية الطيبة، وعدم الانشغال به عن ذكر الله» 70.
قال الطاهر ابن عاشور: «وقد كان بعض الصحابة رضي الله عنهم يتأول من هذه الآية فضيلة السفر للتجارة؛ حيث سوى الله بين المجاهدين والمكتسبين المال الحلال، بمعنى أن الله ما ذكر هذين السببين لنسخ تحديد القيام إلا تنويهًا بهما» 71.
فها هو عمر رضي الله عنه يبين فضيلة الهجرة للتجارة والسعي إلى الرزق، فيقول: «ما جاءني أجلي في مكانٍ، ما عدا في سبيل الله عز وجل أحب إلي من أن يأتيني وأنا بين شعبتي رحلي أطلب من فضل الله، ثم تلا: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ?) [المزمل: 20] 72.
وهكذا فهم كثير من العلماء؛ فتواترت كلماتهم في بيان فضيلة السفر للتجارة من خلال آية المزمل 73.
وجاءت هذه الجملة من الآية في سورة المزمل في سياق بيان أعذار بني آدم التي تحول بينهم وبين قيام الليل، فذكر الله من هذه الأعذار سفر بعض المسلمين للتجارة يطلبون من رزق الله ما يحتاجون إليه في معاشهم، وهذا يبين فضيلة الهجرة للتجارة، والسعي على الرزق؛ إذ جعلها الله عذرًا لمن لا يقوم الليل كله، ولا ينقطع لقراءة القرآن.
من أنواع الهجرة التي بينها القرآن الكريم هجرة بعض الأعمال، وسوف نتناولها بالشرح فيما يأتي:
أولًا: الهجرة من الآثام إلى التوحيد:
الذنوب والمعاصي من أكثر ما يهلك العبد ويخزيه في دنياه وأخراه، وقد حدثنا القرآن عن علة هلاك الأقوام السابقة والأمم المتقدمة، فقال جل جلاله: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ ? فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا ? وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَ?كِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [العنكبوت: 40] .
والإيمان بالله والاعتصام به من أكبر أسباب النجاة.
قال تعالى: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى? حِينٍ) [يونس: 98] .
فهجرة المعاصي والحذر منها والاعتصام بالتوحيد لا ريب أنه من أكثر أسباب النجاة؛ لذا جاء الأمر بها في القرآن: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) [المدثر: 5] .
وقد ورد في بيان المراد بالرجز في الآية قولان:
الأول: الرجز هو الأصنام، وقد ورد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والزهري وابن زيد.
الثاني: الرجز هو المعصية، وقد ورد عن إبراهيم والضحاك 74.
وتوجيه الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم باجتناب الرجز لا يلزم منه تلبسه بشيء منه، قال ابن كثير رحمه الله: «وعلى كل تقدير فلا يلزم تلبسه بشيء من ذلك، كقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) [الأحزاب: 1] .
وقوله: (وَقَالَ مُوسَى? لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف: 142] 75. والمعنى في الأمر: اثبت ودم على هجره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان بريئًا منه» 76.
وعلى كلا القولين في معنى الرجز فهناك أمر بهجر الإثم، سواء كان الشرك أو الذنوب التي يدخل فيها الشرك وسائر الشرور.
قال الشيخ السعدي: « (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) [المدثر: 5] .
يحتمل أن المراد بالرجز الأصنام والأوثان التي عبدت مع الله، فأمره بتركها، والبراءة منها، ومما نسب إليها من قول أو عمل، ويحتمل أن المراد بالرجز أعمال الشر كلها وأقواله، فيكون أمرًا له بترك الذنوب، صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها، فيدخل في ذلك الشرك وما دونه» 77.
ولعل القول بالعموم هو الأولى؛ لأن من معاني الرجز في اللغة العذاب، قال الله تعالى: (لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ) [الأعراف: 134] .
فتكون الآية دالة على وجوب الاحتراز عن كل المعاصي؛ لأنها مسببة للعذاب، فكل ما يؤدي إلى الرجز فاهجره، كأنه قيل له: اهجر الجفاء والسفه وكل شيء قبيح، ولا تتخلق بأخلاق هؤلاء المشركين المستعملين للرجز.
«وتظهر أهمية هجرة الآثام حينما نعلم أن هذا الأمر (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) [المدثر: 5] .
أتى في سورة المدثر، وهي من أوائل ما نزل» 78.
ولخطورة الآثام ولأهمية هجرها، قدم المفعول (وَالرُّجْزَ) على عامله (فَاهْجُرْ) .
قال ابن عاشور: «وتقديم (الرجز) على فعل (اهجر) ؛ للاهتمام في مهيع 79 الأمر بتركه» 80.
وقد جاء هذا المعنى -هجرة الآثام- في الحديث الصحيح: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) 81.
قال ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: «الهجرة ضربان: ظاهرة وباطنة، فالباطنة: ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، والظاهرة: الفرار بالدين من الفتن» 82.
والهجرة الظاهرة على المرء أن يقوم بها متى تحققت دواعيها، أما الهجرة الباطنة فلا ينبغي أن يتخلف الإنسان عنها.
وهذا لا ريب يدل على أهمية هجر الذنوب والبعد عنها «فإن النفس متى طهرت منها كانت مستعدة للإفاضة على غيرها، وأقبلت بإصغاء وشوق إلى سماع ما يقول الداعي» 83.
ثانيًا: هجرة القوم بالمشاعر:
من البلاءات العصيبة أن يكون الإنسان مؤمنًا يريد الله والدار الآخرة، ويحيا في بيئة لا تسيطر على أفرادها الغاية نفسها والهدف ذاته، ثم تفرض عليه هذه الحياة أن يعامل أفراد هذه البيئة ويخالطهم، ويتواجد معهم بجسده لسببٍ ما، فحينئذٍ لا يجد إلا أن يهجرهم بمشاعره وقلبه.
وهي هجرة شرعية جعلها الله لمن عجز عن الهجرة ببدنه.
وقد جاء الأمر بهذه الهجرة في القرآن: قال عز وجل: (ڑ. وَاصْبِرْ عَلَى? مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ?) [المزمل: 10] .
قال الحافظ ابن كثير في بيان المراد بهذه الآية: «يقول تعالى آمرًا رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما يقوله من كذبه من سفهاء قومه، وأن يهجرهم هجرًا جميلًا؛ وهو الذي لا عتاب معه» 84.
وقد تعددت أقوال المفسرين في بيان معنى الهجر الجميل:
فقال الزمخشري: «الهجر الجميل أن يجانبهم بقلبه وهواه، ويخالفهم، مع حسن المخالقة والمداراة والإغضاء، وترك المكافأة» 85.
وقال صاحب الإشارات: «الهجر الجميل: أن تعاشرهم بظاهرك، وتباينهم بسرك وقلبك» 86.
وقال السعدي عن الهجر الجميل: «هو الهجر حيث اقتضت المصلحة، الهجر الذي لا أذية فيه، فيقابلهم بالهجر والإعراض عنهم وعن أقوالهم التي تؤذيه، مع جدالهم بالتي هي أحسن» 87.
ومن تأمل كلمات المفسرين تتضح لنا صور للهجر الجميل:
فليس المقصود من هذا الهجر ترك الدعوة والتبليغ، وإنما هو هجر وإعراض جميل، مع مواصلة الدعوة، وهذا ما نبه إليه الطاهر ابن عاشور رحمه الله بقوله: «ولما كان الهجر ينشأ عن بغض المهجور، أو كراهية أعماله كان معرضًا لأن يعتلق به أذى من سب أو ضرب أو نحو ذلك؛ فأمر الله رسوله بهجر المشركين هجرًا جميلًا، أي: أن يهجرهم ولا يزيد على هجرهم سبًا أو انتقامًا، وهذا الهجر هو إمساك النبي صلى الله عليه وسلم عن مكافأتهم بمثل ما يقولونه، مما أشار إليه قوله تعالى: (ڑ. وَاصْبِرْ عَلَى? مَا يَقُولُونَ) [المزمل: 10] .
وليس منسحبًا على الدعوة للدين؛ فإنها مستمرة، ولكنها تبليغ عن الله سبحانه وتعالى، فلا ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم» 88.
وقد انتزع الرازي رحمه الله من هذه الآية منزعًا أخلاقيًا نفيسًا في كيفية التعامل مع الخلق، فقال: «قد جمع سبحانه وتعالى كل ما يحتاج إليه في هذا الباب في هاتين الكلمتين؛ وذلك لأن الإنسان إما أن يكون مخالطًا للناس أو مجانبًا لهم، فإن كان مخالطًا لهم فعليه أن يصبر على إيذائهم، وإما أن يكون مجانبًا لهم فعليه أن يهجرهم هجرًا جميلًا، بأن يجانبهم بقلبه وهواه، ويخالفهم في أفعالهم مع المداراة والإغضاء» 89.
ومما يستشهد به على هجرة القوم بالمشاعر ما ورد في قول الله: (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) [الشعراء: 216] .
فقد أمر الله رسوله بإعلان براءته وإنكاره، وإظهار عدم رضاه عن معصية قومه بعد دعوتهم، وسواء كان المقصود هم كفار قريش، أو من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، فسياق الآيات يحتمل القولين، وقد فسرها المفسرون على القولين:
الأول: كفار قريش.
قال الطبري رحمه الله: «فإن عصتك يا محمد عشيرتك الأقربون الذين أمرتك بإنذارهم، وأبوا إلا الإقامة على عبادة الأوثان والإشراك بالرحمن، فقل لهم: (ڑ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء: 216] .
من عبادة الأصنام، ومعصية بارئ الأنام» 90.
الثاني: من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم.
قال السعدي رحمه الله: « (فَإِنْ عَصَوْكَ) [الشعراء: 216] .
في أمر من الأمور فلا تتبرأ منهم، ولا تترك معاملتهم بخفض الجناح ولين الجانب، بل تبرأ من عملهم، فعظهم عليه وانصحهم، وابذل قدرتك في ردهم عنه، وتوبتهم منه؛ وهذا لدفع احتراز وهم من يتوهم أن قوله: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الشعراء: 215] .
يقتضي الرضاء بجميع ما يصدر منهم ما داموا مؤمنين فدفع هذا بهذا» 91.
وعلى كلا القولين فالآية شاهد على هجرة القوم بالمشاعر عند ارتكاب المعاصي.
وقد ذكر لنا القرآن بعض المواقف العملية للهجرة بالمشاعر، نذكر منها موقفين:
لما نهى الله المؤمنين في سورة الممتحنة عن موالاة الكفار ذكر قصة إبراهيم عليه السلام، وأن من سيرته التبرؤ من الكفار، فأمر المؤمنين أن يقتدوا به في هذه الهجرة القلبية، فقال عز وجل: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى? تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: 4] .
فنلحظ من هذا الموقف أن إبراهيم عليه السلام والمؤمنين معه أعلنوا البراءة والإنكار على قومهم؛ لكفرهم بالله وعبادتهم ما سواه، وأظهروا لهم العداوة والبغضاء، جاعلين هذا شعارهم حتى ينتهي قومهم عن كفرهم ومعاصيهم.
قال الطاهر ابن عاشور: « (وَبَدَا) معناه: ظهر ونشأ، أي: أحدثنا معكم العداوة ظاهرةً لا مواربة فيها، أي: ليست عداوة في القلب خاصة، بل هي عداوة واضحة علانيةً بالقول والقلب» 92.
ونلحظ في نظم الآية الجمع بين العداوة والبغضاء، وإن كانت إحداهما تكفي في التعبير عن هذه الهجرة القلبية، إلا أن القرآن لم يكتف بواحدة؛ بل جمع بينهما للتأكيد على هذه الهجرة القلبية التي وقعت من إبراهيم عليه السلام ومن معه.
قال ابن عاشور: «والعداوة: المعاملة بالسوء والاعتداء، والبغضاء: نفرة النفس والكراهية، وقد تطلق إحداهما في موضع الأخرى إذا افترقتا، فذكرهما معًا هنا مقصود به حصول الحالتين في أنفسهم حالة المعاملة بالعدوان وحالة النفرة والكراهية» 93.
من المواقف العملية التي ذكرها القرآن في هجرة القوم بالمشاعر، ما فعله لوط عليه السلام مع قومه، حين أعلن بغضه لما يفعله قومه من جريمة اللواط، حيث قال: (قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ) [الشعراء: 168] .
أي: «إني لعملكم الذي تعملونه -من إتيان الذكور- لمن المبغضين له بغضًا شديدًا» 94.
ومن دلالات النظم على شدة كراهية لوط عليه السلام لهذا العمل، ومفارقته قومه في جريمتهم أمران:
أحدهما: إيثاره التعبير بقوله: (مِنَ الْقَالِينَ) دون غيره، كالمبغضين مثلًا؛ لأنه بغضٌ شديد، كأنه يقلي الفؤاد والكبد لشدته 95.
الأمر الآخر: أراد لوط عليه السلام أن يبين لقومه أنه من زمرة الراسخين في بغض هذا العمل، المشهورين في قلاه، فلم يقل: «إني لعملكم قالٍ» ، وإنما قال: (مِنَ الْقَالِينَ) وهو أبلغ؛ لدلالته على المعنى المراد.
تحدث القرآن الكريم عن المهاجرين؛ ليقتدي بهم المؤمنون، وسوف نقوم بتناول منزلتهم ونماذج منهم فيما يأتي:
أولًا: منزلة المهاجرين:
إن للمهاجرين منزلة عالية في القرآن الكريم، فقد احتفى بهم احتفاءً كبيرًا، ويظهر ذلك ما يأتي:
ذكر الله سبحانه وتعالى المهاجرين السابقين في كتابه خير ذكر، وخلد ذكرهم أبد الدهر، وقد حدثنا القرآن في غير موضع عن هجرة نبي الله موسى، والخليل إبراهيم، وتهجيره لولده وزوجته: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) [إبراهيم: 37] .
وكيف أن هذه الهجرة الميمونة كانت هي البشائر لميلاد أمة جديدة صارت هي الأجدر بتلقي كلمات الله ورسالته الأخيرة، والانسياح بها في مختلف الأصقاع والبقاع، وإزالة الظلام الذي ران على العقول والأفئدة في ظل غيبة أنوار التوحيد.
فتخليد الله ذكر المهاجرين السابقين في القرآن تكريمٌ ما بعده تكريم.
يستفاد من ذكر القرآن لقصص المهاجرين السابقين أنهم صاروا في موضع الأسوة والقدوة للجماعة المؤمنة على امتداد الزمان وتراخيه.
فذكر القرآن لهم يعني: أن سيرهم ومواقفهم وتضحياتهم وبطولاتهم ستبقى حية ومتداولة لا تنسى على مر العصور، وكر الدهور، تستخرج منها الدروس، وتستنبط من بين ثناياها العبر.
فجعل المهاجرين السابقين مضرب المثل، ومحل اعتبار جموع المؤمنين السائرين إلى ربهم لهو تشريف يعجز الجنان والبنان عن تخيله وتسطيره؛ لأنه مهما سطر فسيبقى خارج التصور.
قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 100] .