فهرس الكتاب

الصفحة 2174 من 2431

1.إن مراعاة حالة الاضطرار ينتج عنها تحقيقٌ لبعض مقاصد الشريعة الإسلامية، وتفصيل هذه المقاصد وبيانها كما يأتي:

أولًا: التيسير والتخفيف ورفع الحرج والمشاق عن المكلفين:

إن الله سبحانه وتعالى عندما أحل الحلال وحرم الحرام، قد جعل الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص شرعي على تحريمه، فالحلال كثير وواسع، أما الحرام فهو معدود وضيق.

يقول الله جل جلاله: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) } [الأنعام:118 - 119] .

ففي هاتين الآيتين يأمر الله عز وجل المسلمين أن يأكلوا مما ذكر اسم الله عز وجل عليه، فكل ما ذكر الذابح عليه اسم الله تعالى كان حلالًا إن كان مما أباح الله تعالى أكله، ثم أنكر سبحانه وتعالى عليهم عدم أكلهم مما سموا عليه بعد أن أذن الله تعالى لهم بذلك.

والحال أنه جل جلاله قد فصل لهم ما حرم عليهم، وبين لهم بيانًا مفصلًا شافيًا يدفع الشك ويزيل الشبهة، ثم استثنى الله تعالى من هذه المطعومات المحرمة عليهم ما كان في حالة الضرورة؛ وذلك لأن الضرورة تحلل الحرام، ثم بين سبحانه وتعالى أن الكفار الذين كانوا يحرمون البحيرة والسائبة ونحوهما أن أفعالهم هذه مبنية على الجهل الذي كانوا يضلون الناس فيتبعونهم ولا يعلمون أن ذلك صادر منهم عن جهل وضلالة، وليس فيه شيء من العلم.

وبعد ذلك أمر الله عز وجل المؤمنين أن يتركوا ظاهر الإثم من أفعال الجوارح، وأن يتركوا أيضًا باطن الإثم من أفعال القلوب، ثم توعد الكاسبين للإثم بالجزاء بسبب افترائهم على الله جل جلاله 55.

وعليه فإن هذه الشريعة الإسلامية السمحة مبنية على التيسير والتخفيف عن أفراد الأمة الإسلامية، ورفع الحرج والمشاق عنهم، وقد وردت كثير من النصوص القرآنية والنبوية أيضًا على هذا المقصد.

ومنها: قوله عز وجل: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185] .

وقوله جل جلاله: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء:28] .

وقوله تعالى أيضًا: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78] .

فهذه النصوص وغيرها تفيد أن الله عز وجل لا يريد لنا المشقة والتعسير والوقوع في الحرج؛ بل يريد لنا التيسير والتخفيف ورفع الحرج لأداء العبادة التي فرضها سبحانه وتعالى علينا وأدائها على أكمل وجه.

أما من السنة النبوية المطهرة، فقد وردت أحاديث كثيرة في هذا المقصد، ومنها-على سبيل المثال-: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا، ولا تنفروا) 56، وأيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: (إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة) 57.

ثانيًا: الحفاظ على الضروريات الثلاث:

الضروريات جمع كلمة ضروري، والضروريات عرفها علماء الأصول بأنها: «هي الأمور التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة؛ بل على فسادٍ وتهارج، وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين» 58، وهي ضروريات خمس، وقد أجمع العلماء عليها، وهي متمثلة في حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت