فهرس الكتاب

الصفحة 1733 من 2431

وهو أصح الأقوال، وقيل: هي حبرون، وقيل: هي أريحا، لتكون مركزًا أولًا لهم، والأمر بالدخول أمر بما يتوقف الدخول عليه وهو القتال كما دل عليه قوله: {وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} ، فإن الارتداد على الأدبار من الألفاظ المتعارفة في الحروب.

قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) } [الأنفال:15] 29.

وقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} أي: فكلوا من هذه القرية حيث شئتم عيشا هنيا واسعا بغير حساب، وفيه دلالة على أن المأمور به الدخول على وجه الاقامة والسكنى، {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} ، أي: باب القرية، وقيل: هو باب الحطة من بيت المقدس.

وقوله: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} ، والمراد بالحطة: الدعاء بأن تحط عنهم خطايا التقصير وكفر 30.

وقوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} ، أي: فلما دخلوا الباب خالفوا أمر الله، وقالوا بخلاف ما قيل لهم، وتبديل القول تبديل جميع ما قاله الله لهم، وفائدة إظهار لفظ القول دون أن يقال فبدلوه، لدفع توهم أنهم بدلوا لفظ حطة خاصة وامتثلوا ما عدا ذلك لأنه لو كان كذلك لكان الأمر هينا، وقيل: قالوا: مكان حطة حنطة، وقيل قالوا: بالنبطية حطا سمقاثا، أي: حنطة حمراء، استهزاء وتبديلًا منهم بما قيل لهم، وعدولًا عن طلب ما عند الله إلى طلب ما يشتهون من أعراض الدنيا، وكان هذا رغبة في المخالفة وإصرارًا على العناد، ما يكشف عما في طبيعة القوم من عناد، وإنه عناد الأطفال، يأبون إلا ركوب رءوسهم، والاتجاه إلى غير ما يوجهون إليه، ولو كان في ذلك تلفهم وهلاكهم، وقد بينت السنة هذا التبديل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قيل لبني إسرائيل: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} ، فدخلوا يزحفون على أستاهم فبدلوا وقالوا: حطة حبة في شعرة) 31 32.

وقوله تعالى: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا} ، أي: عذابًا، وفي تكرير الذين ظلموا زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بإنزال الرجز عليهم لظلمهم، وإنما جاء بالظاهر في موضع المضمر، فقال: {عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} ، ولم يقل: عليهم؛ لئلا يتوهم أن الرجز عم جميع بني إسرائيل، {مِنَ السَّمَاءِ} ، وإنما جعل من السماء لأنه لم يكن له سبب أرضي من عدوى أو نحوها، فعلم أنه رمتهم به الملائكة من السماء بأن ألقيت عناصره وجراثيمه عليهم فأصيبوا به دون غيرهم، ولأجل هذا خص التبديل بفريق معروف عندهم، فعبر عنه بطريق الموصولية لعلم المخاطبين به وبتلك الصلة، فدل على أن التبديل ليس من فعل جميع القوم أو معظمهم؛ لأن الآية تذكير لليهود بما هو معلوم لهم من حوادثهم، {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} ، بسبب فسقهم 33.

[انظر: اليهود: تحريفات اليهود]

ثانيًا: التعنت:

من صفات بني إسرائيل الذميمة التي ذكرها القرآن الكريم التعنت.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) } [البقرة:67 - 73] .

بينت هذه الآيات قصة بني إسرائيل في تلقيهم لأوامر الله تعالى، وعدم التوقير لأنبيائهم، والتعنت في الأسئلة، وسوء الفهم في مقاصد الشريعة، وذلك أنه وجد قتيل فيهم، وكانوا يطالبون بدمه، فأمرهم الله تعالى بذبح بقرة، وأن يضربوه ببعضها ليحيى ويخبر بقاتله، فأخبرهم موسى عليه السلام بذلك.

وإنما أمر -والله أعلم- بذبح البقرة دون غيرها؛ لأنها من جنس ما عبدوه من العجل، ليهون عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم زوال ما كان في نفوسهم من عبادته، {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} .

وقدم هنا قول موسى عليه السلام؛ لأن خطاب موسى عليه السلام لهم قد نشأ عنه ضرب من مذامهم في تلقي التشريع، وهو الاستخفاف بالأمر حين ظنوه هزؤا، والإعنات في المسألة، فأريد من تقديم جزء القصة تعدد تقريعهم، {قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} ، أي: سخرية يهزأ بنا، وهذا القول من سفههم وخفة أحلامهم وجهلهم بعظمة الله تعالى وما يجب أن يقابل به أمره من الاحترام والامتثال، وإن لم تظهر حكمته 34.

وقوله تعالى: {قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} ، لأن الهزو في أثناء تبليغ أمر الله سبحانه جهل وسفه نفى عنه عليه السلام ما توهموه من قبله على أبلغ وجه وآكده، بإخراجه مخرج ما لا مكروه وراءه بالاستعاذة منه، استفظاعا له، واستعظاما لما أقدموا عليه من العظيمة التي شافهوه بها، والعوذ: اللجوء من متخوف لكاف يكفيه، والجهل: التقدم في الأمور بغير علم، وكان في هذا التوجيه كفاية ليثوبوا إلى أنفسهم، ويرجعوا إلى ربهم، وينفذوا أمر نبيهم 35.

ولما علم القوم أن ذبح البقرة عزم من الله عز وجل سألوه الوصف، ولو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، وقالوا لموسى تماديًا في تعنتهم: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} ، أي: ما حالها وصفتها، وكان حقهم أن يقولوا: أي بقرة هي؟ أو كيف هي؟ لأن ما يسأل به عن الجنس غالبًا.

لكنهم لما رأوا ما أمروا به على حال لم يوجد بها شيء من جنسه، أجروه مجرى ما لم يعرفوا حقيقته ولم يروا مثله.

{قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ} ، أي: لا كبيرة ولا صغيرة، والفارض: المسنة التي لا تلد، يقال: منه فرضت تفرض فروضا، والبكر: الفتية الصغيرة التي لم تلد قط، وحذفت الهاء منهما للاختصاص بالإناث كالحائض.

{عَوَانٌ} ، وسط نصف بين ذلك، أي: بين السنين، يقال: عونت المرأة تعوينا إذا زادت على الثلاثين، وقيل: العوان التي لم تلد قط، وقيل: العوان التي نتجت مرارًا.

وجاء في جوابهم بهذا الإطناب دون أن يقول من أول الجواب إنها عوان تعريضا بغباوتهم واحتياجهم إلى تكثير التوصيف حتى لا يترك لهم مجالًا لإعادة السؤال، وزجرهم عن التعنت والتمادي والمراجعة، بقوله: {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} ، أي: كفاكم مجادلة ونفذوا أمر الله واذبحوا البقرة، ولكنهم لم يسكنوا أنهم يريدون أن يحاوروا، ولذلك غيروا صيغة السؤال 36.

ومما يبين تعنت بني إسرائيل وسوء أدبهم مع نبيهم موسى عليه السلام، وهم يسألون: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} ، وإضافة الرب إلى موسى عليه السلام، ولم يقولوا أدع لنا ربنا، فكأنه رب موسى عليه السلام، والسؤال بهذه الصيغة يشي بأنهم ما يزالون في شكهم أن يكون موسى هازئًا فيما أنهى إليهم! فهم أولًا: يقولون: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} ، فكأنما هو ربه وحده لا ربهم كذلك! وكأن المسألة لا تعنيهم هم إنما تعني موسى وربه! 37.

ثم تمادوا في تعنتهم وتماديهم بما يوحي أنه صفة من صفاتهم القبيحة وخلق من أخلاقهم المتجذرة في نفوسهم، {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} ، أي: صاف لونها، {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} ، أي: تعجب الناظرين، وكان يجب أن يكتفوا بهذه المميزات ولكنهم زادوا تنطعا إذ قالوا: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ} أي: لم يذللها العمل، {تُثِيرُ الْأَرْضَ} ، أي: وليست بذلول تثير الأرض، {وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ} ، يقول: ولا تعمل في الحرث، {مُسَلَّمَةٌ} ، أي: مسلمة من العيوب، {لَا شِيَةَ فِيهَا} ، لا بياض فيها 38.

وقوله تعالى: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} ، اعتذار عن إعادة السؤال، وإنما لم يعتذروا في المرتين الأوليين واعتذروا الآن؛ لأن للثالثة في التكرير وقعا في النفس في التأكيد والسآمة وغير ذلك، وقولهم: {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} ، تنشيط لموسى عليه السلام، ووعد له بالامتثال لينشط إلى دعاء ربه بالبيان، ولتندفع عنه سآمة مراجعتهم التي ظهرت بوارقها في قوله: {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} ، ولإظهار حسن المقصد من كثرة السؤال وأن ليس قصدهم الإعنات، تفاديا من غضب موسى عليهم، والتعليق بـ {إِنْ شَاءَ اللَّهُ} ، للتأدب مع الله في رد الأمر إليه في طلب حصول الخير 39.

ولما استوفى جميع المميزات والمشخصات ولم يروا سبيلا إلى سؤال آخر، {قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} ، أي: وما قاربوا أن يذبحوها إلا بعد أن انتهت أسئلتهم، وانقطع ما كان من تنطعهم وتعنتهم 40.

قال أبو زهرة: «إن الله تعالى يختبرهم في إيمانهم بأن يذبحوا بقرة، ولكنهم تأثرًا بالمصريين وما كانوا عليه من عبادة العجل، يترددون في ذبح البقرة، فيجادلون في ذبحها متجاهلين أمرها، ولو أتوا إلى أي بقرة فذبحوها لكان في ذلك الاستجابة الكاملة، ولكنهم يثيرون الريب حول الطلب، سألوا عن حقيقتها، وعن كونها صغيرة أو كبيرة، فأجيبوا، ثم سألوا عن لونها فأجيبوا، ثم سألوا عن كونها متخذة معلوفة للنماء والتوالد، أم هي ذلول عاملة، فذبحوها وما كادوا يفعلون تقليدًا للمصريين وتأثرًا فأفكارهم، وأوهامهم في دينهم» 41.

ثالثًا: التحايل على الأحكام:

ذكر القرآن الكريم تحايل بني إسرائيل على الأحكام.

قال تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) } [الأعراف:163 - 165] .

يقول الله تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} .

والسؤال فيه للتقرير المتضمن للتقريع، والإدلال بعلم ماضيهم، والمعنى: واسأل بني إسرائيل عن أهل القرية التي كانت حاضرة البحر، أي قريبة منه، راكبة لشاطئه.

{إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ} ، أي: اسأل عن حالهم في الوقت الذي كانوا يعتدون في السبت، ويتجاوزون حكم الله بالصيد المحرم عليهم فيه 42.

وقوله تعالى: {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا} ، أضيفت الحيتان إليهم لما كان من ابتلائهم بها، واحتيالهم على صيدها، وكانت تأتيهم يوم سبتهم، أي: تعظيمهم للسبت، فهو مصدر سبتت اليهود تسبت إذا عظمت السبت بترك العمل فيه وتخصيصه للعبادة.

{شُرَّعًا} ، أي: ظاهرة من كل مكان، وهي جمع شارع، من شرع عليه إذا دنا وأشرف، وكانت الحيتان تأتي ظاهرة، فكانوا يحتالون بحبسها في يوم السبت، ثم يأخذونها في يوم الأحد، ويقال: إنهم جاهروا بأخذها في يوم السبت.

{وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ} ، أي: ولا تأتيهم يوم لا يعظمون السبت فعلا وتركا، قيل: إنها اعتادت ألا يتعرض أحد لصيدها يوم السبت، فأمنت وصارت تظهر فيه، وتختفي في الأيام التي لا يسبتون فيها لما اعتادت من اصطيادها فيها، فلما رأوا ظهورها وكثرتها في يوم السبت أغراهم ذلك بالاحتيال على صيدها ففعلوا 43.

وقوله تعالى: {كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} ، أي: نختبرهم بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائه عنهم في اليوم المحلل لهم صيده.

{بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} ، أي: مثل هذا البلاء بظهور السمك لهم نبلوهم، أي نختبرهم أو نعاملهم معاملة المختبر لحال من يريد إظهار كنه حاله ليترتب الجزاء على عمله بسبب فسقهم المستمر عن أمر ربهم، واعتدائهم حدود شرعه، وهؤلاء قوم احتالوا على انتهاك محارم الله، بما تعاطوا من الأسباب الظاهرة التي معناها في الباطن تعاطي الحرام 44.

وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} .

يخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المحذور، واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت، وفرقة نهت عن ذلك وأنكرت واعتزلتهم، وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه.

ولكنها قالت للمنكرة: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} ؟

أي: لم تنهون هؤلاء، وقد علمتم أنهم هلكوا واستحقوا العقوبة من الله؟ فلا فائدة في نهيكم إياهم.

قالت لهم المنكرة: {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ} ، قرأ بعضهم بالرفع، كأنه على تقديره: هذا معذرة وقرأ آخرون بالنصب، أي: نفعل ذلك {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ} .

أي: نعظهم وعظ عذر نعتذر به إلى ربكم عن السكوت على المنكر، وقد أمرنا بالتناهي عنه، ورجاء في انتفاعهم بالموعظة، وحملها على اتقاء الاعتداء الذي اقترفوه.

أي: فنحن لم نيأس من رجوعهم إلى الحق يأسكم، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم 45.

قال ابن عاشور: «إن صلحاء القوم كانوا فريقين، فريق منهم أيس من نجاح الموعظة وتحقق حلول الوعيد بالقوم، لتوغلهم في المعاصي، وفريق لم ينقطع رجاؤهم من حصول أثر الموعظة بزيادة التكرار.

فأنكر الفريق الأول على الفريق الثاني استمرارهم على كلفة الموعظة، واعتذر الفريق الثاني بقولهم: {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} .

فالفريق الأول: أخذوا بالطرف الراجح الموجب للظن.

والفريق الثاني: أخذوا بالطرف المرجوح جمعًا بينه وبين الراجح لقصد الاحتياط، ليكون لهم عُذرًا عند الله إن سألهم: لماذا أقلعتم عن الموعظة؟ ولما عسى أن يحصل من تقوى الموعوظين بزيادة الموعظة، فاستعمال حرف الرجاء في موقعه؛ لأن الرجاء يقال على جنسه بالتشكيك، فمنه قويٌ، ومنه ضعيف» 46.

قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} ، أي: فلما نسي العادون المذنبون، ما ذكرهم ووعظهم به إخوانهم المتقون، بأن تركوه وأعرضوا عنه حتى صار كالمنسي في كونه لا تأثير له.

{أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ} ، أي: عن العمل الذي تسوء عاقبته أي: أنجيناهم من العقاب الذي استحقه فاعلو السوء بظلمهم، {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا} ، وحدهم، {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} ، أي: شديد، من البأس وهو الشدة، أو البؤس، وهو المكروه أو الفقر، {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} ، أي: بسبب فسقهم المستمر لا بظلمهم في الاعتداء في السبت فقط 47.

رابعًا: الحرص على الحياة:

ذكر القرآن الكريم أن بني إسرائيل أحرص الناس على حياة.

قال تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) } [البقرة:96] .

بينت الآية أن بني إسرائيل أحرص الخلق على حياة وأشدهم كراهة للموت، لما يعلمون من مآلهم السيء وعاقبتهم عند الله الخاسرة؛ لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر 48، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم، وما يحذرون واقع بهم لا محالة، {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} ، أي: أنك تجدهم في حال دعائهم إلى تمني الموت أحرص الناس على حياة، وعطف هذه الآية على قوله تعالى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) } [البقرة:95] .

للإشارة إلى أن عدم تمنيهم الموت ليس على الوجه المعتاد عند البشر من كراهة الموت ما دام المرء بعافية، بل هم تجاوزوا ذلك إلى كونهم أحرص من سائر البشر على الحياة، {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} أي: حتى إنهم أحرص من جميع الناس حتى من الذين أشركوا، الذين لا يرجون بعثا ولا نشورا ولا نعيما فنعيمهم عندهم هو نعيم الدنيا، وفي هذا توبيخ وإيلام عظيم لهم، إذ أن المشركين لا يؤمنون ببعث ولا يعرفون إلا هذه الحياة، فحرصهم عليها ليس بالغريب، أما من يؤمن بكتاب ويقر بالجزاء فالأولى ألا يكون شديد الحرص عليها 49.

وقوله تعالى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} أي: يتمنى كل منهم أن يبقى على قيد الحياة ألف سنة أو أكثر، مع ما يعتري صاحب هذا العمر من سوء الحالة ورذالة العيش، لأنه يتوقع سخط الله وعقابه، فيرى أن الدنيا على ما فيها من الآلام والأكدار خير له مما يستيقن وقوعه في الآخرة، والعرب تضرب الألف مثلا للمبالغة في الكثرة، {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ} ، أي: وما بقاؤه فيها بمنجيه ولا بمبعده من العذاب المعد له، فإن العمر مهما طال فهو منته لا محالة، {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي: والله عليم بخفيات أعمالهم، وبجميع ما يصدر منهم وهو مجازيهم به، فطول العمر لا يخرجهم من قبضته، ولا ينجيهم من عقابه، فالمرجع إليه، والأمر كله بيديه 50.

قال الشنقيطي: «فاعلم أن الله قد أوضح هذا المعنى مبينا أن الإنسان لو متع ما متع من السنين، ثم انقضى ذلك المتاع وجاءه العذاب أن ذلك المتاع الفائت لا ينفعه، ولا يغني عنه شيئا بعد انقضائه وحلول العذاب محله، وذلك في قوله: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) } [الشعراء:205 - 207] .

وهذه هي أعظم آية في إزالة الداء العضال الذي هو طول الأمل، كفانا الله والمؤمنين شره» 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت