فهرس الكتاب

الصفحة 2268 من 2431

وأثنى سبحانه على الحافظين لها، فقال: {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35] .

«ولما كانت هذه الشهوة أغلب الشهوات على الإنسان، وأعصاها عند الهيجان على العقل» 78، ضمن النبي صلى الله عليه وسلم لمن حفظ فرجه الجنة، فروى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من توكل لي ما بين رجليه، وما بين لحييه، توكلت له بالجنة) 79. وأعظم الناس حفظًا لفروجهم هم المفلحون من عباد الله؛ لذلك وصفهم الله جل وعز به، فقال: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} وذكر من صفاتهم: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون: 5 - 7] .

ومفهوم الآية يتضمن أن من لم يحفظ فرجه لم يكن من المفلحين، وأنه من الملومين، ومن العادين. ففاته الفلاح، واستحق اسم العدوان، ووقع في اللوم. فمقاساة ألم الشهوة ومعاناتها أيسر من بعض ذلك 80، فكيف بجميعه.

وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنا، كما قال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المعارج: 29 - 30] .

وتارة يكون بحفظه من النظر إليه 81، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (احفظ عورتك، إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك) 82.

نفي مطلق الفلاح عن الحي المعين مهما بلغ في ظلمه وكفره، ومشاقته لله ورسوله صلى الله عليه وسلم حق لله وحده جل ثناؤه؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا هو سبحانه، وهو يعلم خاتمة كل أحدٍ، ورحمته وسعت كل من أقبل إليه بالإيمان.

ويدل لهذا المعنى حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه، ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله) ؟ فأنزل الله عز وجل: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] 83.

وبالتتبع والاستقراء لآيات الفلاح في القرآن الكريم يمكن حصر موانع الفلاح وأسباب حرمانه، وتصنيفها فيما يلي:

أولًا: الكفر والردة:

1.الكفر.

وقد جاء التصريح بعده من موانع الفلاح في موضعين من القرآن الكريم، في قوله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117] .

وقوله جل ثناؤه: {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [القصص: 82] .

وإنما كان الكفر من موانع الفلاح؛ لأنه أعظم ما ينافي الإيمان وتوحيد الله الذي من أجله خلق الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب. ولفظ الكفر في هاتين الآيتين يشمل شرك من يدعو مع الله إلهًا آخر، لا برهان له به، والتكذيب بالرسل عليهم السلام، وبما وعدوا من ثواب الآخرة كما هو شأن قارون، وهذا أعظم الكفر. ويشمل كذلك الكفران بنعمة الله وجحودها 84.

وقد بين الله تعالى في موطن آخر أن هذه الآلهة التي تعبد من دون الله هي من عمل الشيطان، وعلق سبحانه الفلاح والفوز على البعد عن هذه المعبودات واجتنابها، وصرف العبادة له وحده، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] .

2.الردة.

وهي الرجوع من الإسلام إلى الكفر 85، وجاء التصريح بنفي الفلاح عمن ارتد عن دينه في موضع واحدٍ، قال الله جل ثناؤه في قصة الفتية الذين آمنوا بالله، وفروا بدينهم: {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف: 20] . أي ولن تدركوا السعادة والفوز في الدنيا والآخرة إن عدتم إلى الكفر بعد إذ أنقذكم الله منه؛ لأن الكفر يحبط العمل ويوجب الخلود في النار، قال سبحانه: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217] .

ثانيًا: ارتكاب الكبائر:

الكبائر: جمع كبيرة، وهي كل ذنب ترتب عليه حدٌ في الدنيا، أو وعيدٌ في الآخرة 86. والتلبس بهذه الكبائر من أعظم الموانع التي تحرم العبد كمال الفلاح في الدنيا والآخرة، وفيما يلي ذكر لتلك الكبائر:

1.الخمر والميسر.

الخمر: كل مسكر خامر العقل وغطاه، من أي نوع كان. والميسر: كل المغالبات القولية أو الفعلية التي يكون فيها العوض من الطرفين 87. وقد علق الفلاح على اجتناب الخمر والميسر في قوله جل ثناؤه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] .

وإنما كانت الخمر والميسر مانعة من تحقق كمال الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة لما اشتملت عليه من الآثار السيئة والآثام الكبيرة.

قال تعالى: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219] .

ففيها فتح لأبواب الشر والفساد بوقوع العداوة والبغضاء، والفرقة والاختلاف، وربما آلت بأصحابها إلى القتل والنهب والعقوق والقطيعة، وهذا عنوان الشقاء، وفيهما أيضًا صدٌ عن سبل الفلاح، وعن أبواب الخير العظيمة، وهذا عنوان الحرمان والخيبة.

قال سبحانه: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} [المائدة: 91] .

2.الربا.

وهو الزيادة في أشياء مخصوصة، والزيادة على الدين مقابل الأجل 88، وهو من كبائر الذنوب التي تحول بين العبد وبين الفلاح.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 130] .

أي: واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، ومنه ترك الربا، كي تنجو من عقابه، وتظفروا بالخلود في جناته. وفيه إشارة إلى أن من لم يترك الربا لم يحصل له كمال الفلاح في الدنيا والآخرة. وإنما كان الربا من موانع كمال الفلاح؛ لأن المتعامل به فاته الاتباع والانقياد لأمر الله، وهذا أعظم خصال أهل الإيمان.

قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 278] .

وصاحب الربا على خطرٍ من شؤم مخالفته لأمر الله جل ثناؤه، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] .

فهو متوعد في الدنيا بنقص المال وذهاب بركته.

قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} [البقرة: 276] .

ومتوعد في الآخرة بحرمان نعيم الجنان ودخول النار.

قال جل وعز: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275] .

3.التعدي على أعراض الناس بالزنا والفجور.

الزنا من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] .

ومانع من موانع كمال الفلاح في الدنيا والآخرة، قال سبحانه في قصة يوسف عليه السلام: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23] .

وقوله تعالى: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} ، جملة تعليليةٌ، وهي التعليل الثاني الذي يعلل به يوسف عليه السلام سبب امتناعه عما تطلبه منه امرأة العزيز.

ونفي الفلاح عن الظالمين يعم كل ظالمٍ، وأولى من يدخل تحته في هذا السياق من قابل الإحسان بالإساءة، فخان من أحسن إليه، وتعدى على عرضه وشرفه. وسمي ذلك ظلمًا؛ لأنه فعل ما ليس له فعله، فتجاوز ما أحله الله إلى ما حرمه، ووضع الشيء في غير موضعه.

قال جل وعز: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229] .

وقال جل ثناؤه: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1] .

وإنما كان الزنا من موانع كمال الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة؛ لأنه بفعله لهذه الفاحشة قد تعدى حدود الله، وانتقص من إيمانه بقدر هذه المعصية، ولأن الله جل ثناؤه قد رتب على الزنا أنواع العقوبات الدنيوية والأخروية، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان: 68 - 69] .

وعقوبته مغلظة، فيقتل بأشنع القتلات، الرجم حتى الموت، أو الجلد بمشهدٍ من المؤمنين في موقف لا تأخذهم الرحمة له من إقامته عليه، قال سبحانه: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2] .

ثالثًا: الظلم، افتراء الكذب على الله، الاجرام:

1.الظلم.

وهو وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدولٍ عن وقته أو مكانه، والظالم هو الذي أزال الحق عن جهته وأخذ ما ليس له، ويطلق الظلم على كثير التجاوز وقليله 89.

وهو من أعظم موانع الفلاح في القرآن الكريم، وقد جاء التصريح به في أربعة مواضع:

ثلاثة منها أطلق فيها الظلم وأريد به الكفر بالله، وهو أعظم الظلم على الإطلاق. وذلك في قوله سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 21] .

وقوله: {قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 135] .

وقوله: {وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [القصص: 37] .

وأما الموطن الرابع فأطلق الظلم فيه وأريد به فاحشة الزنا، وذلك في قوله جل ثناؤه: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23] .

وتنوع المراد بالظلم في هذه الآيات؛ إيذانٌ بأن الفلاح المنفي عن الظالم تتفاوت درجته بتفاوت الظلم نفسه، فالكافر المتصف بأعظم أفراد الظلم ينفى عنه أصل الفلاح المقتضي للخلود في النار، والحرمان من دخول الجنة، بينما نفي الفلاح عن أفراد الظلم التي هي دون الكفر هو من باب نفي كمال الفلاح الدنيوي والأخروي.

وعموم نفي الفلاح عن الظالم سنة ربانية لا تتخلف ولا تتبدل أبدًا، فالظالم وإن تمتع في دنياه بما تمتع به، فنهايته فيه الاضمحلال والتلف 90، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته) 91.

2.افتراء الكذب على الله.

«الفري: قطع الجلد للخرز والإصلاح، والإفراء للإفساد، والافتراء فيهما معًا، وفي الإفساد أكثر، وكذلك استعمل في القرآن الكريم في الكذب والشرك والظلم» 92.

وافتراء الكذب على الله تعالى والتكذيب بآياته من أعظم صور الظلم؛ لذا قال سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 21] .

وقال: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] .

وقد جاء التصريح بعده من موانع الفلاح في موضعين اثنين من القرآن الكريم:

الأول: في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [يونس: 69] .

وافتراء الكذب على الله في الآية عامٌ يشمل جميع صوره، وأقربها من جهة السياق من اختلق على الله الكذب في نسبة الولد له سبحانه، وفي ادعاء الشريك والشفيع له.

والموضع الثاني: قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116] .

وافتراء الكذب على الله هو بتحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله، ثم نسبة ذلك إليه سبحانه.

وهذا كقوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103] .

وقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] .

والخطاب في هاتين الآيتين للكفار، والفلاح المنفي عنهم هو مطلق الفلاح الدنيوي والأخروي، والمقتضي للخلود في النار، والحرمان من دخول الجنة.

قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 68] .

وقد ذكر الله جل ثناؤه بعض وجوه نفي الفلاح الدنيوي عن المفترين الكذب عليه سبحانه، فهم متوعدون بالغضب والذلة.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف: 152] .

وهم أيضًا متوعدون بعذاب يستأصلهم، قال سبحانه: {قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} [طه: 61] .

ولما كان نفي الفلاح الدنيوي عن الذين يفترون على الله الكذب عامٌ، بين جل ثناؤه أن ما قد يحصل لبعضهم من صور التنعم الظاهر في الدنيا، هو متاعٌ قليلٌ على سبيل الاستدراج والإملاء 93، فقال جل وعز: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [يونس: 69 - 70] .

وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 116 - 117] .

ونظير هذه الآية قوله سبحانه: {وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} [لقمان: 23 - 24] .

2.الإجرام.

الجيم والراء والميم أصلٌ واحد بمعنى القطع، ومنه قولهم: جرم، أي كسب؛ لأن الشيء الذي يحوزه كأنه يقتطعه 94. ثم أطلق الفعل على كل اكتسابٍ مكروه، ولا يكاد يستعمل في الكسب المحمود 95.

وقد جاء عده من موانع الفلاح في موضع واحد، في قوله جل ثناؤه: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: 17] .

والمراد بالمجرمين هنا الكفار 96 الذين اكتسبوا الإثم بكفرهم بالله. ولفظ افتراء الكذب على الله والتكذيب بآياته في الآية عام، ومنه تحريف كلام الله ثم نسبته إليه سبحانه، وادعاء النبوة والوحي من الله 97، والتكذيب بآيات القرآن التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم.

وقوله سبحانه: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} تذييل للوعيد يتنزل منزلة التعليل، أي لا ينجح ولا يفوز بحاجته من اتصف بصفة الإجرام. وهذا النفي للفلاح يختلف بحسب حال الفاعل للإجرام، فإن كان كافرًا، قد اكتسب بكفره وتكذيبه الآثام كما في سياق هذه الآية، فالمراد بنفي الفلاح عنه؛ نفي أصله، وإن كان من اتصف بصفة الإجرام قد اكتسب من الذنوب واجترح من السيئات التي لم تبلغ درجة الكفر والتكذيب، فهو على خطر الوعيد، وحقيق بأن يدخل تحت هذا القدر من الآية، ويكون المراد بنفي الفلاح عنه نفي كماله.

رابعًا: السحر:

السحر في اللغة صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، ويطلق على كل ما لطف مأخذه ودق 98. والسحر أنواعٌ فمنه ما هو تخييل، ومنه ما له حقيقة وتأثير، وهو محرمٌ بالإجماع 99، وما كان منه من نوع السحر الحقيقي فهو من الكفر البين؛ لأنه لا يتحقق إلا بالوقوع في الشرك، كمعاونة الشياطين للساحر مقابل ما يقدمه لهم من طاعة وخضوع في مخالفة الشرع 100. والسحر من موانع تحقق الفلاح الدنيوي والأخروي، وقد جاء التصريح بذلك في موضعين من القرآن الكريم:

الأول: في قوله تعالى: {قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} [يونس: 77] .

وذلك في سياق الرد على فرعون وملئه المكذبين بما أوتي موسى عليه السلام من الآيات، والقائلين له: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ} [يونس: 76] .

{قَالَ مُوسَى} منكرًا عليهم: {أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا} وضمن ذلك معنى التكذيب والتوبيخ والتجهيل لقولهم 101، ثم لما نفى موسى عليه السلام عن آيات الله أن تكون سحرًا، ارتقى فأبان لهم فساد السحر نفسه، وسوء عاقبة معالجيه تحقيرًا لهم؛ لأنهم كانوا يعظمون شأنه، فقال: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} 102.

والموضع الثاني: في قوله سبحانه: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه: 69] .

أي: لا يظفر الساحر ولا يحصل له مقصوده بالسحر أينما كان، وقيل عدم فلاحه: بأن يقتل الساحر حيث وجد، وهو من التفسير باللازم 103.

ونفي الفلاح في هاتين الآيتين يعم نفي جميع أنواع الفلاح عن الساحر، وأكد سبحانه ذلك بالتعميم في كل الأمكنة بقوله: {حَيْثُ أَتَى} ، وذلك دليل على كفره؛ لأن الفلاح لا ينفى بالكلية نفيًا عامًا إلا عمن لا خير فيه، وهو الكافر 104.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت