فهرس الكتاب

الصفحة 1582 من 2431

وقد جاء بيان أن مسؤولية الرسل في مقام الرسالة مقتصر على البلاغ المبين في مقام التهديد والوعيد خطابًا للمرسل إليهم، كما جاء في مقام التسلية والتعزية والتخفيف خطابًا للرسل؛ فمما جاء خطابًا للمرسل إليهم قوله تعالى: (. مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ? وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) [المائدة: 99] .

قال أبو جعفر الطبري: وهذا من الله تعالى ذكره تهديد لعباده ووعيد، فمهمة الرسول أن يؤدي إليكم رسالتنا، والله المطلع على المطيع والعاصي؛ لأنه يعلم ما عمله العامل في الظاهر بجوارحه، وما أخفاه في نفسه من إيمان وكفر أو يقين وشك ونفاق 76.

ومن ذلك أيضًا قوله سبحانه: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ? فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى? رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) [التغابن: 12] .

وهذه الآية أيضًا في مقام التهديد والوعيد؛ فهو سبحانه يقول للناس: إن الرسول قد أعذر إليكم بالإبلاغ والله ولي الانتقام ممن عصاه وخالف أمره 77.

ومما جاء خطابًا للرسل قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ? فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى? رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُڑ) [النحل: 82] .

وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أن يخفف عن نفسه، ولا تذهب نفسه حسرات عليهم إن قابلوه بالإعراض وعدم الاستجابة، فيخبره سبحانه أنه ليس عليه من لوم ولا عذل إذ أدى ما عليه من بلاغ ما أرسل به بينًا واضحًا 78، ويقول له: فلا عليك منهم 79.

ومنه أيضًا قوله سبحانه: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ? إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ?) [الشورى: 48] .

وتعني: أن الله لم يرسلك رقيبًا تحفظ أعمالهم وتحصيها، فإن أعرضوا ولم يستجيبوا لك فدعهم، فما عليك إلا أن تبلغهم ما أرسلناك به إليهم، فإذا بلغتهم فقد أديت ما عليك 80.

فيظهر من ذلك كله أن مخاطبة المرسل إليهم عن انحصار مهمة الرسل في البلاغ المبين فحواه: التهديد والوعيد بأن خصمهم ليس هو الرسول وإنما من بعثه وهو الله سبحانه وليسوا بأهل لخصومته. ويظهر أن الغرض من مخاطبة المرسلين بذات الخطاب؛ وهو: التخفيف عنهم، وتسليتهم، وبيان لحدود واجبهم.

والرسل في مقام العبودية مخاطبون بفروع الشريعة كما هو شأن عامة المؤمنين، وبالتالي فهم مسؤولون عما أسند إلى عامة المؤمنين من مسؤوليات، فليس معنى اقتصار مسؤوليتهم على البلاغ أنهم غير مخاطبين بفروع الشريعة، بل إن الله سبحانه أمرهم بما أمر به المؤمنين، لكنها مسؤولية خاصة.

فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال:(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ? إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌھ) ، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك) 81.

ثانيًا: المؤمنون:

إن الله سبحانه كما يسأل الرسل فإنه يسأل المؤمنين، وقد ثبت في القرآن مسؤولية المؤمنين في غير ما آية.

قال سبحانه: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَ?كِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ? وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: 93] .

يأتي هذا الحديث في معرض وصايا للمؤمنين، حيث أمرهم الله سبحانه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغي، كما أمرهم بالوفاء بعهد الله ونهاهم عن نقض الأيمان بعد توكيدها، وغيرها. وهذا السياق يدل على أن المسؤولين هم المؤمنون. فالمؤمنون مسؤولون يوم القيامة.

وقال تعالى: (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ? وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا) [الأحزاب: 8] .

وجملة الأقوال في المقصود بالصادقين أربعة؛ منها: ليسأل الأفواه الصادقة عن القلوب المخلصة، فيشمل بذلك المؤمنين.

وقال سبحانه: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ? وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) [الزخرف: 44] .

رجح القرطبي أن يكون المقصود بالذكر هنا القرآن لانبناء الكلام عليه ورجوع المصير إليه.

وأشار الماوردي 82 إلى قولين في قوله تعالى (ولقومك) أحدهما: من اتبعك من أمتك، والثاني: لقومك من قريش.

والصحيح أنه شرف لمن عمل به، كان من قريش أو من غيرهم.

وقد وردت الأدلة المتكاثرة أنه لا فضل إلا بالتقوى، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين) 83.

فيكون المقصود بقومك المؤمنون، ويكون السؤال عن الشكر عن رفع القدر بهذا القرآن، أو تسألون على ما أوتيتم. وقوله تعالى: (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) أي: عن الشكر عليه؛ قاله مقاتل والفراء. وقال ابن جريج: أي: تسألون أنت ومن معك على ما أتاك. وقيل: تسألون عما عملتم فيه؛ والمعنى متقارب 84.

كذلك فقد ثبت في القرآن الكريم أن أمة الإجابة تشهد، ولا تكون الشهادة إلا إجابة عن سؤال.

قال تعالى: (وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ?) [البقرة: 143] .

وأمة الإجابة هم المؤمنون في الجملة.

ثالثًا: الكافرون:

إن سؤال الكافرين ثابت في القرآن في آيات كثيرة جدًا، وسؤال الله للكفار في القرآن كله توبيخ وتقريع 85.

ومن ذلك قوله تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ?22?مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى? صِرَاطِ الْجَحِيمِ ?23?وَقِفُوهُمْ ? إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ?24?مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ?25?) [الصافات: 22 - 25] .

وقوله سبحانه: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر: 92] .

وقال عز من قائل: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) [القصص: 62] .

وقال سبحانه: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ? وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَہ) [القصص: 65] .

وقال سبحانه: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَ?نِ إِنَاثًا ? أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ? سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [العنكبوت: 13] .

وقال سبحانه: (ے وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَ?نِ إِنَاثًا ? أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ? سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) [الزخرف: 19] .

وقال سبحانه: (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ ? تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَٹ) [النحل: 56] .

وقال سبحانه: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ?22?إِلَّا مَنْ تَوَلَّى? وَكَفَرَ ?23?فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ?24?إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ?25?ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ?26?) [الغاشية: 21 - 26] .

وقد يشكل على البعض سؤال الكافر بسبب بعض الآيات التي تشير إلى حجب الكفار وعدم سؤالهم وعدم تكليمهم، كما في قوله سبحانه: (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) [القصص: 78] .

وقوله عز من قائل: (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) [الرحمن: 39] .

وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَ?ئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [آل عمران: 77] .

وقوله سبحانه: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) [المطففين: 15] .

والذي يظهر أنهم مسؤولون لآية الحجر السابقة، ولقوله سبحانه: (وَقِفُوهُمْ ? إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) [الصافات: 24] .

وقوله تعالى: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ?25?ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ?26?) [الغاشية: 25 - 26] 86.

وقد جمع القرطبي توجيهات الجمع بين الآيات عند أهل العلم في وجهين؛ الوجه الأول: أن القيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن لا يكون ذلك فيه. وهو قول عكرمة؛ قال: القيامة مواطن، يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها. الوجه الثاني: وهو قول ابن عباس؛ قال: لا يسألهم سؤال استخبار واستعلام هل عملتم كذا وكذا، لأن الله عالم بكل شيء، ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ فيقول لهم: لم عصيتم القرآن وما حجتكم فيه؟ واعتمد قطرب هذا القول 87؛ فقال: السؤال ضربان، سؤال استعلام، وسؤال توبيخ، فقوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) يعني: استعلاما.

وقوله سبحانه: (لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) يعني: توبيخا وتقريعًا 88.

وقيل: لنسألنهم أجمعين يعني المؤمنين المكلفين، بيانه قوله تعالى: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر: 8] .

والقول بالعموم أولى كما ذكر 89.

ويحتمل في الحديث عن عدي بن حاتمٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم أحدٌ إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمانٌ، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرةٍ) 90 أن يكون المقصود المؤمنون، كما يحتمل أن يكون المقصود العموم.

رابعًا: المنافقون:

المنافقون هم آفة هذه الأمة، والنفاق في اللغة من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان الشر، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين:

أحدهما: النفاق الأكبر؛ وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهو النفاق الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار.

والثاني: النفاق الأصغر؛ وهو نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك 91.

وأصول هذا النوع ترجع إلى خمس خصال ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: (آية المنافق ثلاثٌ، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) 92.

وفي الحديث الآخر قال: (أربعٌ من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلةٌ منهن كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها إذا، اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) 93.

وهي: الكذب، إخلاف الوعد، الفجور في الخصومة، الغدر بالعهد، والخيانة في الأمانة 94.

خص ربنا سبحانه وتعالى المنافقين بالذكر في سورة كاملة بين فيها سبيل النجاة من سبيلهم، وعرف بهم في آيات كثيرة من القرآن.

قال سبحانه: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ? وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ?1?اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ? إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ?2?ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى? قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ?3?) [المنافقون: 1 - 3] .

فوصفهم سبحانه بالكذب، وبأن أيمانهم وحلفهم بأنهم منكم ادعاء يريدون به حماية أنفسهم وأموالهم وذراريهم 95، والإعراض والصد عن سبيل الله، وإضعاف المؤمنين من خلال التغلغل في نسيجهم.

قال سبحانه: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) [التوبة: 47] .

وقد دل القرآن الكريم على إمارات التعرف إليهم، والتي تظهر في أقوالهم وأفعالهم.

قال سبحانه: (وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ? وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ? وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) [محمد: 30] .

فوصف من أقوالهم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.

قال سبحانه: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ? يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ? نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ? إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [التوبة: 67] .

ووصف منها أيضًا: الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، ويروغون عن مسؤولية قولهم هذا بكونه مجرد خوض ولعب.

قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ? قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) [التوبة: 65] .

ووصف من أفعالهم التكاسل عن الصلاة، بل إنهم كانوا في عهد رسول الله يغيبون عن صلاتي العشاء والفجر من أجل أن العتمة تخفي الوجوه فلا يعرف الحاضر من الغائب.

قال سبحانه: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى? يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء: 142] .

ووصف كذلك من أفعالهم موالاة الكفار وأعداء الأمة المسلمة.

قال سبحانه: (? أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(14) ?) [المجادلة: 14] .

وبسبب سوء صنيعهم الذي يشكل معاول لهدم الصف المسلم، وهدم قيمه وثوابته، توعدهم الله سبحانه أشد الوعيد.

قال سبحانه: (ے ے بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ?138? ... ) [النساء: 138] .

وقال عز من قائل: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء: 145] .

وقال سبحانه: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ? هِيَ حَسْبُهُمْ ? وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ? وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) [التوبة: 68] .

وقد جمع القرآن بين صفاتهم وبيان أنهم سيسألون ويحاسبون، كما في قوله سبحانه: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ?12?وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ? وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ? إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ?13?وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ?14?وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ? وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ?15?) [الأحزاب: 12 - 15] .

والآيات جاءت في وصف أحداث غزوة الأحزاب حين حاصرت جموع المشركين المدينة، فزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وابتلي المؤمنون أشد البلاء، وأظهرت شدة البلاء ما في قلوب المنافقين من الغيظ، هنالك ادعى المنافقون أن وعد الله ورسوله بالنصر متخلف، وسعى فريق منهم للتخذيل، وفريق سعى للفرار والنأي بنفسه بادعاءات كاذبة وحجج واهية، وأخبر الله سبحانه أنهم لو دخلت عليهم جيوش المشركين التي يريدون قتالها من أطراف المدينة ثم سئلوا أن يكفروا لكفروا، يحملهم على ذلك: الخوف منهم، وخبث الفتنة التي هم عليها من النفا ق عليه. والفتنة هي الكفر، وهي التي يقول الله: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) [البقرة: 191] .

أي: الكفر. هذا مع كونهم كانوا عاهدوا الله من قبل ذلك، ألا يولوا عدوهم الأدبار إن لقوهم في مشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، فما أوفوا بعهدهم (وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولً) أي: فيسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه 96.

ومن عجيب أمر المنافقين أنهم عند السؤال والحساب يكذبون ويحلفون على الكذب كما كانوا يفعلون في الدنيا، قال سبحانه وتعالى عنهم: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ? وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى? شَيْءٍ ? أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [المجادلة: 18] .

فانظر إلى أقوالهم وأفعالهم، وانظر إلى وعد الله لهم بسؤالهم عن عهدهم معه، وانظر إلى جدالهم ربهم عند الحساب، وانظر إلى عاقبة أمر المنافقين، تعرف أن المنافقين من شر العباد.

ويلاحظ أن ذكر السؤال في حق المنافقين رغم سيء أفعالهم، وخبيث خصالهم لم يرد إلا في موضع سورة الأحزاب، وأن الموضع الذي ذكر فيه هو موضع الخيانة والخذلان والتخذيل، ويشير ذلك إلى أن شر المنافقين الأساسي، وضررهم الأكبر يتمثل في هذه الأعمال التي تستهدف تماسك الأمة وروحها المعنوية.

خامسًا: الولاة:

يخبر القرآن الكريم أن الولاية محل للسؤال، وأن الولاة مسؤولون مهما كانت درجة ولايتهم.

قال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى? أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ? إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ?58?) [النساء: 58] .

وقد رأى كثير من المفسرين أن هذه الآية خاصة بالأمراء، قال أبو جعفر الطبري: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي، قول من قال: هو خطاب من الله ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولوا أمره في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم، بالعدل بينهم في القضية، والقسم بينهم بالسوية. يدل على ذلك ما وعظ به الرعية في الآية التالية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ) [النساء: 59] .

فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الراعي بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة، وبمثل هذا القول قال زيد بن أسلم 97.

ورأت طائفة من المفسرين أن المقصود بها العموم.

قال ابن كثير: وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان، من حقوق الله عز وجل على عباده، من الصلوات والزكوات، والكفارات والنذور والصيام، وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك. فأمر الله عز وجل بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة 98.

ورأت طائفة ثالثة أن المقصود بها قضاء الدين، ورد حقوق الناس 99.

قال ابن العربي في قوله تعالى: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) : (قال ابن زيد: قال أبي: هم السلاطين، بدأ الله سبحانه بهم، فأمرهم بأداء الأمانة فيما لديهم من الفيء، وكل ما يدخل إلى بيت المال حتى يوصلوه إلى أربابه، وأمرهم بالحكم بين الناس بالعدل، وأمرنا بعد ذلك بطاعتهم، فقال:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ?) [النساء: 59] )، وأردف: (هذه الآية في أداء الأمانة والحكم عامة في الولاية والخلق، لأن كل مسلم عالم، بل كل مسلم حاكم ووال) 100.

فالقرآن هنا إذًا يشير إلى أن الأمانة عامة في كل أمر، وخص بالذكر منها الحكم بعد العموم تنويهًا بكونه أعلى الأمانات شأنًا، وأعظم التكاليف مسؤولية، فإن الولاية العامة تدخل في باب الأمانة باعتبارها رأس الأمانات والتي عليها قوام حياة الناس ومعاشهم، وصلاح دنياهم وأخراهم؛ وفي الحديث عن أبى ذرٍ قال: (قلت يا رسول الله ألا تستعملني قال فضرب بيده على منكبي ثم قال:(يا أبا ذرٍ إنك ضعيفٌ وإنها أمانةٌ وإنها يوم القيامة خزىٌ وندامةٌ إلا من أخذها بحقها وأدى الذى عليه فيها) 101.

والولاة مسؤولون على مختلف مواقعهم ومراتبهم ومسؤولياتهم، من كان منهم أمير الناس، ومن كان عبدًا عاملًا في مال سيده؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته، الإمام راعٍ ومسئولٌ عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسئولٌ عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسئولةٌ عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسئولٌ عن رعيته) ، قال: وحسبت أن قد قال والرجل راعٍ في مال أبيه ومسئولٌ عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسئولٌ عن رعيته) 102.

إلا أن أشد الناس مسؤولية الذي يكون على رأس الناس، وهو أمير العامة، ويتأكد عظم هذه المسؤولية بما توعد به ربنا سبحانه فقال: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى? فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ? إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص: 26] .

وبما حذر منه رسولنا صلى الله عليه وسلم الحاكم الظالم الجائر أو الغاش لرعيته، أو المحتجب دون خلتهم وحاجتهم؛ فقال: (ما من والٍ يلي رعيةً من المسلمين فيموت وهو غاشٌ لهم إلا حرم الله عليه الجنة) 103.

وقال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم) ، قال أبو معاوية: (ولا ينظر إليهم، ولهم عذابٌ أليمٌ، شيخٌ زانٍ، وملكٌ كذابٌ، وعائلٌ مستكبرٌ) 104.

والقرآن مع بيان مهام المسؤولين من الولاة، فإنه يوضح المزالق التي تسبب لهم الكبوات والنكبات لا سيما في ولاية العامة.

قال سبحانه: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 188] .

قيل: هي في ولي اليتيم، يرفع المال إلى الحاكم يريد أكل شيء منه بحكمه، فهي في الولاية الخاصة، وقيل معناها: لا تحاجوا عند الحكام فترفعوا إليهم حججكم وأنتم تعلمون أن هذه الأموال التي أخذتموها من الناس إنما أكلتموها واغتصبتموها، وأنكم آثمون فيها، فإن حكم الحاكم أو القاضي لا يحل حرامًا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا بشرٌ، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعضٍ، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلمٍ، فإنما هي قطعةٌ من النار فليأخذها أو فليتركها) 105.

وقيل: إن المعنى: لا تصانعوا بأموالكم الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها.

قال ابن عطية: وهذا القول يترجح؛ لأن الحكام مظنة الرشاء إلا من عصم وهو الأقل، وأيضا فإن اللفظين متناسبان: تدلوا من إرسال الدلو، والرشوة من الرشاء، كأنه يمد بها ليقضي الحاجة. ويقوي هذا عطف تدلوا على تأكلوا في موضع الجزم.

وفي مصحف أبي: (ولا تدلوا) بتكرار حرف النهي، وهذه القراءة تؤيد جزم تدلوا في قراءة الجماعة.

وقيل: (تدلوا) في موضع نصب على الظرف، والذي ينصب في مثل هذا عندسيبويه (أن) مضمرة، والهاء في قوله (بها) ترجع إلى الأموال، وعلى القول الأول إلى الحجة ولم يجر لها ذكر، فقوي القول الثاني لذكر الأموال، والله أعلم.

والرشوة معروفة، والرشوة بالضم مثله، والجمع رشى ورشى، وقد رشاه يرشوه، وارتشى: أخذ الرشوة، واسترشى في حكمه: طلب الرشوة عليه 106.

من جملة ما سبق يظهر أن الولاة المسؤولين هم: جميع من استرعي أو ائتمن على رعية أو مال قل ذلك أو كثر. وهم مع التخويف من إهمال مسؤولياتهم موعودون إن أدوها ورعوها حق رعايتها بالأجر العظيم والفضل الكبير؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المقسطين عند الله على منابر من نورٍ عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمينٌ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) 107.

ويعرف أخذ الأمانة بحقها، وأداء الذي على المرء فيها بالشرع، فإن الحكم بالعدل إنما يكون على وفق ما أنزل الله، لا أهواء الخلق.

قال سبحانه: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ? فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ? وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ?49?) [المائدة: 49] .

أولًا: الرسالة:

يسأل الله سبحانه وتعالى عن الرسالة من ناحيتين، والمقصد من سؤاله ليس الاستعلام ولكن ما يترتب عليه.

يسأل الله سبحانه وتعالى المرسلين عن الرسالة من ناحية تبليغها، وناحية الاستجابة لها.

قال تعالى: (. فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) [الأعراف: 6] .

فيسأل الرسل: هل بلغتم الرسالة؟، ويسأل الذين أرسل إليهم: هل بلغتكم الرسالة؟. والسؤال عن الرسالة لا يعني الاستفهام المفضي إلى العلم -كما سبق بيانه - فالله سبحانه وتعالى عالم بما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، ولا لمحاسبة الرسل عن تبليغهم الرسالة لعلمه أنهم صادقون، ولكن لتبكيت الكافرين 108، ولإقامة الحجة على المكذبين، بأن الرسل بلغوا ما عليهم من الرسالة بلاغًا مبينًا، إذ أن عدم البلاغ حجة لهم على ترك العمل.

كما قال تعالى: (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [القصص: 47] .

فيتحقق على الكافرين السؤال، ويحتاروا في الإجابة.

قال سبحانه: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ?65?فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ ?66?) [القصص: 65 - 66] .

وثبت هذا أيضًا في قوله سبحانه: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ? وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ?7?لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ? وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ?8?) [الأحزاب: 7 - 8] .

قال القرطبي: فيه أربعة أوجه:

أحدها: ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم، وفي هذا تنبيه، أي إذا كان الأنبياء يسألون فكيف من سواهم؟.

الثاني: ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم.

الثالث: ليسأل الأنبياء عليهم السلام عن الوفاء بالميثاق الذي أخذه عليهم.

الرابع: ليسأل الأفواه الصادقة عن القلوب المخلصة 109.

وقال الطبري: يقول تعالى ذكره: أخذنا من هؤلاء الأنبياء ميثاقهم كيما أسأل المرسلين عما أجابتهم به أممهم، ومافعل قومهم فيما أبلغوهم عن ربهم من الرسالة 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت