ذكرنا في المطالب السابقة قصص الطير مع بعض الأنبياء عليهم السلام، ومع ابني آدم عليه السلام، ومما لا شك فيه أن القصص في القرآن الكريم حقائق ووقائع ثابتة، ومن فوائدها أخذ الدروس والعبر، فمن الدروس والعبر من قصص الطير ما يأتي:
1.أن الطير جند من جنود الله تعالى.
قد يرسلها الله لإهلاك الظالمين المعتدين، كما حصل لأصحاب الفيل عندما أرادوا هدم الكعبة، فأرسل الله عليهم أضعف جنوده وهو الطير، قال تعالى: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) } [الفيل:3] .
أو قد تكون مسخرة لأنبياء الله عليهم السلام معجزة لهم وتصديقًا لرسالاتهم، ومن ذلك ما حكاه الله تعالى عن داود عليه السلام بقوله تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:79] .
وأخبر عن سليمان عليه السلام بقوله تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) } [النمل:17] .
2.تعلم الإنسان من غيره من المخلوقات، ولو كان ممن هو أدنى منه 103.
وهذا دليل على عجز الإنسان وضعفه مهما كانت قوته وسلطانه وجبروته وبطشه، ومن ذلك: قصة الغراب مع ابني آدم، حيث بعث الله خلقًا من مخلوقاته وهو الغراب ليظهر للإنسان ضعفه ويعلمه كيف يدفن أمواته 104.
قال جل وعلا: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} [المائدة:31] .
فشاءت حكمة الله أن تضع القاتل أمام عجزه، فبالرغم من جبروته وقتله لأخيه إلا أنه عاجز عن أن يواري سوأته، عاجز عن أن يكون كالغراب في أمة الطير 105، وكأن ربنا عزّ وجلّ يعلّمنا أيضًا الأدب وعدم الغرور 106.
ولذلك تحسر القاتل وتعجب وأظهر عجزه قائلًا: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة:31] .
فكأنه يتحسر على ما أصبح فيه، وأن الغراب أعقل منه، وأكثر منه خبرة، وكأنه لم يقلها إلا بعد أن مرّ بمعنى نفسيّ شديد قاسٍ على وجدانه 107، وكلّما كان المقرّع به أسفل كانت الموعظة في ذلك أبلغ 108، فالله هو الذي أودع فيه هذه الغريزة، ليعلم الإنسان وليأخذ منه العظات والعبر، وليكون وسيلة أيضًا لبيان أحكام شرعية تتعلق بحماية الإنسان في الأرض 109.
ومن ذلك أيضًا: قصة نبي الله سليمان عليه السلام مع الهدهد، حيث نجد الهدهد يقول لسيدنا سليمان: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل:22] .
هذا هو الهدهد، وهو المخلوق الأقل من سليمان عليه السلام يقول له: لقد عرفت ما لم تعرفه أنت، وكأن هذا القول قد جاء ليعلمنا حسن الأدب مع من هو دوننا، فهو يهب لمن دوننا ما يعلّمه لنا، وهكذا يتعلم الإنسان ممن هو دونه، وممن سخره الله له، وانظر كيف أبرز لنا الله أن الأدنى إن رأى خبرًا لا بد أن يبلغه للأعلى، فتتحقق سيولة المعلومات، التي يتخذ الأعلى على ضوئها القرار المناسب 110.
3.مكانة العلم وشرفه.
ويتجلى ذلك أيضًا من قصة الهدهد مع سليمان عليه السلام، فالهدهد مع أنه في نهاية الضعف، ومع أنه كان في موقف المعاتبة، حيث توعده سليمان عليه السلام لغيابه بدون علم، ولما كان ملكه مبنيًا على كمال العدل استثنى بقوله: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) } [النمل:21] .
فلولا أن العلم أشرف الأشياء، وإلا فمن أين للهدهد أن يتكلم في مجلس سليمان بمثل هذا الكلام: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل:22] .
ولذلك يرى الرجل الساقط إذا تعلم العلم صار نافذ القول عند السلاطين، وما ذاك إلا ببركة العلم 111.
4.الحيوانات تعرف ربها وتسبّحه وتوحّده.
وتحب المؤمنين وتدين لربها بذلك، وتبغض الكفار المكذبين، ويتجلى ذلك فيما حكاه الله عن الهدهد: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) } [النمل:22 - 26] .
ففي هذه المدة القصيرة جاء الهدهد بهذه المعلومات العظيمة، أخبر سليمان عن ملك الديار اليمانية، وأن ملكتهم امرأة، وأنها قد أعطيت من كل شيء يحتاج الملك إليه، وأن لها عرشًا عظيمًا، ومع فهمه لملكهم وقوتهم فهم أيضًا دينهم، وأنهم مشركون يعبدون الشمس، وأنكر الهدهد عليهم غاية الإنكار 112.
أشاد الله سبحانه وتعالى بالأمثال في محكم كتابه الكريم، مبينًا أنه اشتمل على كل مثل من الحق يحتاجه الناس، وأن السبيل قد استبان بتلك الأمثال، وما بقي على الناس إلا أن يتفكروا بها ويتذكروا.
قال جل وعلا: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54) } [الكهف:54] .
وقال تعالى في موضع آخر: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر:21] .
وقد بين جل وعلا أنه ضرب للناس أمثالهم التي يتعرفون بها على الهدى والضلال، والخير والشر، والحق والباطل، وما آل إليه أهلها من العواقب الحميدة، أو النهايات الوخيمة.
قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3) } [محمد:3] .
وقد ذكر الله الطير في المثل القرآني ليبين حال المشرك بالله في بعده عن الهدى وهلاكه، بالذي يهوي من السماء فتتخطفه الطير من كل جانب.
قال تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) } [الحج:31] .
قال الزجاج في هذه الآية: «وهذا مثل ضربه الله للكافر في بعده عن الحق، فأعلم اللّه أن بعد من أشرك به من الحق، كبعد من خرّ من السماء، فذهبت به الطير أو هوت به الريح في مكانٍ سحيق، أي: بعيدٍ» 113.
ولنستمع إلى ابن القيم وهو يصور لنا حال هذا المشرك الذي ارتكس في أوحال الوثنية، حيث قال رحمة الله في كلامه لبيان هذا المشهد في هذه الآية: فتأمل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله وتعلق بغيره، ويجوز لك في هذا التشبيه أمران:
أحدهما: أن تجعله تشبيها مركبًا، ويكون قد شبه من أشرك بالله برجل قد تسبب إلى هلاك نفسه هلاكًا لا يرجى معه نجاة، فحاله كحال من سقط من السماء فاختطفته الطير في الهواء ومزقته في حواصلها، أو عصفت به الريح فسقط في مكان عميق، وعلى هذا لا تنظر إلى كل فرد من أفراد المشبه ومقابله من المشبه به.
والثاني: أن يكون من التشبيه المفرق، فيقابل كل واحد من أجزاء الممثِّل بالممثَّل به، فيكون قد شبه التوحيد في علوه وشرفه بالسماء التي هي مصعده ومهبطه، فمنها هبط إلى الأرض، وإليها يصعد منها، وشبه تارك التوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين لما يجده من التضييق والشدة، وشبه الشياطين التي تؤزه وتتقاسم قلبه بالطير التي تتقاسم لحمه، وشبه هواه الذي ألقاه في التهلكة بالريح التي هوت به في مكان سحيق 114.
وقال السعدي في تفسير هذه الآية: « {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ} فمثله {فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ} أي: سقط منها {فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ} بسرعة {أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} أي: بعيد، كذلك المشرك، فالإيمان بمنزلة السماء، محفوظة مرفوعة، ومن ترك الإيمان، بمنزلة الساقط من السماء، عرضة للآفات والبليات، فإما أن تخطفه الطير فتقطعه أعضاء، كذلك المشرك إذا ترك الاعتصام بالإيمان تخطفته الشياطين من كل جانب، ومزقوه، وأذهبوا عليه دينه ودنياه» 115.
وذكر ابن عاشور أن الكافرين في هذه الآية قسمان: «قسم شركه ذبذبة وشك، فهذا مشبه بمن اختطفته الطير فلا يستولي طائر على مزعة منه إلا انتهبها منه آخر، فكذلك المذبذب متى لاح له خيال اتبعه وترك ما كان عليه، وقسم مصمم على الكفر مستقر فيه، فهو مشبه بمن ألقته الريح في واد سحيق، وهو إيماء إلى أن من المشركين من شركه لا يرجى منه خلاص كالذي تخطفته الطير، ومنهم من شركه قد يخلص منه بالتوبة، إلا أن توبته أمر بعيد عسير الحصول» 116.
والخلاصة في القول: إن الطير في هذا المثل شبهت بالشياطين التي تتخطف المشرك بالله من كل جانب، فتسلبه دينه ودنياه، فهو هالك لا محالة.
أخبر الله جل وعلا في محكم كتابه الكريم عن المكذبين لرسل الله ورسالاته المعرضين عن آياته، أنهم كانوا إذا أصابهم الخير والخصب والسعة في الأموال والأولاد، قالوا هذا من عند الله، أو نحن أحق بها، وإن أصابهم الفقر والمرض والجدب تطيروا وتشاءموا برسل الله وأنبيائه، ومن ذلك ماحكاه الله عن قوم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
قال جل وعلا: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} [النساء:78] .
وكانت العرب أكثر الناس طيرة، وكانت إذا أرادت سفرًا نفرت طائرًا، فإذا طار يمنة سارت وتيمنت، وإن طار شمالًا رجعت وتشاءمت 117، والتشاؤم دأب الكفرة من قبل، حيث كانوا يتطيرون ويتشاءمون بالأنبياء والرسل عليهم السلام، كما أخبر الله سبحانه وتعالى عن قوم صالح عليه السلام.
قال تعالى: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) } [النمل:47] .
قال الماتريدي في هذه الآية: «أي: تشاءمنا منك وبمن معك، ولم يزل الكفرة يقولون لرسل اللّه عليهم السلام ولمن آمن منهم: اطيرنا بكم، إذا أصابتهم الشدة والبلاء يتطيرون بهم ويتشاءمون، ويقولون: إنما أصابنا هذا بشؤمكم، وإذا أصابهم رخاء وسعة قالوا: هذا لنا بنا ومن أنفسنا، وهو ما قال موسى، حيث قال: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ} [الأعراف:131] .
وكذلك قال أهل مكة لرسول اللّه، حيث قال: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} [النساء:78] .
كانوا يتطيرون برسول اللّه ويتشاءمون بما يصيبهم من الشدة، وما ينزل بهم من البلاء، فأخبر اللّه رسوله، وأمره أن يقول لهم: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء:78] » 118.
قال أبو السعود: «فأمر النبيّ صلّى الله عليه وسلم بأن يردّ زعمهم الباطل ويرشدهم إلى الحق ويلقمهم الحجر ببيان إسناد الكلّ إليه تعالى على الإجمال؛ إذ لا يجترئون على معارضة أمر الله عزّ وجلّ حيث قال: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أي: كلّ واحدةٍ من النعمة والبلية من جهة الله تعالى خلقًا وإيجادًا من غير أن يكون لي مدخل في وقوع شيء منهما بوجهٍ من الوجوه كما تزعمون، بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلًا، ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلي بها عقوبةً» 119.
وسمى التشاؤم تَطَيُّرًا؛ لأنه من قبل كان من دأبهم أنهم إذا خرجوا مسافرين فمروا بطائر زجروه، أي: رموه بحجر ونحوه، فإن مرّ سانحًا بأن مر من ميامن الشخص إلى مياسره تيمنوا به، وإن مر بارحًا بأن مر من المياسر إلى الميامن تشاءموا منه 120.
وفي قوله تعالى: {قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ} قال البغوي: «أي ما يصيبكم من الخير والشر عند الله بأمره وهو مكتوب عليكم، سمي طائرًا لسرعة نزوله بالإنسان، فإنه لا شيء أسرع من قضاء محتوم، وقيل: طائركم، أي: عملكم عند الله، سمي طائرًا؛ لسرعة صعوده إلى السماء» 121.
ثم بين الله تعالى سبب نزول الشر عليهم حيث قال تعالى: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} .
قال الشوكاني في هذه الآية: «أي: تمتحنون، وتختبرون ... فأضرب عن ذكر الطائر إلى ما هو السبب الداعي إليه» 122.
وأخبر الله جل وعلا كذلك عن قوم فرعون، فقد تشاءموا بموسى عليه السلام ومن معه.
قال تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف:131] .
قال البغوي: « {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} ، جدب وبلاء ورأوا ما يكرهون، {يَطَّيَّرُوا} يتشاءموا، {بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} ، وقالوا: ما أصابنا بلاء حتى رأيناهم، فهذا من شؤم موسى وقومه» 123.
وهذا دليل على جهلهم وعنادهم.
قال أبو السعود: «وهذا كما ترى شاهدٌ بكمال قساوة قلوبهم، ونهاية جهلهم وغباوتهم، فإن الشدائد ترقّق القلوب، وتلين العرائك لا سيما بعد مشاهدة الآيات، وقد كانوا بحيث لم يؤثر فيهم شيءٌ منها، بل ازدادوا عتوًّا وعنادًا» 124.
فرد الله تعالى عليهم بقوله: {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} .
قال السعدي: «أي: بقضائه وقدرته، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك» 125.
ثم بين الله جل وعلا سبب تشاؤمهم بقوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ، وإسناد عدم العلم إلى أكثرهم؛ للإشعار بأن بعضهم يعلمون أن ما أصابهم من الخير والشرّ من جهة الله تعالى، أو يعلمون أن ما أصابهم من المصائب والبلايا ليس إلا بما كسبت أيديهم، ولكن لا يعلمون بمقتضاه عنادًا واستكبارًا 126.
وكذلك أخبر الله تعالى عن أصحاب القرية حيث تشاءموا كذلك برسلهم، قال جل شأنه: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) } [يس:18 - 19] .
قال النسفي: «تشاءمنا بكم، وذلك أنهم كرهوا دينهم، ونفرت منه نفوسهم، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه وقبلته طباعهم، ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم بلاء أو نعمة قالوا بشؤم هذا وبركة ذلك» 127، ودل هذا القول منهم على أنه قد نزل شيء من العذاب، والشدة حتى تشاءموا بهم ذلك، ولم يزل عادة الكفرة التطير بالرسل عند نزول البلاء بهم 128.
ولما ضاقت بهؤلاء المكذبين الحيل، وأعيتهم الحجج، لم يكتفوا بما قالوا، بل لجئوا إلى التهديد والوعيد {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
قال الطبري: لئن لم تنتهوا عما ذكرتم من أنكم أرسلتم إلينا بالبراءة من آلهتنا، والنهي عن عبادتنا لنرجمنكم، قيل: لنرجمنكم بالحجارة، قاله قتادة، وفي قوله تعالى: {وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} قال: ولينالنّكم منا عذاب موجع 129.
فأجاب الرسل عليهم دفعًا لما زعموه من التشاؤم بهم بقولهم: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} .
قال المراغي: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} أي قالوا لهم سبب شؤمكم من أفعالكم، لا من قبلنا كما تزعمون، فأنتم أشركتم بالله، وارتكبتم المعاصي، أما نحن فلا شؤم من قبلنا، فإنا لا ندعو إلا إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له، وفي ذلك منتهى اليمن والبركة، {أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} أي: أمن جرّاء أنا ذكرناكم، وأمرناكم بعبادة الله، تقابلوننا بمثل هذا الوعيد؟ بل أنتم قوم ديدنكم الإسراف ومجاوزة الحد في الطغيان، ومن ثم جاءكم الشؤم، ولا دخل لرسل الله في ذلك، فقد جعلتم أسباب السعادة أسبابًا للشقاء، ولا يخفى ما في ذلك من شديد التوبيخ، وعظيم التهديد والتنبيه إلى سوء صنيعهم بحرمانهم من الخيرات 130.
[انظر بحث التشاؤم: التشاؤم بالطيور]
الجنة هي الجزاء العظيم، والثواب الجزيل، الذي أعده الله لأوليائه وأهل طاعته، وهي نعيم كامل لا يشوبه نقص، ولا يعكر صفوه كدر، وما حدثنا الله تعالى به عنها، وما أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم يحير العقل ويذهله؛ لأن تصور عظمة ذلك النعيم يعجز العقل عن إدراكه واستيعابه.
يقول الله عز وجل: (أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) 131.
وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس من المآكل والمشارب.
قال تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [الزخرف:71] .
وقد أباح الله لهم أن يتناولوا من خيراتها وألوان طعامها ما يشتهون، ومن ذلك لحوم الطير.
قال تعالى: {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) } [الواقعة:21] .
قال الطبري: «من الطير الذي تشتهيه نفوسهم» 132.
والاشتهاء: مصدر اشتهى، وهو افتعال من الشهوة التي هي: محبة نيل شيء مرغوب فيه من محسوسات ومعنويات، وجعل الاشتهاء للحم الطير؛ لأنه أعلق بالطعام، فلذة كسر الشهية بالطعام لذة زائدة على لذة حسن طعمه 133.
قال الماتريدي: «إن أهل الجنة إنما يتناولون ما يتناولون على الشهوة، لا على الحاجة وسد الجوع، وهو كما ذكر جل وعلا: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [الزخرف:71] » 134.
فيطوف الغلمان على أهل الجنة بألوان من المطاعم المختلفة، فيختارون منها ما تميل إليه نفوسهم، وبأنواع من لحوم الطير مما لذّ وطاب، فيأخذون منها ما يشتهون، وفيه يرغبون 135.
وأما السعدي فيقول في تفسير هذه الآية: «أي: من كل صنف من الطيور يشتهونه، ومن أي جنس من لحمه أرادوا، وإن شاءوا مشويًّا، أو طبيخًا، أو غير ذلك» 136.
وذكر لحم الطير؛ لأن لحوم الطير أنعم اللحوم وألذها 137.
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم: أن في الجنة طيرًا أعناقها كأعناق الجزر، فقال عمر: إن هذه لناعمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكلتها أنعم منها 138.
والجزر: جمع جزور، وهو البعير 139.
موضوعات ذات صلة:
التشاؤم، الحشرات، الحيوان، الطيبات
1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 435 - 436.
2 لسان العرب، ابن منظور 4/ 508
3 المصدر السابق 4/ 508
4 العين،، الفراهيدي 7/ 447
5 انظر: مختار الصحاح، الرازي ص 194
6 المفردات، الراغب الاصفهاني ص 528
7 التحرير والتنوير، ابن عاشور 30/ 549
8 انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 433.
9 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 528.
10 انظر: لسان العرب، ابن منظور 1/ 369 - 370، الكليات، الكفوي ص 438، تاج العروس، الزبيدي 2/ 392.
11 انظر: التوقيف، المناوي ص 163، موسوعة الطير والحيوان في الحديث النبوي، عبد اللطيف عاشور ص 181.
12 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 26/ 97.
13 انظر: لسان العرب، ابن منظور 14/ 214.
14 انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد رواس ص 190.
15 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم، باب الآبار على الطرق إذا لم يتأذ منها، رقم 2466.
16 انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص 82.
17 انظر: التوقيف، المناوي ص 141.
18 انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 1/ 197.
19 تفسير السمرقندي 3/ 477.
20 الوسيط، الواحدي 4/ 330.
21 غرائب القرآن، النيسابوري 6/ 329.
22 انظر: تفسير القرآن، السمعاني 6/ 12.
23 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 877.
24 المصدر السابق ص 255.
25 الكشاف، الزمخشري 2/ 21.
26 لباب التأويل، الخازن 2/ 110.
27 انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 5/ 2491.