صنعوا أو تجاف عنهم ولا تتصد للانتقام منهم. والفاء لسببية ما قبلها لما بعدها، {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} يكفك شرهم، {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} عليهم، فسينتقم لك منهم 43.
ويتوالى التأكيد على عن هذه الفئة المنافقة في آية الخطاب فيها موجه لأهل الإيمان.
وذلك في قوله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) } [التوبة:95] .
فقوله: {فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ} ، يقول جل ثناؤه للمؤمنين: فدعوا تأنيبهم، وخلوهم وما اختاروا لأنفسهم من الكفر والنفاق 44.
قال الشوكاني: «وأمر المؤمنين ب عنهم المراد به: تركهم والمهاجرة لهم، لا الرضا عنهم والصفح عن ذنوبهم، كما تفيده جملة إنهم رجسٌ الواقعة علةً للأمر ب. والمعنى: أنهم في أنفسهم رجسٌ لكون جميع أعمالهم نجسةٌ، فكأنها قد صيرت ذواتهم رجسًا، أو أنهم ذوو رجسٍ، أي: ذوو أعمالٍ قبيحةٍ، ومثله إنما المشركون نجسٌ وهؤلاء لما كانوا هكذا كانوا غير متأهلين لقبول الإرشاد إلى الخير، والتحذير من الشر، فليس لهم إلا الترك.
وقوله ومأواهم جهنم من تمام التعليل فإن من كان من أهل النار لا يجدي فيه الدعاء إلى الخير» 45.
فقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ب عن الجاهلين، وعدم التبالي بأفعالهم وهذا من باب حسن العشرة مع الناس.
قال الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199] .
و «الجهل» هنا في الآية هو ضد الحلم والرشد، وهو أشهر إطلاق الجهل في كلام العرب قبل الإسلام، والمراد بالجاهلين السفهاء كلهم؛ لأن التعريف في كلمة {الْجَاهِلِينَ} للاستغراق، وأعظم الجهل هو الإشراك، إذ اتخاذ الحجر إلهًا سفاهةٌ لا تعدلها سفاهةٌ، ثم يشمل كل سفيه رأيٍ 46.
وقد أكد الله تعالى هذا الأمر أنه من صفات عباد الرحمن، فقال الله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) } [الفرقان:63] .
وكان هذا هو خلق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيسٍ، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولًا كانوا أو شبانًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجهٌ عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه.
قال ابن عباسٍ: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله، ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر، حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله 47.
وعن عبد الله بن الزبير قال: «أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس، أو كما قال» 48.
فقد أمر الله تعالى أن يقابل الجاهل ب عنه وعدم مقابلته بجهله، فمن آذاك بقوله أو فعله لا تؤذه، ومن حرمك لا تحرمه، ومن قطعك فصله، ومن ظلمك فاعدل فيه 49.