فهرس الكتاب

الصفحة 600 من 2431

العذاب

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس في مادة «عذب» : «العين والذال والباء أصل صحيح، لكن كلماته لا تكاد تقاس، ولا يمكن جمعها إلى شيء واحد، العذاب: يقال منه: عذب تعذيبًا، وناس يقولون: أصل العذاب الضرب، واحتجوا بقول زهير:

وخلفها سائق يحدو إذا خشيت نه العذاب تمد الصلب والعنقا

قال: ثم استعير ذلك في كل شدة» 1.

وقال ابن منظور: «والعذاب: النكال والعقوبة، يقال: عذبته تعذيبًا وعذابًا، وكسره الزجاج على أعذبة، فقال في قوله تعالى: {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30] ؛ قال أبو عبيدة: تعذب ثلاثة أعذبة؛ قال ابن سيده: فلا أدري، أهذا نص قول أبي عبيدة، أم الزجاج استعمله، وقد عذبه تعذيبًا، ولم يستعمل غير مزيد» 2.

وقال الفيروز آبادي: «والعذاب: النكال، أعذبة وقد عذبه تعذيبًا، وأصابه عذاب عذبين، كبلغين، أي: لا يرفع عنه العذاب» 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

العذاب: «هو ألمٌ جسديٌ أو نفسيٌ شديد» 4.

وقيل: «كل ما شق على النفس احتماله وآلمها» 5.

وقيل: «كل مؤلم للنفس إذا كان جزاء على سوء» 6.

بعد سرد أقوال علماء اللغة في معنى العذاب، نجد أن معنى العذاب في الاصطلاح لا يبتعد كثيرًا عن المعنى اللغوي، حيث يأتي العذاب بمعنى العقاب والنكال، وكل ما شق على النفس.

وردت مادة (عذب) الدالة على «العذاب» في القرآن الكريم (371) مرة 7.

والصيغ التي وردت عليها هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 4 ... {وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [التوبة:26]

الفعل المضارع ... 37 ... {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ} [العنكبوت:21]

اسم الفاعل ... 4 ... {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) } [الإسراء:15]

اسم المفعول ... 4 ... {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) } [الشعراء:213]

الاسم ... 322 ... {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} [البقرة:85]

ذكر بعض أصحاب الوجوه والنظائر أن (العذاب) في القرآن على تسعة أوجه 8، وأوصلها بعضهم إلى عشرة أوجه 9، ولكن بتدبر هذه الأوجه والرجوع إلى كتب التفسير نجد أن العذاب لم يخرج عن معناه اللغوي: وهو النكال والعقوبة 10، أو اسمٌ لما استمر ألمه 11.

قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ} [المؤمنون: 76] .

أي: «ولقد أخذنا هؤلاء المشركين بعذابنا، وأنزلنا بهم بأسنا وسخطنا، وضيقنا عليهم معايشهم، وأجدبنا بلادهم، وقتلنا سراتهم بالسيف» 12.

الألم:

الألم لغة:

أصل مادة (ألم) تدل على الوجع، يقال: وجع أليم 13.

الألم اصطلاحًا:

هو الوجع الذي يلحق بالجسد، وينتج عن عقاب، أو مرض وما شابه 14.

الصلة بين العذاب والألم:

«أن العذاب أخص من الألم، وذلك أن العذاب هو الألم المستمر، والألم يكون مستمرًا وغير مستمر، ألا ترى أن قرصة البعوض ألم وليس بعذاب، فإن استمر ذلك قلت عذبني البعوض الليلة، فكل عذاب ألم وليس كل ألم عذابًا 15.

العقاب:

العقاب لغة:

مادة (عقب) لها أصلان صحيحان: أحدهما: يدل على تأخير شيء وإتيانه بعد غيره. والآخر: يدل على ارتفاع وشدة وصعوبة 16.

العقاب اصطلاحًا:

العقاب: جزاء الشر 17، أو هو ما يلحق الإنسان بعد الذنب من المحنة 18.

الصلة بين العذاب والعقاب:

«أن العقاب ينبئ عن استحقاق، وسمي بذلك؛ لأن الفاعل يستحقه عقيب فعله، ويجوز أن يكون العذاب مستحقًا وغير متسحق 19.

التنكيل:

التنكيل لغة:

قال ابن منظور: «نكل به تنكيلًا إذا جعله نكالًا وعبرة لغيره، ويقال: نكلت بفلان إذا عاقبته في جرم أجرمه عقوبة تنكل غيره عن ارتكاب مثله، وأنكلت الرجل عن حاجته إنكالًا إذا دفعته عنها» 20

التنكيل اصطلاحًا:

هو العقاب بما يروع ويردع ويجعله عبرةً ودرسًا لغيره 21.

الصلة بين العذاب والتنكيل:

التنكيل هو جزء من العذاب، بل هو ناتج عن العذاب نفسه.

الجزاء:

الجزاء لغة:

المكافأة على الشيء 22.

الجزاء اصطلاحًا:

هو الغناء والكفاية والمكافأة بالشيء وما فيه الكفاية من المقابلة إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، ومنه قوله تعالى: {لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا} [لقمان: 33] 23.

الصلة بين الجزاء والعذاب:

الجزاء هو ما يناله الإنسان على عمله الشر من عذاب، فالعذاب ناتج عن الجزاء.

يمكن تقسيم العذاب إلى نوعين رئيسين:

أولًا: عذاب حسي:

ذكر القرآن الكريم صورًا من العذاب الحسي الذي لحق وسيلحق بالكفار والعصاة، ومن تلك الصور:

1.الغرق والطوفان.

الذين عذبوا بالغرق والطوفان كثر، أذكر بعضًا منهم على سبيل المثال لا الحصر:

1.قوم نوح.

فقوم نوح عليه السلام هم أول قوم من الأقوام ينزل بهم هذا النوع من العذاب.

قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى? قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) [العنكبوت:14] .

لقد مكث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله عز وجل، ولكنهم كذبوه، فأخذهم الطوفان، والحال أنهم كانوا مستمرين على الظلم والكفر، دون أن تؤثر فيهم مواعظ نبيهم ونذره، والطوفان: هو ما يطلق على كثرة وشدة السيل والريح والظلام، وقد غلب إطلاقه على طوفان الماء 24.

وقال تعالى: (مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا) [نوح:25] .

قال ابن كثير: «من كثرة ذنوبهم وعتوهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم أغرقوا فأدخلوا نارًا» 25

2.فرعون وجنوده.

قال تعالى: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ? فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) [القصص: 40] .

أي: فأخذنا فرعون وجنوده بالعقاب الأليم أخذًا سريعًا حاسمًا، فأغرقناه هو وجنوده في البحر فكانت عاقبتهم الإغراق الذي أزهق أرواحهم واستأصل باطلهم 26.

3.مملكة سبأ.

قال تعالى: {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} [سبأ: 16 - 17] .

والمعنى: فأعرض أهل سبأ عن شكرنا وطاعتنا، فكانت نتيجة ذلك، أن أرسلنا عليهم السيل الجارف، الذي اجتاح أراضيهم، فأفسد مزارعهم، وأجلاهم عن ديارهم، ومزقهم شر ممزق وبدلناهم بالجنان اليانعة التي كانوا يعيشون فيها، بساتين أخرى قد ذهبت ثمارها الطيبة اللذيذة، وحلت محلها ثمار مرة لا تؤكل، وتناثرت في أماكنهم الأشجار التي لا تسمن ولا تغنى من جوع، بدلا من تلك الأشجار التي كانت تحمل لهم ما لذ وطاب، وعظم نفعه 27.

2.الريح.

وهذا النوع من العذاب لحق بقوم عاد لما كفروا بربهم.

قال تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ} [فصلت:15 - 16] .

أي: فأرسلنا على قوم عاد ريحًا شديدة الهبوب والصوت، وشديدة البرودة أو الحرارة في أيام نحسات أو مشؤومات نكدات عليهم بسبب إصرارهم على كفرهم وفعلنا ذلك معهم لنذيقهم العذاب المخزي لهم في الحياة الدنيا 28.

وبنفس المعنى في قوله تعالى: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة:6] .

وقوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأحقاف:24] .

وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا رأى ريحًا كرهه وظهر ذلك في وجهه، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعًا ضاحكًا، حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم، قالت: وكان إذا رأى غيما أو ريحا، عرف ذلك في وجهه، فقالت: يا رسول الله أرى الناس، إذا رأوا الغيم فرحوا، رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية؟ قالت: فقال صلى الله عليه وسلم: يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [الأحقاف: 24] 29.

3.الحاصب 30.

الذين عذبوا بهذا النوع من العذاب:

1.قوم لوط.

قال تعالى: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ ? فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًاٹ) [العنكبوت:40] .

أي: فمن هؤلاء الكافرين من أهلكناه، بأن أرسلنا عليه ريحًا شديدة رمته بالحصباء فأهلكته 31.

قال القرطبي: «قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبا) يعنى: قوم لوط، والحاصب ريح يأتى بالحصباء، وهي الحصى الصغار، وتستعمل في كل عذاب 32.

وبنفس المعنى في قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ ? نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ) [القمر:34] .

2.أصحاب الفيل.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل:1 - 5] .

قوله تعالى: {تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} أي: من طين متحجر محرق، وعن عكرمة: كانت ترميهم بحجارة معها كالحمصة، فإذا أصاب أحدهم حجر منها، خرج به الجدري، وكان ذلك أول يوم رئي فيه الجدري بأرض العرب 33.

وهو الذي حذر الله المشركين منه، قال تعالى: {أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك:17] .

أي: بل أأمنتم- أيها الناس- من السماء، وهو الله عز وجل بسلطانه وقدرته، أن يرسل عليكم حاصبًا أى: ريحًا شديدة مصحوبة بالحصى والحجارة التي تهلك، فحينئذ ستعلمون عند معاينتكم للعذاب، كيف كان إنذاري لكم متحققًا وواقعًا وحقًا 34، وبهذا المعنى في قوله تعالى: {أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} [الإسراء:68] .

4.الجوع والعطش وضيق الأرزاق.

وهو ما عذب به قوم سبأ، قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل:112] .

أي: وجعل الله قرية موصوفة بهذه الصفات مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم بهذه النعم، فكان موقف أهل هذه القرية من تلك النعم الجليلة، أنهم جحدوا هذه النعم، ولم يقابلوها بالشكر، وإنما قابلوها بالإشراك بالله تعالى مسدي هذه النعم، فأذاق سبحانه أهلها لباس الجوع والخوف، بسبب ما كانوا يصنعونه من الكفر والجحود والعتو عن أمر الله ورسله 35.

وقال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41] .

قال ابن كثير: «بان النقص في الثمار والزروع بسبب المعاصي ليذيقهم بعض الذي عملوا» ، وقال: «يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات اختبارًا منه على صنيعهم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي: عن المعاصي» 36.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، قال: (أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:(يا معشر المهاجرين خمسٌ إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة، وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله، إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم) 37.

5.الخسف 38.

وهو العذاب الذي لحق بقارون لما بغى وأفسد في الأرض، قال تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ} [القصص:81] .

وقوله تعالى: {فَخَسَفْنَا} من الخسف وهو النزول في الأرض، يقال: خسف المكان خسفا- من باب ضرب- إذا غار في الأرض 39.

قال ابن كثير: «لما ذكر الله تعالى اختيال قارون في زينته، وفخره على قومه وبغيه عليهم، عقب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض، كما ثبت في الصحيح عند البخاري من حديث الزهري عن سالم أن أباه حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينما رجلٌ يجر إزاره من الخيلاء، خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة) 40» 41.

وهو أحد أنواع العذاب التي تكون في آخر الزمان كما في حديث عمران بن حصين حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (في هذه الأمة خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ) ، فقال رجلٌ من المسلمين: يا رسول الله، ومتى ذاك؟ قال: (إذا ظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور) 42.

وقد حذر الله العصاة من هذا العذاب، فقال: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} [النحل:45] .

وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [سبأ:9] .

ومن صور الخسف الزلازل التي تميد بالأرض فتخرب المدن بعد عمارها، وقد ذكر صلى الله عليه وسلم أن الزلازل تكثر بين يدي الساعة، قال صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل ... وتكثر الزلازل) 43.

قال ابن حجر: «وقد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من الزلازل، ولكن الذي يظهر أن المراد بكثرتها شمولها ودوامها» 44

6.المسخ.

المسخ: هو تحويل صورة إلى ما هو أقبح منها 45، أو هو كما قال الراغب الأصفهاني في مفرداته: «تشويه الخلق والخلق، وتحويلهما من صورة إلى صورة، قال بعض الحكماء: المسخ ضربان: مسخ خاص يحصل في الفينة بعد الفينة وهو مسخ الخَلْق، ومسخ قد يحصل في كل زمان ومكان، وهو مسخ الخُلُق؛ وذلك بأن يصير الإنسان متخلقًا بخلق ذميم من أخلاق بعض الحيوانات، نحو أن يصير في شدة الحرص كالكلب، وفي الشره كالخنزير» 46.

وقد عذب الله عز وجل بني إسرائيل بهذا النوع من العذاب عندما اعتدوا في السبت، قال تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة:65] .

يرى مجاهد أنهم لم تمسخ صورهم ولكن مسخت قلوبهم، أى: إنهم مسخوا مسخًا نفسيًا فصاروا كالقردة في شرورها وإفسادها لما تصل إليه أيديها، و لكن جمهور المفسرين على أنهم مسخوا على الحقيقة ثم ماتوا بعد ذلك بوقت قصير 47

وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحذر أهل الكتاب - إذا كذبوه وخالفوا أمره - أن يحل بهم ما حل بأسلافهم.

قال تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 60] .

وهذا النوع من العذاب الذي أحله الله بالسابقين؛ توعد الله به اللاحقين المخالفين من هذه الأمة، فقد أخرج البخاري رحمه الله عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري- والله ما كذبني- سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ليكونن من أمتي أقوامٌ، يستحلون الحر 48 والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوامٌ إلى جنب علمٍ، يروح عليهم بسارحةٍ لهم، يأتيهم - يعني: الفقير - لحاجةٍ فيقولون: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردةً وخنازير إلى يوم القيامة) 49.

وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا العذاب يكون في هذه الأمة، ووصف ذنب أولئك الممسوخين والذي بسببه يمسخهم الله، فقال صلى الله عليه وسلم: (سيكون في أمتي خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ) 50.

7.الصيحة 51.

وهي عذاب الله الذي عذب به قوم صالح، قال تعالى: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود:67] .

والصيحة هي كما قال القرطبي في تفسيرها: «صيح بهم فماتوا، وقيل: صاح بهم جبريل، وقيل: غيره، وقال أيضًا: كانت صيحة شديدة خلعت قلوبهم» 52.

والمعنى: وأخذ الذين ظلموا من قوم صالح عليه السلام عن طريق الصيحة الشديدة التي صيحت بهم بأمر الله عز وجل فأصبحوا بسببها في ديارهم جاثمين أي: هلكى صرعى، ساقطين على وجوههم، بدون حركة 53، وبهذا المعنى في قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} [القمر:31] .

وجاء في السنة ما يوضح ذلك، فعن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: (لا تسألوا الآيات؛ فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني: الناقة - ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، فأخذتهم الصيحة فأهمد الله من تحت السماء منهم إلا رجلًا واحدًا كان في حرم الله، قيل من هو؟ قال: أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه) 54.

8.القتل والصلب وتقطيع الأعضاء والنفي من الأرض.

قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة:33] .

والمعنى: إنما جزاء أي: عقاب الذين يحاربون الله ورسوله أي: يخالفونهما ويعصون أمرهما، ويعتدون على أوليائهما {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} أي: يعملون بسرعة ونشاط في الأرض لا من أجل الإصلاح وإنما من أجل الإفساد فيها عن طريق تهديد أمن الناس، والاعتداء على أموالهم وأنفسهم، جزاء هؤلاء {أَنْ يُقَتَّلُوا} والتقتيل هو القتل، إلا أنه ذكر بصيغة التضعيف لإفادة الشدة في القتل وعدم التهاون في إيقاعه عليهم، لكونه حق الشرع وللإشارة إلى الاستمرار في قتلهم ما داموا مستمرين في الجريمة فكلما كان منهم قتل قتلوا.

{أَوْ يُصَلَّبُوا} والتصليب: وضع الجاني الذي يراد قتله مشدودًا على مكان مرتفع بحيث يرى بعد القتل ليكون عبرة لغيره، وردعًا له عن ارتكاب المعاصي والجرائم، قالوا: ويكون الصلب لمدة ثلاثة أيام وقيل: لمدة يوم واحد. وجيء هنا أيضًا بصيغة التضعيف لإفادة التشديد في تنفيذ هذه العقوبة وإثبات أنه لا هوادة فيها.

{أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} أي: تقطع مختلفة، فلا تكون اليد والرجل المقطوعتان من جانب واحد بل تكونان من جانبين مختلفين.

{أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} أي: يطردوا من الأرض التي اتفقوا فيها على الإجرام إلى أرض أخرى ليتشتت شملهم، ويتفرق جمعهم، مع مراقبتهم والتضييق عليهم. وفسر بعضهم النفي بالحبس في السجون، لأن فيه إبعادا لهم وتفريقا لجمعهم 55.

ثانيًا: العذاب المعنوي:

وقد ذكر القرآن الكريم صورًا من العذاب المعنوي، والتي منها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت