فهرس الكتاب

الصفحة 551 من 2431

بينت الآية أن الأنبياء يبلغون رسالات الله تعالى إلى خلقه ويؤدونها بأمانتها، {وَيَخْشَوْنَهُ} ، أي: يخافونه ولا يخافون أحدًا سواه فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله، وقوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} ، أي: الله حسيب الأنبياء ومعينهم وناصرهم لا غيره، هذا هو الوجه في سياق تفسير هذه الآيات، فلا تسلك في معنى الآية مسلكًا يفضي بك إلى توهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حصلت منه خشية الناس وأن الله عرض به في قوله: {وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} ، تصريحًا بعد أن عرض به تلميحًا في قوله تعالى: {وَتَخْشَى النَّاسَ} [الأحزاب:37] .

بل النبي عليه الصلاة والسلام لم يكترث بهم وأقدم على تزوج زينب، فكل ذلك قبل نزول هذه الآيات التي ما نزلت إلا بعد تزوج زينب كما هو صريح قوله سبحانه: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب:37] ، ولم يتأخر إلى نزول هذه الآية 26.

قال الألوسي: عند تفسير قوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب:39] «أي: كافيًا للمخاوف، أو محاسبًا على الكبائر والصغائر من أفعال القلب والجوارح فلا ينبغي أن يخشى غيره، والإظهار في مقام الإضمار لما في هذا الاسم الجليل ما ليس في الضمير، واستدل بالآية على عدم جواز التقية على الأنبياء عليهم السّلام مطلقًا، وخص ذلك بعض الشيعة في تبليغ الرسالة وجعلوا ما وقع منه صلى الله عليه وسلم في هذه القصة المشار إليه بقوله تعالى: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب:37] .

بناء على أن الخشية فيه بمعنى الخوف لا على أن المراد الاستحياء من قول الناس تزوج زوجة ابنه كما قاله ابن فورك من التقية الجائزة حيث لم تكن في تبليغ الرسالة، ولا فرق عندهم بين خوف المقالة القبيحة وإساءة الظن وبين خوف المضار في أن كلًّا يبيح التقية فيما لا يتعلق بالتبليغ، ولهم في التقية كلام طويل وهي لأغراضهم ظل ظليل، والمتتبع لكتب الفرق يعرف أن قد وقع فيها إفراط وتفريط وصواب وتخليط وإن أهل السنّة والجماعة قد سلكوا فيها الطريق الوسط وهو الطريق الأسلم الأمين سالكه من الخطأ والغلط، أما الإفراط فللشيعة حيث جوزوا بل أوجبوا على ما حكي عنهم إظهار الكفر لأدنى مخافة أو طمع، وأما التفريط فللخوارج والزيدية حيث لا يجوزون في مقابلة الدين مراعاة العرض وحفظ النفس والمال أصلًا، وللخوارج تشديدات عجيبة في هذا الباب، ومذهب أهل السنّة أن التقية وهي محافظة النفس أو العرض أو المال من نحو الأعداء بإظهار محظور ديني مشروعة في الجملة.

وقسموا العدو إلى قسمين:

الأول: من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالمسلم والكافر ويلحق به من كانت عداوته لاختلاف المذهب اختلافًا يجر إلى تكفير أصحاب أحد المذهبين أصحاب المذهب الآخر كأهل السنّة والشيعة.

والثاني: من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمرأة.

وعلى هذا تكون التقية أيضًا قسمين:

أما الأول: فالتقية ممن كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين حقيقة أو حكمًا، وقد ذكروا في ذلك أن من يدعي الإيمان إذا وقع في محل لا يمكن أن يظهر دينه وما هو عليه لتعرض المخالفين وجب عليه أن يهاجر إلى محل يقدر فيه على الإظهار، ولا يجوز له أن يسكن هنالك ويكتم دينه بعذر الاستضعاف، فأرض الله تعالى واسعة.

نعم إن كان له عذر غير ذلك؛ كالعمى والحبس وتخويف المخالف له بقتله أو قتل ولده أو أبيه أو أمه على أي وجه كان القتل تخويفًا يظن معه وقوع ما خُوِّف به، جاز له السكنى والموافقة بقدر الضرورة، ووجب عليه السعي في الحيلة للخروج، وإن لم يكن التخويف كذلك؛ كالتخويف بفوات المنفعة، أو بلحوق المشقة التي يمكنه تحملها؛ كالحبس مع القوت والضرب القليل غير المهلك، لا يجوز له الموافقة وإن ترتب على ذلك موته كان شهيدًا.

وأما الثاني: فالتقية ممن كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية، وقد اختلف العلماء في وجوب الهجرة وعدمه فيه، فقال بعضهم: تجب الهجرة لوجوب حفظ المال والعرض، وقال جمع: لا تجب إذ الهجرة عن ذلك المقام مصلحة من المصالح الدنيوية ولا يعود بتركها نقصان في الدين إذ العدو المؤمن كيفما كان لا يتعرض لعدوه الضعيف المؤمن مثله بالسوء من حيث هو مؤمن» 27.

ذكر القرآن الكريم أنواع الحساب في الدنيا والآخرة ونوضح ذلك في المطلبين الآتيين:

أولًا: الحساب في الدنيا:

أخبر القرآن الكريم عن الحساب في الدنيا.

قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) } [الطلاق:8 - 9] .

بينت الآية أن كثيرًا من أهل القرى خالفوا أمر ربهم، فكذبوا الرسل الذين أرسلوا إليهم ولجُّوا في طغيانهم يعمهون، فحاسبهم الله تعالى حسابًا عسيرًا، {وَكَأَيِّنْ} : بمعنى «كم» الخبرية التي تفيد التكثير، أي: وكم من القرى التي عتت عن أمر ربها ورسله، فحاسبها الله حسابًا شديدًا، وعذبها عذابًا نكرًا؟ والمقصود من إفادة التكثير هنا تحقيق أن العذاب الذي نال أهل تلك القرى شيء ملازم لجزائهم على عتوهم عن أمر ربهم ورسله، فلا يتوهم متوهم أن ذلك مصادفة في بعض القرى وأنها غير مطردة في جميعهم، والمراد بالقرية: أهلها، وإنما أوثر لفظ القرية هنا دون الأمة ونحوها؛ لأن في اجتلاب هذا اللفظ تعريضًا بالمشركين من أهل مكة ومشايعة لهم بالنذارة، وفيه تذكير للمسلمين بوعد الله بنصرهم ومحق عدوهم، والعتو ويقال العتي: تجاوز الحد في الاستكبار والعناد، ثم بين أن هذا جزاء ما كسبت أيديهم، فقال سبحانه: {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) } [الطلاق:9] .

أي: فجنت ثمار ما غرست أيديها ولا يجنى من الشر إلا الشر، فكان عاقبة أمرها الخسران والنكال الذي لا يقدر قدره، ثم أكد هذا الوعيد بقوله جلّ وعلا: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} [الطلاق:10] .

أي: هيأ الله لهم العذاب المرتقب، لتماديهم في طغيانهم وإعراضهم عن اتباع الرسل فيما جاءوا به من عند ربهم، وقد جاء تفصيل هذا العذاب في قوله تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) } [العنكبوت:40] .

وقوله جلّ جلاله: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) } [هود:102] .

ثم قال بعد ما قص من خبر هؤلاء: {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [الطلاق:10] .

أي: الأفهام المستقيمة، لا تكونوا مثلهم فيصيبكم ما أصابهم يا أولي الألباب، {الَّذِينَ آمَنُوا} [الطلاق:10] .

أي: صدقوا بالله ورسله، {قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا} [الطلاق:10] .

يعني: القرآن، كقوله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) } [الحجر:9] 28.

وقد ثبت من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) } [هود:102] 29.

ثانيًا: الحساب في الآخرة:

أخبر القرآن الكريم عن الحساب في الآخرة.

قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) } [الطلاق:8 - 9] .

يخبر القرآن الكريم أن كثيرًا من أهل القرى خالفوا أمر ربهم، فكذبوا الرسل الذين أرسلوا إليهم ولّجوا في طغيانهم يعمهون، فحاسبناهم حسابًا عسيرًا، فاستقصينا عليهم ذنوبهم، وناقشناهم على النقير والقطمير، وعذبناهم عذابًا نكرًا في الآخرة، وعبر بالماضي عن المستقبل دلالة على التحقق كما في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا} [الكهف:99] .

وقوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) } [الأعراف:44] .

ونحو ذلك، لأنّ المنتظر من وعد الله ووعيده ملقى في الحقيقة، وما هو كائن فكأن قد، ثم بين أن هذا جزاء ما كسبت أيديهم فقال تعالى: {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) } [الطلاق:9] .

أي: فجنت ثمار ما غرست أيديها، فكان عاقبة أمرها الخسران والنكال الذي لا يقدر قدره، ثم أكد هذا الوعيد بقوله سبحانه: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} [الطلاق:10] .

أي: هيأ الله لهم العذاب المرتقب، لتماديهم في طغيانهم وإعراضهم عن اتباع الرسل فيما جاءوا به من عند ربهم 30.

ووصف الله تعالى الحساب في الآخرة.

قال جلّ وعلا: {وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (54) هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) } [ص:48 - 58] .

يخبر تعالى عن عباده المؤمنين السعداء أن لهم في الدار الآخرة {لَحُسْنَ مَآبٍ} [ص:49] .

وهو: المرجع والمنقلب، ثم فسره بقوله سبحانه: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} [ص:50] .

أي: جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب، والألف واللام هنا بمعنى الإضافة كأنه يقول: «مفتحة لهم أبوابها» أي: إذا جاءوها فتحت لهم أبوابها، وقوله جلّ وعلا: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا} [ص:51] في الجنات على الفرش، {يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ} [ص:51] أي: مهما طلبوا وجدوا وحضر كما أرادوا، {وَشَرَابٍ} أي: من أي أنواعه شاءوا أتتهم به الخدام، كما قال تعالى: {بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) } [الواقعة:18] .

{وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ} [ص:52] أي: عن غير أزواجهن فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن {أَتْرَابٌ} ، أي: متساويات في السن والعمر، {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ} [ص:53] أي: هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة التي وعدها لعباده المتقين التي يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار.

ثم أخبر عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا انقضاء ولا زوال ولا انتهاء فقال: {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ} [ص:54] ، كقوله تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل:96] .

وقوله سبحانه: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود:108] .

وقوله جلّ جلاله: {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [فصلت:8] أي: غير مقطوع.

وقوله جلّ في علاه: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} [الرعد:35] .

والآيات في هذا كثيرة جدًّا.

ولما ذكر تعالى مآل السعداء ثنى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم فقال: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ} [ص:55] .

وهم: الخارجون عن طاعة الله المخالفون لرسل الله، {لَشَرَّ مَآبٍ} [ص:55] أي: لسوء منقلب ومرجع.

ثم فسره بقوله تعالى: {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} [ص:56] أي: يحترقون فيها ويقاسون حرّها، {هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} [ص:57] .

أما الحميم فهو: الحار الذي قد انتهى حره، وأما الغساق فهو: ضده، وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم.

ولهذا قال سبحانه: {وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} [ص:58] أي: وأشياء من هذا القبيل، الشيء وضده يعاقبون بها، وقيل: الغساق: السيال، ويشمل ما يسيل من أجساد أهل النار من الصديد 31.

وقد بينت الآيات أن الله عز وجل يحاسب عباده يوم القيامة ويسألهم عن أعمالهم.

قال تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) } [المائدة:109] .

وقال سبحانه: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) } [النساء:41] .

وقال جلّ وعلا: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) } [الأعراف:6] .

وقال جلّ جلاله: {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) } [الشعراء:113] .

ووصف الله تعالى الحساب في الآخرة بأنه يسير على المؤمنين عسير على الكافرين وسوف نوضح ذلك في المبحث التالي.

تظهر أوصاف الحساب من خلال ما يلي:

أولًا: الحساب السريع:

ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى سريع الحساب.

قال تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) } [البقرة:202] .

وقال سبحانه: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) } [الأنعام:62] .

وقال جلّ وعلا: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) } [غافر:17] .

بينت الآيات أن الملك والحكم يوم القيامة لله وحده وأنّ كل نفس تجزى ما كسبت وأن الله تعالى لا يظلم؛ لأن الله ليس بظلام للعبيد، وأن الحساب لا يبطئ، وأن الله سريع الحساب؛ لأن الله لا يشغله حساب عن حساب، فيحاسب الخلق كله في وقت واحد وهو أسرع الحاسبين، وإنما وصف جل ثناؤه نفسه بسرعة الحساب، لأنه جل ذكره يحصي ما يحصى من أعمال عباده بغير عقد أصابع، ولا فكرٍ ولا روية، فعل العجزة الضّعفة من الخلق، ولكنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة فيهما، ثم هو مجازٍ عباده على كل ذلك، فلذلك امتدح نفسه جل ذكره بسرعة الحساب، وأخبر خلقه أنه ليس لهم بمثل، فيحتاج في حسابه إلى عقد كف أو وعي صدر، ولذكر السرعة هنا وقعه في القلب البشري، فهو ليس متروكًا ولو إلى مهلة في الحساب! وتصور المسلم للأمر على هذا النحو الذي توحي به أصول عقيدته في الحياة والموت والبعث والحساب، كفيل بأن ينزع كل تردد في إفراد الله سبحانه بالحكم- في هذه الأرض- في أمر العباد، وفي هذه الآيات إظهار قدرة الله تعالى بسرعة الحساب ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه 32.

وقوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام:62] .

جملة تذييل ولذلك ابتدئ بأداة الاستفتاح المؤذنة بالتنبيه إلى أهمية الخبر، وقدم المجرور في قوله له الحكم للاختصاص، أي له لا لغيره، وهذا يتضمن وعدًا ووعيدًا لأنه لما أتى بحرف المهلة في الجمل المتقدمة وكان المخاطبون فريقين: فريق صالح وفريق كافر، وذكر أنهم إليه يرجعون كان المقام مقام طماعية ومخالفة فالصالحون لا يحبون المهلة والكافرون بعكس حالهم، فعجلت المسرة للصالحين والمساءة للمشركين بقوله تعالى: {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام:62] 33.

قال الشعراوي: «وعندما نقرأ: {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة:202] .

فلنفهم أن السرعة هي أن يقل الزمن عن الحدث، فبدلًا من أن يأخذ الحدث منك ساعة، وقد تنهيه في نصف ساعة، وكل حدث له زمن، والحدث حين يكون له زمن وتريد أن تقلل زمن الحدث فلابد أن تسرع فيه حتى تنجزه في أقل وقت، وتقليل الزمن يقتضي سرعة الحركة في الفعل، وذلك في الأفعال العلاجية التي تحتاج معالجة، وعملًا من الإنسان، لكن سبحانه يفعل بـ «كن» ولا يحتاج عمله إلى علاج، وبالتالي لا يحتاج إلى زمن، إذن فهو سريع الحساب؛ لأنه لا يحتاج إلى زمن، ولأنه لا يشغله شأن عن شأن، وهذا هو الفرق بين قدرة الواحد سبحانه وقدرة الحادث؛ لأن الحادث عندما يؤدي عملًا، فهذا العمل يشغله عن غيره من الأعمال، فلا يستطيع أن يؤدي عمليتين في وقت واحد، لكن الواحد الأحد لا يشغله فعل عن فعل، وبالتالي يفعل ما يريد وقتما يريد ولكل من يريد» 34.

ثانيًا: الحساب اليسير:

يخبر القرآن الكريم أن من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا.

قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) } [الانشقاق:7 - 12] .

بينت الآية أن الله تعالى سوف يحاسب أصحاب اليمين حسابًا يسيرًا، والحساب اليسير هو أن تعرض عليه أعماله، فيعرف بالطاعة، والمعصية ثم يثاب على الطاعة، ويتجاوز له عن المعصية، فهذا هو الحساب اليسير؛ لأنه لا شدة فيه على صاحبه، ولا مناقشة، ولا يقال له: لم فعلت هذا ولا يطالب بالعذر فيه، ولا الحجة عليه فإنه متى طولب بذلك لم يجد عذرًا، ولا حجة فيفتضح، وعن ابن أبي مليكة أن عائشة رضي الله عنها كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حوسب عذب) ، قالت عائشة: فقلت، أو ليس يقول الله عز وجل: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) } [الانشقاق:8] ، قالت: فقال: (إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب عذب) 35.

{وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ} ، يعني: في الجنة من الحور العين والآدميات، {مَسْرُورًا} ، أي: بما أوتي من الخير والكرامة، وقوله تعالى: {وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} ، تمثيل لحال المحاسب حسابًا يسيرًا في المسرة والفوز والنجاة بعد العمل الصالح في الدنيا، بحال المسافر لتجارة حين يرجع إلى أهله سالمًا رابحًا لما في الهيئة المشبه بها من وفرة المسرة بالفوز والربح والسلامة ولقاء الأهل وكلهم في مسرة، فذلك وجه الشبه بين الهيأتين وهو السرور المألوف للمخاطبين فالكلام استعارة تمثيلية، وليس المراد رجوعه إلى منزله في الجنة؛ لأنه لم يكن فيه من قبل حتى يقال لمصيره إليه انقلاب، ولأنه قد لا يكون له أهل، وهو أيضًا كناية عن طول الراحة؛ لأن المسافر إذا رجع إلى أهله فارق المتاعب 36.

ثالثًا: الحساب العسير:

بعد أن ذكر الله تعالى أن المؤمن يحاسب يوم القيامة حسابًا يسيرًا أعقبه بذكر أن الكافر يحاسب حسابًا عسيرًا.

فقال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15) } [الانشقاق:10 - 15] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت