فأهل النفاق مطالبون بالاتعاظ مما أصاب الذين ذكرتهم الآية وأتتهم الرسل بالبينات، فردوها كفرًا وظلمًا؛ فكان الغضب الإلهي، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. وسياق الآية وإن كان يتحدث عن المنافقين، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالمنافقون وغيرهم في كل زمان عليهم الاعتبار.
ولم يكن الظلم وحده سببًا في الهلاك، بل والتكذيب بآيات الله ورسله أيضًا والذي حذر منه القرآن الكريم. وأمر الله تعالى بالسير في الأرض للاعتبار بمن أصابهم سخط الله وغضبه بسبب تكذيبهم الرسل، فقال سبحانه: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [الأنعام: 11] .
وكل موضع أمر فيه بالسير في الأرض، فإنه يدل على الاعتبار والحذر، أن يحل بالمخاطبين من أفعال الله مثل ما حل بالسابقين 132 وسمى القرطبي السير في الأرض: «سفر العبرة» 133.
وسورة الشعراء جاءت آيتها السادسة تهديدًا لمن كذب الرسول صلى الله عليه وسلم قريش، (فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الشعراء: 6] .
ومن ثم ذكرت تكذيب الأقوام لرسلها فيما بعد 134، فأهلكهم الله بهذا التكذيب.
ويقول الله عز وجل عن عادة آل فرعون والذين من قبلهم في التكذيب بآيات الله وإهلاكهم بسبب ذلك: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ? وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ? كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ? وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ) [الأنفال: 54] .
ولما تشابه حال قريش، بحال آل فرعون والذين من قبلهم في التكذيب والكفر، كان تغيير حالهم جميعًا بالعذاب؛ فهم غيروا أوامر الله وشرعه، فغير الله حالهم؛ جزاءً وفاقًا لجنس عملهم. فعلى كل من يريد النجاة مما حصل للقرون السالفة عليه أن يتقي الله تعالى ويكون مع الصادقين، وألا يكون كآل فرعون والذين من قبلهم في التكذيب.
ومن أسباب الهلاك التي حذرنا القرآن منها: الترف والبطر، يقول الله سبحانه: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) [الإسراء: 16] .
أي: أمرنا المترفين بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله واتباعهم، فخرجوا عن طاعة ربهم وعصوا أمره، فوجب عليهم عذاب الاستئصال. وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم 135.
وجاءت الآية التي تلي السابقة محذرة مما أصاب القرون الأولى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ? وَكَفَى? بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) [الإسراء: 17] .
والله تعالى لا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم من عقيدة صحيحة، وعبادة مشروعة، وأخلاق حسنة، إلى ضدها؛ فإن فعلوا عاقبهم الله تعالى، بتغيير حالهم.
يقول المولى عز وجل: (ذَ?لِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى? قَوْمٍ حَتَّى? يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ? وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال: 53] .
جاءت هذه الآية بين آيتين تبدأ كل منهما بقول الله سبحانه: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) عاقبهم الله بكفرهم وتكذيبهم بآيات الله، وغيروا أحوالهم من الصلاح إلى الفساد، فغير الله ما بهم من النعم إلى النقم.
وجاء الزجر الشديد لأولئك المغترين بأموالهم وأولادهم، بأنه كان من قبلكم من هو أشد منكم قوة، وأكثر أموالًا، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمرتموها أنتم، فلما عصوا رسل ربهم، وجحدوا آياته عاقبهم الله تعالى، ولم يكن لهم من دونه ولي ولا واق، ولم تغن عنهم أموالهم ولا قوتهم من الله شيئًا.
فطلب الله تعالى من هؤلاء المغترين أن يسيروا في الأرض ويعتبروا بمن سبقهم، ممن هو أكثر منهم أموالا وأشد منهم قوة.
فقال الله سبحانه: (وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ ? كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ) [غافر: 21]
ولقد أهلك الله تعالى قرى كثيرة تشابهت في جريمة بطر النعمة و كفرانها، فيقول عز من قائل: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ? فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ? وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) [القصص: 58] .
وأرسل الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم لأهل مكة التي كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان 136، فكذبوا به، وجحدوه رغم معرفتهم بصدقه وأمانته، فأبدل الله رغدهم جوعًا، وأمنهم خوفًا.
وفي المقابل انقلب حال من اتبعوه من المؤمنين من خوف إلى أمن، ومن ضعف إلى قوة، و من قلة إلى كثرة، ومن هزيمة إلى نصر: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [الأنفال: 26] .
وختم الآية بالشكر، وهذا الذي يناسب ذكر النعم وزيادتها.
ومن المنكرات الخطيرة المعلنة: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولقد قص الله علينا نبأ بني إسرائيل حينما تركوا هذا الواجب، فانتشر الفساد بينهم، فلعنهم الله، وضرب قلوب بعضهم ببعض.
فقال الله سبحانه مخبرًا عن ذلك: (ٹ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى? لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ? ذَ?لِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ? لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة: 78 - 79] .
وحذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) 137.
فعلى الأمة في هذا الزمان أن تحسب لنقم الله وغضبه الحساب الذي يليق، ولا تبقى شاردة في غيها وضلالها، وألا تتبع الذين ظلموا أنفسهم، بل تتبع سبيل من أناب إلى الله. وعلى تاركي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اعتقادًا منهم النجاة من أذى الظلمة، أن يعلموا أن الفساد الخلقي سيصيبهم؛ والفساد الخلقي أشد وأخطر من الأذى الجسدي، فالأول يربي على الركون إلى الظلمة، والثاني يربي على التحدي والاستعلاء بالإيمان.
والمستقرئ لكتاب الله تعالى، يرى التعقيب على قصص الغابرين يدعوه إلى الصبر وأخذ العبرة. فبعد إغراق قوم نوح، يقول سبحانه: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ? مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَ?ذَا ? فَاصْبِرْ ? إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) [هود: 49] .
وتعقيبًا على هلاك ثمود، قال الله سبحانه: (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [النمل: 52] .
وكذلك الأمر بعد هلاك فرعون: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى?إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى?) [النازعات: 25 - 26] .
وتعقيبًا على هلاك قوم لوط: (?إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) [الحجر: 75] .
وعن بدر، وبعد هلاك صناديد قريش، قال سبحانه: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ? فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى? كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ? وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِں) [آل عمران: 13] .
وبعد هزيمة يهود في خيبر: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ? مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ? وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ? وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ? يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر: 2] .
وطريق الأنبياء عليهم السلام محفوف بالأذى الجسدي، أما الإيمان فمقره القلب، ولا سلطان لأحد عليه إلا الله، يقول الله سبحانه: (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى) [آل عمران: 111] ؛ فعلى المؤمن أن يتأسى بطريقهم عليهم السلام؛ فهو الطريق الأسلم والأقرب للنصر في الدنيا، والنجاة في الآخرة.
السنة أن يكون للناس إمام يؤمهم، يحاكون فعله وقوله، ويتبعون أمره، وينصرون فكره. والإمام هذا أحد نوعين -كما سماهم القرآن الكريم- أئمة يدعون إلى النار، وأئمة يهدون بأمر الله.
وأئمة الهدى حتى يستطيعوا تغيير ما أفسده الناس، ويحيلوا طريقهم المعوج إلى استقامة؛ لا بد أن يكون معهم المنهج الواضح البين، الذي يقنع الناس المضللين بأن ما هم فيه ضلال. ويبقى المنهاج جافًا حتى يتحول إلى بشر تمشي على الأرض. فكان هذا الأمر مع أنبياء الله عليهم السلام ومع الذين ربوا على أيديهم من أتباعهم المؤمنين؛ ليكونوا قدوة حسنة للناس من بعدهم في كل جيل.
والأنبياء أحسن الناس خلقًا وإيمانًا، وأعلاهم منزلة، والواجب أن يتأسى بهم الناس، وأن يتبعوهم في فعلهم وقولهم، ويتركوا الاقتداء بأئمة الكفر. وحتى يكونوا قدوة، جعل الله تعالى لهم صفات، وآتاهم بينات من الهدى، فقال سبحانه مخاطبًا النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر ثمانية عشر نبيًا ممن سبقوه 138: (أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ? فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90] .
يقول الطبري: «هؤلاء القوم الذين وكلنا بآياتنا وليسوا بها بكافرين، هم الذين هداهم الله لدينه الحق، وحفظ ما وكلوا بحفظه من آيات كتابه، والقيام بحدوده، واتباع حلاله وحرامه والعمل بما فيه ... فبالعمل الذي عملوا، والمنهاج الذي سلكوا، وبالهدى الذي هديناهم، والتوفيق الذي وفقناهم (اقْتَدِهْ) يا محمد، أي: فاعمل، وخذ به واسلكه» 139.
ويبين الإمام الرازي أن صفات الشرف وخصال الكمال هذه كانت مفرقة في الأنبياء بأجمعهم. فأيوب كان من أصحاب الصبر. وداود وسليمان كانا من أصحاب الشكر. وسيدنا يوسف كان مستجمعًا لهاتين الصفتين -الصبر والشكر-. وموسى كان صاحب الشريعة القاهرة والمعجزات الظاهرة، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كانوا أصحاب زهد، وإسماعيل كان صاحب الصدق، ويونس كان صاحب التضرع. وبعد ذكرهم، أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) ، أي: اقتد بكل هذه الصفات المفرقة فيهم؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم بهذا أفضلهم 140.
ومن الصفات التي تحلى بها الأنبياء عليهم السلام، وأمرنا أن نتأسى بهم فيها، البراءة من الأعداء، وإظهار العداوة والبغضاء بيننا وبينهم أبدًا حتى يؤمنوا بالله وحده.
قال الله تعالى: (دْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى? تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: 4] .
فالمؤمنون عليهم التأسي بإبراهيم والذين معه في عدم الرضا بعبادة الأصنام، وأن يتشبهوا بهم في البراءة من الكفار في كل الأحوال، حتى وإن كانوا ضعفاء، أيًا كان الضعف، سواءٌ أكان ضعف النصرة، كما كان زمن النبي صلى الله عليه وسلم في الفترة المكية، أم ضعف الإرادة، كما هو حال مسلمي اليوم.
وأن يقتدوا بإبراهيم والذين معه في عظمة البراءة، وألا تكون على خجل، كما يصنع بعض الناس اليوم. وأن يقتدوا بإبراهيم والذين معه في الكفر بجميع المعبودات، سواءٌ أكان المعبود بشرًا- كعبادة الزعماء في بعض الدول- أم عبادة المؤسسات- كالتي تشرع من دون الله. وأن تستمر البراءة من ذلك أبدًا حتى يؤمنوا بالله وحده.
وعلينا أن نقتدي بإبراهيم والذين معه في خصال الخير، في عدم الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم، وفي التبرؤ من حولنا وقوتنا إلى حول الله وقوته، وأن نتشبه بهم في التوكل على ربنا، وفي الإنابة إليه، فالمصير إليه.
ونقتدي بهم في مناجاة ربنا ألا يجعلنا فتنة للقوم الكافرين، وأن يغفر لنا: (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ? رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ? إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الممتحنة: 4 - 5] .
وأول سورة الممتحنة نزل في حاطب بن أبي بلتعة 141، الذي والى أهل مكة في محاولة إنبائهم سير النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة، فكان التوجيه الرباني في هذه الآية إلى المؤمنين أن يقتدوا بإبراهيم والذين معه في البراءة من المشركين.
وكانت الوصية الربانية، في اتخاذ الأنبياء عليهم السلام أسوة حسنة في سورة الممتحنة نفسها، فقال الله سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) [الممتحنة: 6] .
فالذي يقتدي بأئمة الهدى هؤلاء، هو من آمن بالله واليوم الآخر. وليس كل أحد تسهل عليه هذه الأسوة، إنما تسهل على من آمن واحتسب الأجر 142.
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، وأكرمهم على الله تعالى، ولما كان على خلق عظيم، جاء التوجيه الرباني بتخصيصه أن يكون أسوة حسنة.
فقال الله سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21] .
ولكي يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة، فقد أهله الله لذلك في كل ميدان من ميادين الدين والدنيا. ففي مجال الثبات على العقيدة وعدم التنازل عنها، ثبت أمام مغريات المال والجاه والنساء التي عرضت عليه مقابل ثنيه عن الدعوة، فثبت ولم يساوم 143.
قال الله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ(1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ). [الكافرون: 1 - 6] .
وفي مجال الأخلاق، كان النبي صلى الله عليه وسلم الأعلى فيها كلها، ويكفيه شرفًا أن زكى الله خلقه فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍں) [القلم: 4] .
وحرف الجر يفيد الاستعلاء، فكأنه صلى الله عليه وسلم اعتلى الأخلاق كلها، وكلمة عظيم توحي بشأن هذه الأخلاق العظيمة؛ فهو صلى الله عليه وسلم صاحبها الذي امتلأت حياته بها.
وفي مجال التعامل، كان صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة. فكان باشًا مع أصحابه، محترمًا إياهم، محبًا لهم، ملبيًا حاجاتهم. وغير ذلك من مجالات الاقتداء التي يستطيع كل فرد في المجتمع -أيًا كان مركزه وعمله- أن يقتدي به صلى الله عليه وسلم، سواءٌ أكان زوجًا أم أبًا أم جارًا أم مربيًا أم قائدًا أم مجاهدًا.
وختمت صفات عباد الرحمن بدعائهم ربهم أن يجعلهم أئمة يقتدى بهم: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الفرقان: 74] .
قال البخاري: «أيمة نقتدي بمن قبلنا، ويقتدي بنا من بعدنا» 144.
وصفات العباد الذين نسبهم الرحمن لنفسه هي: التواضع، ومخاطبة الجاهلين بالسلام، والدعاء، والاعتدال، في الإنفاق ولا يشركون ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، وكذلك من صفاتهم التوبة وعمل الصالحات، ولا يشهدون الزور، والإعراض عن اللغو، والإصغاء لآيات الله 145.
وختم هذه الصفات بدعاء (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) فيه إشارة إلى أن هذه الصفات هي جزء من صفات عباد الله الواجب على الناس أن يتبعوهم فيها، والتي تؤهلهم للإمامة وقيادة الناس.
واليوم يعيش المسلمون أزمة قدوات فصار جزء منهم يقتدي بمن فسدت عقائده، وساءت أخلاقه، وراج سوؤه. فصار باطن الجيل وظاهره مقلدًا للكفر، ولدعاة على أبواب جهنم. وحتى يحسن حالنا، ويسوء وجه عدونا؛ لا بد من أئمة للهدى يقتدي بهم التائهون، ويؤوب إليهم المرضى بهم يستشفون.
وأئمة الاقتداء والهدى هؤلاء، لا بد لهم من صفات يتصفون بها، وسمات تعلو باطنهم وظاهرهم، ومنها:
وغيرها من الصفات التي تؤهل المسلم ليكون قدوة للمتقين.
ثالثًا: إظهار الصورة المنفرة للمقلدين:
أنعم الله تعالى على الإنسان بنعم كثيرة، فقال سبحانه: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18] .
وعلى الإنسان أن يقوم بواجب الشكر لله على هذه النعم، وشكرها يكون باستعمالها فيما أمر الله، فإن استعملها صاحبها في غير ما أمر الله تعالى فقد كفر هذه النعمة، وحينها يستحق الذم.
ومن النعم التي أنعم الله بها على الإنسان السمع والبصر والعقل؛ لتكون له عونًا على اتباع الحق، واجتناب الباطل، ومن عطلها عن هذه الوظيفة التي خلقت لأجلها؛ فقد شبهه القرآن الكريم بالبهائم.
فقال الله سبحانه: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) } [الأعراف: 179] .
فهؤلاء لهم قلوب لا يفقهون بها الخير والهدى، ولهم أعين لا يبصرون بها طريق الحق، ولهم آذان لا يسمعون بها مواعظ القرآن سماع اتعاظ. هؤلاء مثلهم كمثل الأنعام لا تفقه ما يقال لها. بينما الأنعام وهي غير مكلفة، طائعة لربها، وهي مفطورة على ذلك؛ فهي: «تبصر منافعها، وتتبع مالكها، وهم بخلاف ذلك» 146.
ووصفهم الله تعالى بالغفلة الكاملة، فهي خاصة بهم {هُمُ الْغَافِلُونَ} 147.
إن تفضيل الله تعالى للأنعام على من أنكر حق الله تعالى في الوجود، وفي العبادة متبعًا في ذلك غيره، ومعطلًا ما وهبه الله من حواس، لهو تفضيل في غاية البشاعة والازدراء، فناسب تعطيلهم الحواس، تصويرهم البشع بأنهم أضل من الأنعام، فلو كان عندهم شيء من الإحساس والأنفة والعزة، لاهتزت مشاعرهم، وانتفضت قلوبهم الصدئة على تبعية عمياء، وجاهلية حمقاء، ولأنصت السمع للحق، ولنطق به اللسان، وعملت به الجوارح. يقول عبيد الله بن المعتمر: «لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد» 148.
وقريب من آية الأعراف السابقة، آية الفرقان التي يقول تعالى فيها: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) } [الفرقان: 44] .
والملاحظ أن كلتا الآيتين جاء فيهما الإضراب لزيادة الذم.
أما ارتباط الآيتين بما قبلهما، فقد جاءت آية الأعراف السابقة بعد الحديث عن الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، وآتاه الله علمًا لكنه أخلد إلى الأرض متبعًا هواه 149؛ فلما كان حاله ترك آيات الله، واتباع هواه، شبهه الله تعالى بالكلب الذي إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. وهذا مثل في غاية السوء، وهذا استنفار لذي الحجر؛ ليقلع عن كل عمل يوصل إلى مثل هذا الحال. أما آية الفرقان فقد سبقتها آيات تخبر عن استهزاء الكفار بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ووصفهم إياه بالضلال، واتخاذهم الهوى إلهًا من دون الله، فكان الرد الرباني عليهم بأنهم من الجهل بمكان وأنهم أضل من الأنعام سبيلًا. يقول سعيد حوى: «إن القيام بأمر الله هو وحده الذي يطلق طاقات الإنسان كلها في طريقها الصاعد نحو الكمال، وترك أمر الله يعني إطلاق هذه الطاقات نحو الحيوانية الحرة» 150.
ولم يكتف القرآن الكريم بتشبيه الذين يتبعون آباءهم -معرضين عن داعي الله تعالى لهم باتباع ما أنزل الله- بالأنعام، بل شبههم أيضًا بالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً. وهذه الصورة منفرة من التقليد الذي لا يقوم على دليل، قال سبحانه: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) } [البقرة: 171] .
والآية هذه سبقت بالآية: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) } [البقرة: 170] .
يقول الرازي: «ضرب لهم هذا المثل تنبيهًا للسامعين لهم إنهم إنما وقعوا فيما وقعوا فيه بسبب ترك الإصغاء، وقلة الاهتمام بالدين، فصيرهم من هذا الوجه بمنزل الأنعام، ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفار، ويحقر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك، فيكون كسرًا لقلبه، وتضييقًا لصدره، حيث صيره كالبهيمة فيكون في ذلك نهاية الزجر والردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه في التقليد» 151.
هؤلاء المقلدون عطلوا حواسهم-التي خلقها الله لهم لينتفعوا بها-واتبعوا آباءهم مقلدين لهم دون وعي وتفكير، ولم يتبعوا الرسل معاندين لهم. فهم صم عن سماع الحق، بكمٌ عن النطق به والدعوة إليه، عميٌ عن اتباعه؛ لأجل ذلك وصفهم القرآن في سورة الأنفال: بأنهم من الدواب، وأنهم شرها.
قال الله سبحانه: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) } [الأنفال: 22] .
ويلاحظ أن آيتي البقرة والأنفال وصفتا المقلدين بالصم والبكم وعدم العقل، وهذا الوصف يليق بهم في الدنيا إذ إنهم كذلك. أما يوم القيامة حينما يرون ما وعدهم ربهم من النار، فإنهم يحسنون استعمال سمعهم وعقولهم؛ فيندمون ولات حين مناص.
يقول الله تعالى واصفًا حالهم هذه: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ} [الملك: 10 - 11] .
وفي هذا أكبر الزجر لأولئك المقلدين، كي يتوبوا من غيهم، ويفيقوا من غفلتهم ولا يكونوا إمعات 152 معطلين لأسماعهم وأبصارهم وأفئدتهم، متبعين كل ناعق.
ويخرج عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الإمعة من زمرة العلماء والمتعلمين حينما يقول: «اغد عالمًا أو متعلمًا ولا تكونن إمعة» 153.