••ترك الإعداد للجهاد في سبيل الله تعالى ماديًا ومعنويًا دليل واضح على نيتهم المبيتة لخذلان الحق وأهله وهذا ما يفهم من قوله تعالى: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) فلو هي أداة امتناع لامتناع، فامتنع الجواب (إعداد العدة) لامتناع الشرط (إرادة الخروج) .
••يكره الله تعالى خروج المنافقين في صفوف المؤمنين الصادقين المجاهدين، للأسباب الآتية:
••لخبث نواياهم تجاه الإسلام والمسلمين.
••لأن موقفهم يكون متخاذلًا عند المواجهة مع الأعداء، وهذا قد يؤدي إلى انكشاف ظهر المسلمين، وربما يؤدي إلى انهزامهم أمام أعدائهم.
••لأنهم يبثون روح الهزيمة في نفوس المؤمنين، وربما يؤدي ذلك إلى تقاعس البعض ممن لم يستقر الإيمان في قلوبهم.
••المنافقون لا يفترون من السعي للقضاء على الدولة الإسلامية، يفهم ذلك من قوله تعالى: (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى? جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) ، في هذه الآية الكريمة يذكر الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بموقف المنافقين في غزوة أحد، حيث رجع رأس النفاق عبد الله بن سلول بجزء من الجيش رغبةً منه في انهزام المسلمين والقضاء على دولتهم.
••المنافقون يستاؤون من انتصار المؤمنين، وحصول المسرات لهم، وفي المقابل يفرحون بانهزام المسلمين، وحصول المكاره لهم.
وقال تعالى في موضع آخر: (إِنَّمَا السَّبيلُ عَلَى الَّذينَ يَستَأذِنونَكَ وَهُم أَغنِياءُ رَضوا بِأَن يَكونوا مَعَ الخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلوبِهِم فَهُم لا يَعلَمونَ ?93? يَعتَذِرونَ إِلَيكُم إِذا رَجَعتُم إِلَيهِم قُل لا تَعتَذِروا لَن نُؤمِنَ لَكُم قَد نَبَّأَنَا اللَّهُ مِن أَخبارِكُم وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُم وَرَسولُهُ ثُمَّ تُرَدّونَ إِلى عالِمِ الغَيبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِما كُنتُم تَعمَلونَ ?94? سَيَحلِفونَ بِاللَّهِ لَكُم إِذَا انقَلَبتُم إِلَيهِم لِتُعرِضوا عَنهُم فَأَعرِضوا عَنهُم إِنَّهُم رِجسٌ وَمَأواهُم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانوا يَكسِبونَ ?95? يَحلِفونَ لَكُم لِتَرضَوا عَنهُم فَإِن تَرضَوا عَنهُم فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرضى عَنِ القَومِ الفاسِقينَ) [التوبة: 93 - 96] .
يبين الله تعالى لعباده أن الإثم في الاستئذان عن الجهاد إنما يكون على الذين يستأذنون للتخلف عن الجهاد في سبيل الله تعالى مع قدرتهم على البذل والعطاء، ليقعدوا في بيوتهم كما يقعد النساء والصبيان، ثم يعقب سبحانه ببيان أن تخلف أولئك الأغنياء مرتبط بالكفر والطغيان والغفلة عن وخامة العاقبة المترتبة على تخلف المقتدرين عن الجهاد في سبيل الله تعالى.
ثم يبين سبحانه أن المنافقين يستقبلون المؤمنين العائدين من الغزو بالاعتذارات لعدم مشاركتهم في الجهاد في سبيل الله تعالى، ثم أعقب سبحانه بتلقين المؤمنين الرد على هؤلاء المنافقين، والمتمثل في تكذيبهم وإعلامهم بأن الله تعالى قد كشف أمرهم وكذبهم، وأن الله تعالى مطلع على أعمالهم في الدنيا، وأن مردهم إليه في الآخرة وحينها سيخبرهم بما قدموا من أعمال في الدنيا، ثم سيحاسبهم عليها.
ثم يبين سبحانه للمؤمنين أن هؤلاء المنافقين المتخلفين عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيحلفون للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الأيمان الكاذبة لتبرير تخلفهم عن الغزو معهم، وبالتالي عدم حصول التأنيب لهم، فأرشد الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى ترك تأنيبهم، وتخليتهم وما اختاروا لأنفسهم من النفاق، وسوء العاقبة.
ثم يؤكد الله تعالى أن علة الأيمان التي يحلفها المنافقون هي محاولة كسب رضا المؤمنين عنهم، ثم عقب سبحانه ببيان أنه لو رضي المؤمنون عن المنافقين، فإن ذلك الرضى لا يستلزم رضاه جل وعلا عن أولئك المتخاذلين المتخلفين عن الجهاد والبذل والتضحية 56.
ومما يستفاد من الآيات السابقة ما يأتي:
••لا عذر عند الله تعالى للذين يتخلفون عن الجهاد في سبيله بأموالهم وأنفسهم وهم قادرون على البذل والتضحية نصرة للإسلام والمسلمين.
••الكفر بالله تعالى، والغفلة عن جزائه، والجهل بعذابه، هي الأسباب التي أدت بالمنافقين إلى التخلف عن الجهاد في سبيل الله تعالى.
••اختلاق الاعتذارات الكاذبة أو الواهية هو من طباع المنافقين لتبرير تخلفهم عن الجهاد في سبيل الله تعالى.
••أنسب الردود على المنافقين هو مطالبتهم بالكف عن تقديم الأعذار، ومقاطعتهم، والإعراض عنهم.
••الغاية من الأيمان التي يحلفها المنافقون للمؤمنين هي محاولة نيل رضاهم.
••لا يرضى الله تعالى عن المنافقين؛ لأنهم كفروا به، وتخلفوا عن نصرة دينه.
ولا تقتصر أعمال المنافقين الخبيثة على التخلف عن الجهاد في سبيل الله تعالى، بل تتعدى ذلك إلى محاولة حث المؤمنين على التخلف عن الجهاد في سبيل الله تعالى، ومن الآيات التي تحدثت عن ذلك قوله تعالى: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ? قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ? لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) [التوبة: 81] .
ومما يستفاد من الآية السابقة ما يأتي:
••ينتاب المنافقين حالةٌ من الفرح حينما يقعدون عن المشاركة في الجهاد في سبيل الله تعالى، وعلة ذلك أنهم كارهون للإسلام الذي يحمل أتباعه مسؤولية المحافظة على أمن وعزة وكرامة المجتمع الذي وضعت أسسه، وأرست دعائمه أحكام الشريعة الإسلامية، وبالتالي فهم يبخلون على المؤمنين مع امتلاكهم لمقومات الدعم والنصرة.
قال تعالى: (وَلا تُعجِبكَ أَموالُهُم وَأَولادُهُم إِنَّما يُريدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِها فِي الدُّنيا وَتَزهَقَ أَنفُسُهُم وَهُم كافِرونَ ?85? وَإِذا أُنزِلَت سورَةٌ أَن آمِنوا بِاللَّهِ وَجاهِدوا مَعَ رَسولِهِ استَأذَنَكَ أُولُو الطَّولِ مِنهُم وَقالوا ذَرنا نَكُن مَعَ القاعِدينَ) [التوبة: 85 - 86] .
يبين الله تعالى في هاتين الآيتين الكريمتين عدم انتفاع المجرمين بأموالهم، ولا أولادهم ففي الدنيا يكونون عليهم همًا وغمًا، وعند الموت حسرةً، ويوم القيامة عند السؤال ندامةً، كما يبين الله تعالى أن موقف زعماء ووجهاء المنافقين عند نزول سورة تأمر بالإيمان والجهاد في سبيل الله تعالى، وهو الاستئذان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمح لهم بالقعود عن الجهاد في سبيل الله تعالى على الرغم من كثرة أموالهم، ورجاحة عقولهم 57.
••يكره المنافقون أن يكون هنالك أيًا من مصادر الدعم المادي أو المعنوي، ويسعون جاهدين لقطع كافة سبل الإمداد عنهم، يظهر ذلك جليًا من خلال أمرين، هما:
••الإمساك عن توفير أي دعم للمؤمنين من أجل تقوية شوكتهم.
••تحريض من يمكنهم تحريضه من المسلمين لعدم المشاركة في الجهاد في سبيل الله تعالى.
فرح المنافقون بتخلفهم عن الجهاد في سبيل الله تعالى في غزوة تبوك، وشعروا أنهم قد حققوا إنجازًا عظيمًا على صعيد محاربة الإسلام، وزعزعة صفوف المسلمين، ولكن سرعان ما فضحت آيات سورة التوبة خباياهم، ووصفتهم بما يميزهم عن المؤمنين، وعاقبتهم على تخلفهم عن غزوة تبوك.
فقال تعالى: (فرِحَ المُخَلَّفونَ بِمَقعَدِهِم خِلافَ رَسولِ اللَّهِ وَكَرِهوا أَن يُجاهِدوا بِأَموالِهِم وَأَنفُسِهِم في سَبيلِ اللَّهِ وَقالوا لا تَنفِروا فِي الحَرِّ قُل نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَو كانوا يَفقَهونَ ?81? فَليَضحَكوا قَليلًا وَليَبكوا كَثيرًا جَزاءً بِما كانوا يَكسِبونَ ?82? فَإِن رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنهُم فَاستَأذَنوكَ لِلخُروجِ فَقُل لَن تَخرُجوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقاتِلوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُم رَضيتُم بِالقُعودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقعُدوا مَعَ الخالِفينَ) [التوبة: 81 - 83] .
تبيَن الآيات الكريمة موقف المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم من الجهاد والمجاهدين، أما موقفهم من الجهاد فهو الكراهية، سواءٌ أكان الجهاد بالمال أو بالنفس، أما موقفهم من المجاهدين فهو السعي لتثبيطهم عن الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى، فردت عليهم الآيات ببيان أن فرحهم وضحكهم سيعقبه الوبال والهلاك لهم في الآخرة، كما أمرت الآيات النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم ألا يسمح لهم بالخروج للجهاد في سبيل الله تعالى بسبب تخلفهم عن الجهاد في غزوة تبوك بدون أي عذر مقبول 58.
ويستفاد من الآيات ما يأتي:
••الفرح بالتخلف عن الجهاد في سبيل الله تعالى بالمال والنفس من أظهر علامات النفاق.
••الصبر على مشقة الجهاد في سبيل الله تعالى في الدنيا خير من الصبر على عذاب الله في الآخرة، كما أن الله تعالى يؤمِن المجاهد في سبيل الله تعالى من نار جهنم في الآخرة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع غبارٌ في سبيل الله عز وجل ودخان جهنم في منخري مسلمٍ أبدًا) 59.
••العذاب الأليم هو المصير الذي سيلقاه المنافقون يوم القيامة، يفهم ذلك من قوله تعالى: (فَليَضحَكوا قَليلًا وَليَبكوا كَثيرًا جَزاءً بِما كانوا يَكسِبونَ) .
••عاقب الله تعالى المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج في غزوة تبوك بعدم السماح لهم بالخروج للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدًا.
قال تعالى: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى? طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ? إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) [التوبة: 83] .
ثانيًا: من يشرع لهم بالاستئذان عن الجهاد:
على الرغم من أن الشريعة الإسلامية قد حثت على المشاركة في الجهاد في سبيل الله تعالى، وحذرت من مغبة ترك هذه العبادة العظيمة، إلا أنها سمحت لفئات من المؤمنين بعدم المشاركة في ما لا يطيقونه من أعمال الجهاد التي يقوى عليها غيرهم من الأقوياء، وهؤلاء الأصناف هم المذكورون في قوله تعالى: (لَيسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى المَرضى وَلا عَلَى الَّذينَ لا يَجِدونَ ما يُنفِقونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحوا لِلَّهِ وَرَسولِهِ ما عَلَى المُحسِنينَ مِن سَبيلٍ وَاللَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ ?91? وَلا عَلَى الَّذينَ إِذا ما أَتَوكَ لِتَحمِلَهُم قُلتَ لا أَجِدُ ما أَحمِلُكُم عَلَيهِ تَوَلَّوا وَأَعيُنُهُم تَفيضُ مِنَ الدَّمعِ حَزَنًا أَلّا يَجِدوا ما يُنفِقونَ) [التوبة: 91 - 92] .
كما جاء ذكر أصناف أخرى في قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى? حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ? وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ? وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا) [الفتح: 17] .
وتفصيل هذه الأصناف كما يأتي:
1.الضعفاء.
يشمل لفظ الضعفاء عدة أصناف منها: صغار السن لضعف أبدانهم، والمجانين لضعف عقولهم، والطاعنين في السن لوهن أجسادهم، والنساء لعدم قدرتهن على حمل السلاح ومواجهة الأعداء، وأصحاب العاهات التي تحول دون القدرة على القيام بأعمال الجهاد الشاقة 60.
وقد جاء عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: لما نزل قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [النساء: 95] .
دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت فكتبها، فجاء عبد الله ابن أم مكتوم، فشكا ضرارته 61، فأنزل الله تعالى: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) [النساء: 95] 62.
2.المرضى.
والمراد هنا بالمرضى هم أصحاب الأمراض التي تحول بينهم وبين القدرة على القيام بأعمال الجهاد في سبيل الله تعالى 63.
وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا، إلا كانوا معكم، حبسهم المرض) 64.
3.الذين لا يجدون ما ينفقون.
وهؤلاء هم الفقراء الذين لا يملكون التكاليف التي تمكنهم من المشاركة في الجهاد في سبيل الله تعالى، فهؤلاء معذورون شرعًا لعدم المشاركة في الجهاد حتى وإن كانت لديهم القدرة البدنية على مواجهة الأعداء.
يقول سيد طنطاوي في شرح معنى قوله تعالى: (الذين لا يجدون ما ينفقون) «هم الفقراء القادرون على الحرب، ولكنهم لا يجدون المال الذين ينفقونه في مطالب الجهاد، ولا يجدون الرواحل التي يسافرون عليها إلى أرض المعركة» 65.
4.الذين اعتذر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اصطحابهم للجهاد في غزوة تبوك لعدم توفر ما يحملهم عليه من الركوبة.
وهؤلاء قوم جاؤوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل غزوة تبوك ليحملهم معه لغزو الروم فاعتذر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدم قدرته من توفير الركوبة لهم، فتولوا وهم يبكون، وهذا ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ) [التوبة: 92] 66.
فهؤلاء لا إثم عليهم لعدم مشاركتهم في الجهاد في سبيل الله تعالى.
وقد ذكر الله تعالى هذه الأصناف لتمييزهم عن الذين لم يقبل الله تعالى أعذارهم الواهية للقعود عن الجهاد في سبيل الله تعالى، ولطمئنة هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين حبسهم العذر عن الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى على أجرهم عند الله تعالى.
وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وهو راجع من غزوة تبوك: (إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم) ، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: (وهم بالمدينة، حبسهم العذر) 67.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (إلا كانوا معكم) فيه دليل على أنه من حبسه العذر عن القيام بأعمال الخير مع نيته فيها، فقد وقع أجره على الله تعالى 68.
••الإسلام هو دين الجماعة فهو أمر عظيم لا يقوى على تحمل أعبائه وتحقيق مقاصده الأفراد، وللحفاظ على الجماعة وصيانة حقوقها فقد حث الإسلام على لزومها، وحذر من مفارقتها، وجعل الاستئذان شرطًا للانسحاب منها لقضاء بعض الحاجيات المختلفة.
قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى? أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى? يَسْتَأْذِنُوهُ ? إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ? فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النور: 62] .
يبين الله تعالى أن الأدب هو الصفة الأبرز للمؤمنين، فهم لا يغادرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد أخذ الإذن والموافقة منه صلى الله عليه وسلم، ثم يذكر الله تعالى أن التربية الإيمانية هي السبب في تأدب أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم يوجه الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم لإعطاء الإذن للمؤمنين إذا أراد ذلك، كما يحثه على الاستغفار للمؤمنين، ثم يعلل الله تعالى حثه نبيه صلى الله عليه وسلم على الاستغفار للمؤمنين بأنه تعالى متصفٌ بالمغفرة والرحمة 69.
ويستفاد من الآية السابقة ما يأتي:
••وجوب المحافظة على النظام عند حضور الجماعة، وهذا يقتضي عدم الانسحاب من الجماعة إلا بموافقة زعيمها.
••وجوب مراعاة ظروف أفراد الجماعة من قبل سيدهم، وهذا يقتضي إعطاءهم الإذن حال استئذانهم لقضاء بعض مصالحهم.
••وجوب اتصاف المسؤول عن الجماعة بالرحمة، وهذا يقتضي الدعاء لهم بالخير، وكذلك الاستغفار لهم.
كما ذم الله تعالى المنافقين لانسحابهم من مجالس النبي صلى الله عليه وسلم وجعل من هذا الخلق الذميم علامة فارقة تميز بين المؤمن والمنافق.
قال تعالى: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ? قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ? فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ?63?) [النور: 63] .
ينهى الله تعالى عباده عن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم كدعاء بعضهم لبعض، ثم يبين الله تعالى عادة المنافقين المنافية للأدب الواجب التزامه مع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وهو التسلل للانسحاب من مجالسه صلى الله عليه وسلم خفية من دون أن يطلبوا الإذن لذلك، ثم يعقب الله تعالى بتحذير أولئك الذين يخالفون أمر الله تعالى بوجوب لزوم الأدب مع رسوله صلى الله عليه وسلم، من مغبة غضبه، وقسوة عقوبته 70.
ويستفاد من هذه الآية ما يأتي:
••وجوب توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكره، سواءٌ بالقول أو بالكتابة أو بالإشارة، وذلك بنعته برسول الله أو بأي نعت يليق به صلى الله عليه وسلم وكذا بالصلاة عليه.
••الذهاب من مجالس العلماء والدعاة دون استئذانهم أمر فيه سوء أدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فالعلماء هم ورثة الأنبياء، وكذا الأمر بالنسبة للدعاة، فالرسول صلى الله عليه وسلم داعية إلى الله تعالى، يشهد لذلك ما قاله الله تعالى مخاطبًا الرسول صلى الله عليه وسلم: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا) [الأحزاب: 45 - 46] .
••إهانة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أبرز الأسباب الموجبة لغضب الله تعالى.
موضوعات ذات صلة:
البيوت، الجهاد، العلاقات الاجتماعية
1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 75، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر 1/ 77 - 79.
2 التعريفات، ص 16.
3 انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 25 - 26.
4 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 71.
5 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 315، تاج العروس، الزبيدي 6/ 323، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر 1/ 260.
6 انظر: التعريفات، الجرجاني، ص 8.
7 انظر: الفروق اللغوية، العسكري 1/ 228.
8 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 494، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر 2/ 420.
9 انظر: فصول البدائع، شمس الدين الفناري 2/ 35.
10 انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ص 33.
11 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 145، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر 1/ 128.
12 انظر: الكليات، الكفوي، ص 115.
13 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 278، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر 3/ 2128.
14 انظر: تفسير ابن عرفة، 3/ 77.
15 انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي 7/ 540 - 542.
16 انظر: تفسير السمرقندي 2/ 507.
17 انظر: أوضح المسالك إلى ألفية بن مالك، ابن هشام 3/ 317.
18 أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب الاستئذان غير السلام ص 366، رقم 1066.
وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد.
19 انظر: لباب التأويل، الخازن 3/ 291.
20 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر 8/ 54، رقم 6241.
21 انظر: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري، الكرماني 22/ 83.
22 نظم الدرر، 13/ 252.
23 انظر: معجم وتفسير لغوي لألفاظ القرآن، حسن الجمل 1/ 120.
24 انظر: تفسير الشعراوي 11/ 6549.
25 انظر: المصدر السابق 11/ 6549.
26 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، 8/ 11، رقم 6018.
27 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب الاستئذان، 3/ 1694، رقم 2153.
28 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 25/ 52، فتح البيان، القنوجي 10/ 189.
29 انظر: تفسير القرآن، السمعاني 3/ 518، لباب التأويل، الخازن 3/ 291.
30 في ظلال القرآن 4/ 2508.
31 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثًا، 8/ 54، رقم 6245.
32 انظر: لباب التأويل، الخازن 3/ 291.
33 انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي 7/ 543.
34 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب 8/ 51، رقم 6228.
35 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب النكاح، باب إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه، 3/ 386، رقم 1084.
وحسنه الألباني.
36 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، 7/ 7، رقم 5090.
37 انظر: تفسير مقاتل بن سليمان، 3/ 208 - 207.
38 أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب يستأذن على أخته، رقم 1063، ص 595.
وصحح إسناده الألباني في صحيح الأدب المفرد.
39 انظر: الآداب الشرعية، ابن مفلح، 1/ 400.
40 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر، 8/ 54، رقم 6241.
41 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة، 3/ 26، رقم 1905.
42 انظر: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري، الكرماني 9/ 89 - 88.
43 انظر: لباب التأويل، الخازن 1/ 364، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 174.
44 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، 2/ 398، رقم 1102.
قال الترمذي: حديث حسن.
45 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت، 2/ 1037، رقم 1421.
46 السيرة النبوية، ابن هشام 1/ 615.
47 السيرة النبوية، ابن كثير 3/ 459.
48 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب في مناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه، وله كنيتان، يقال: أبو عمرو، وأبو عبد الله، 6/ 67، رقم 3701.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
49 انظر: دلائل النبوة، البيهقي 5/ 218.
50 انظر: المغازي، الواقدي 1/ 216.
51 المصدر السابق 3/ 904.
52 انظر: لباب التأويل، الخازن 3/ 416 - 418.
53 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب رقم 59، رقم 2516، 4/ 248.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
54 انظر: جامع البيان، الطبري 14/ 416، الكشف والبيان، الثعلبي 5/ 80.
55 انظر: لباب التأويل، الخازن 2/ 369.
56 انظر: لباب التأويل، الخازن 2/ 395 - 397.
57 انظر: جامع البيان، الطبري 14/ 411، تأويلات أهل السنة، الماتريدي 5/ 442، لباب التأويل، الخازن 2/ 394.
58 انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي 5/ 439 - 440.
59 أخرجه النسائي في المجتبى، كتاب الجهاد، باب فضل من عمل في سبيل الله على قدمه، 6/ 14، رقم 3113.
وصححه الألباني.
60 انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمينين 2/ 226، الكشف والبيان، الثعلبي 5/ 80.
61 شكا ضرارته أي: فقدانه البصر الذي يمنعه من الجهاد في سبيل الله تعالى.
62 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ، 6/ 48، رقم 4593.
63 انظر: التفسير الوسيط، محمد سيد طنطاوي 6/ 379.
64 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر، 3/ 1518، رقم 1911.
65 التفسير الوسيط، محمد سيد طنطاوي 6/ 379.
66 انظر: أسباب النزول، الواحدي ص 262.
67 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، 6/ 8، رقم 4423.
68 انظر: شرح صحيح البخاري، ابن بطال 5/ 48.
69 انظر: جامع البيان، الطبري 19/ 228، مدارك التنزيل، النسفي 2/ 521.
70 انظر: لباب التأويل، الخازن 3/ 307، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي 14/ 468.