أولًا: المعنى اللغوي:
أصله من مادة (ولي) ، والوَلْيُ: القرب والدنو، يقال: تباعد بعد وَلْيٍ، أي: تباعد بعد قرب، وكل مما يليك: أي مما يقاربك، والولاء: الموالون، يقال: هؤلاء ولاء فلان، أي: موالوه، و (الولاء) : ولاء المعتق، بمعنى: أن يكون ولاء المعتق لمعتقه بأن يكون هو الأولى في إرث معتقه إن لم يكن له وارثٌ من نسبه.
ويطلق (الولاء) أيضًا على التتابع، يقال: والى بينهما ولاءً: أي تتابع، وافعل هذه الأشياء على الولاء، أي: على التتابع، وتوالى عليه شهران: أي: تتابع، وتوالت عليه الأخبار: أي: تتابعت.
ومنه أيضًا: تولى العمل: إذا تقلده، وتولى عنه: إذا أعرض، وولى هاربًا: إذا أدبر، والولي ضد العدو، و (الولاية) : السلطان والإمارة، ومنه وليت الأمر أليه ولاية، ووليت على الصبي والمرأة، والفاعل والٍ، والجمع ولاة، و (الولاية) بالفتح والكسر: النصرة، وبالفتح أكثر، يقال: هم على ولاية، أي: مجتمعون في النصرة.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، الذي يدور حول الحب والنصرة، وعرفه أبو عاصم البركاتي، فقال: «هو حب الله تعالى ورسوله ودين الإسلام وأتباعه المسلمين، ونصرة الله تعالى ورسوله ودين الإسلام وأتباع المسلمين» 1.
وذكر محماس بن عبد الله الجلعود تعريفًا للموالاة، فقال: «هي التقرب وإظهار الود بالأقوال والأفعال والنوايا لمن يتخذه الإنسان وليًّا، فإن كان هذا التقرب والود مقصودًا به الله ورسوله والمؤمنون، فهي الموالاة الشرعية الواجبة على كل مسلم، وإن كان المقصود هم الكفار على اختلاف أجناسهم، فهي موالاة كفر وردة عن الإسلام» 2.
فالولاء يتمثل في المحبة والمودة والاتباع والنصرة، وهذه معانٍ جليلة وقيمة أراد الإسلام ترسيخها في نفوس المسلمين.
وردت مادة (ولي) في القرآن الكريم (232) مرة، يخص موضوع البحث (124) مرة 3.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 3 ... {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ} [المجادلة:14]
الفعل المضارع ... 11 ... {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) } [الأعراف:196]
المصدر ... 2 ... {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44) } [الكهف:44]
اسم الفاعل ... 1 ... {وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11) } [الرعد:11]
اسم المفعول ... 21 ... {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) } [محمد:11]
الصفة المشبهة ... 86 ... {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ} [الأنعام:70]
وجاء الولاء في القرآن على أربعة أوجه 4:
الأول: الرب: ومنه قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا} [الأنعام:14] يعني: ربًّا.
الثاني: الولد: ومنه قوله تعالى: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [مريم:5] . يعني: ولدًا.
الثالث: الناصر: ومنه قوله تعالى: {يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا} [الدخان: 41] .
الرابع: المولى الذي يعتق: ومنه قوله تعالى: {فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب:5] .
النصرة:
النصرة لغةً:
مصدر من مادة (نصر) ، والنصر هو إعانة المظلوم، يقال: نصره على عدوه، ينصره نصرًا، والاسم النصرة وهي العون 5.
النصرة اصطلاحًا:
قال المناوي: «النصر والنصرة: العون» 6.
الصلة بين النصرة والولاء:
يتضح أن النصرة من مستلزمات الولاء؛ لأنه كما ذكر سابقًا أنَّ الولاء يتحدد معناه في الحب والنصرة، فمن والى شخصًا أحبه، ويقتضي هذا الرضا بأفعاله، ونصرته والدفاع عنه إذا تعرض لظلم، أو ما شابه.
التعاون:
التعاون لغةً:
تعاونوا: أعان بعضهم بعضًا، وقالوا: عاونه معاونةً وعوانًا، أعانه، والمعوان: الحسن المعونة للناس 7.
التعاون اصطلاحًا:
قال الراغب: «التعاون: التظاهر» 8.
الصلة بين التعاون والولاء:
لاشك أن التعاون والمظاهرة من مستلزمات الولاء أيضًا، فمن والى شخصًا أعانه وظاهره على عدوه.
البراء:
البراء لغةً:
مصدر من (برأ) ، وهو التباعد عن الشيء، ومنه البرء وهو السلامة من المرض، والوصف منه براء، وبريء، وهما لغتان في القرآن، والبراءة تكون من العيوب والمكاره 9.
البراء اصطلاحًا:
البراءة «هي انقطاع العصمة» 10، وقال الألوسي: «هي عبارة عن إنهاء حكم الأمان، ورفع الخطر المترتب على العهد السابق» 11، وقال محمد بن سعيد القحطاني: «هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار» 12.
الصلة بين البراء والولاء:
يتبين أن العلاقة بينهما متناقضة، فالبراء ضد الولاء، وهو متمثل في البغض والمعاداة، فالأمران لا يجتمعان.
اقترن اسم الله تعالى (الولي أو المولى) باسمه تعالى النصير ثلاث عشرة مرة في القرآن الكريم، منها -على سبيل المثال- قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} [النساء:45] .
وقوله: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج:78] .
وقوله: {بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} [آل عمران:150] .
وذكرنا في العلاقة بين الولاء والنصرة، أن النصرة من مقتضيات الولاء ومستلزماته، وعليه يكون اسم الله تعالى (النصير) هو مقتضى اسمه تعالى (الولي أو المولى) . قال البقاعي في بيان حكمة اقتران الولي بالنصير عند تفسيره لآية النساء المذكورة: « {وَلِيًّا} أي: قريبًا بعمل جميع ما يفعله القريب الشفيق.
ولما كان الولي قد تكون فيه قوة النصرة، والنصير قد لا يكون له شفقة الولي، وكانت النصرة أعظم ما يحتاج إلى الولي فيه، أفردها بالذكر إعلامًا باجتماع الوصفين مكررًا الفعل والاسم الأعظم اهتمامًا بأمرها فقال: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا} أي: الذي له العظمة، {نَصِيرًا} أي: لمن والاه فلا يضره عداوة أحد، فثقوا بولايته ونصرته دونهم، ولا تبالوا بأحد منهم ولا من غيرهم، فهو يكفيكم الجميع» 13.
وقال الشعراوي في تفسيره لذات الآية: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا} نعم كفى به وليًّا؛ لأن غيره من البشر إنما يملكون الأسباب، والحق تعالى هو الذي خلق الأسباب، فيملك ما هو فوق الأسباب، ولذلك يقول مطمئنًا لنا: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 - 3] .
و (الولي) دائمًا هو من يليك مباشرة أي: أنه قريب منك. {وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} إذن فهناك قريب، وهناك أيضًا نصير، فقد يكون هناك من هو قريب منك ولا ينصرك، لكن الله ولي ونصير، فما دامت المسألة مسألة معركة {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} ، كأن الحق ينبهنا: إياكم أن تقولوا إننا نلتمس النصرة عند أحد، اصنعوا ما في استطاعتكم أن تصنعوه، ثم اتركوا ما فوق الاستطاعة إلى الله» 14.
إن الكلام عن ولاية الله عز وجل لعباده تتطلب بيان أن الله جل جلاله هو وحده الولي، وأن ولايته تعالى تنقسم إلى قسمين: ولاية عامة لجميع خلقه، وولاية خاصة لأصفيائه المؤمنين مع شرح موجبات هذه الولاية لهم خاصة دون غيرهم، بالإضافة إلى شرح أسباب الحرمان من ولاية الله عز وجل، وتفصيل هذه الأمور فيما يأتي:
أولًا: الله تعالى هو الولي:
لقد سَمَّى الله عز وجل نفسه باسم (الولي) ، فهو من أسمائه الحسنى، وعرف الزجاج هذا الاسم بقوله: «هو فعيل من الموالاة، والولي الناصر وهو تعالى وليهم أي: المؤمنين.
بأن يتولى نصرهم وإرشادهم، كما يتولى ذلك من الصبي وليه، وهو يتولى يوم الحساب ثوابهم وجزاءهم» 15.
وقيل: (الولي) هو المتولي لأمور العالم والخلائق القائم بها، ومن أسماء الله عز وجل أيضًا: (الوالي) ، وهو مالك الأشياء جميعها والمتصرف فيها، وكأن الولاية تحمل معنى التدبير والقدرة والفعل معًا، فأي عنصر فُقِدَ منها، فلا يطلق على صاحبها اسم الوالي 16.
وهناك آيتان قرآنيتان فقط أثبتتا أن الله تعالى هو الولي، وهما: قوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الشورى:9] .
وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [الشورى:28] .
فنلحظ من قوله: {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ} في الآية الأولى أنَّ الضمير (هو) ضمير فصل يفيد التأكيد والحصر والقصر، ففي هذا التركيب قصر جنس الولي بهذا الوصف على الله تعالى وحده، وبما أن المشركين قد عبدوا غير الله عز وجل، فيكون المعنى المراد هو قصر الولاية الحقة على الله تعالى وحده. يقول ابن عاشور: «وأفاد ضمير الفصل في قوله: {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ} تأكيد القصر وتحقيقه، وأنه لا مبالغة فيه تذكيرًا بأن الولاية الحق في هذا الشأن مختصة بالله تعالى» 17.
ويظهر هذا المعنى جليًّا في قوله: {وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} حيث قصر صفة الولي والحمد على الله جل جلاله وحده دون غيره.
لأجل هذا يعترف المؤمنون دائمًا بأن الله عز وجل هو وليهم ومولاهم. يقول الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة:286] .
والمعنى أن الله تعالى لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من رحمة الله تعالى ولطفه بعباده، وللنفس الإنسانية ما كسبت من خير، فلها الثواب عليه، وعليها ما اكتسبت من الشر، فعليها العقاب عليه، ثم أرشد الله عز وجل المؤمنين إلى هذا الدعاء الذي تكفل لهم بإجابته، وهو: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} أي: لا تعاقبنا على فرضٍ تركناه، أو على حرامٍ فعلناه نسيانًا، أو أخطأنا الصواب في العمل جهلًا منا بواجبه الشرعي، ويؤيد هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) 18.
{رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} أي: لا تكلفنا من الأعمال الشاقة -وإن كانت في طاقتنا- كما كلفت الأمم الماضية قبلنا كبني إسرائيل، أما رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فتحمل التيسير والتخفيف والسماحة، فهو نبي الرحمة المهداة للأمم جميعها.
{رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} من التكليف والمصائب والبلاء، فلا تبتلينا بما لا قدرة لنا عليه من الفتن.
{وَاعْفُ عَنَّا} فيما بدر منا من معصية بيننا وبينك.
{وَاغْفِرْ لَنَا} فيما بدر منا من زلل بيننا وبين عبادك، فلا تظهرهم على عيوبنا.
{وَارْحَمْنَا} فيما يستقبل، فجنبنا وباعد بيننا وبين الوقوع في ذنوب أخرى.
{أَنْتَ مَوْلَانَا} أي: متولي أمورنا، ومالكنا، وناصرنا، وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك.
{فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، وكذبوا رسالة نبيك، وعبدوا غيرك، فأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة 19.
ونخلص من هذا إلى أن الله تعالى هو ولي المؤمنين حيث يتولى نصرهم وإرشادهم، كما يتولى ثوابهم وجزاءهم يوم الحساب، وأيضًا هو المتولي لأمور العالم والخلائق القائم بها، فهو مالك الأشياء جميعها والمتصرف فيها.
ثانيًا: ولاية عامة للخلق جميعًا:
عرفنا أن الله تعالى وحده هو المتصف بالولاية الحقة، فإذا كان كذلك فهو الأولى بالعبادة والأحق بها مما يعبد من دونه من الآلهة والأوثان؛ فلهذا السبب نعى الله عز وجل على المشركين وأنكر عليهم اتخاذهم آلهة يعبدونها من دونه جل جلاله، فقال تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الشورى:9] .
كما أخبر فيها أنه هو الولي الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده عز وجل، فإنه وحده القادر على إحياء الموتى، وهو على كل شيء قدير 20.
وكذلك قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [الشورى:28] .
فالله تعالى هو الذي ينزل المطر الغزير الذي يغيث البلاد والعباد من بعد انقطاعه مدة يظن بها الناس أنه لن يأتيهم، فينشر الله عز وجل بالمطر رحمته من إخراج الأقوات للآدميين وبهائمهم، فيستبشرون بذلك ويفرحون، فالله جل جلاله هو الولي الذي يتولى عباده بأنواع التدبير، ويتولى القيام بما يصلح لهم دينهم ودنياهم، كما أنه الحميد في تدبيره على ما له من كمال مطلق، وما يوصله إلى خلقه من ألوان الإفضال وأنواعه 21.
وفي هذا المعنى يأمر الله عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يخاطب المشركين قائلًا: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام:14] .
أي: قل لهم يا محمد: أغير الله تعالى أتخذ وليًّا معبودًا أواليه بالعبادة والمحبة، وأشركه مع الله الذي أبدع السماوات والأرض، وهو الغني عما سواه، الذي يطعم عباده ولا يطعم، ولا يحتاج إلى من يطعمه، فهو الذي يرزق ولا يرزق، كما أمرت أن أنقاد بكليتي إلى هذا الإله الحقيقي 22.
ونخلص من هذا إلى أن الله تعالى هو وحده الولي، وولايته عز وجل ليست كأي ولاية، فهو تعالى الولي الذي يتولى أمور الخلائق، وهو مالك التدبير، وهو الولي الذي صرف لخلقه ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم وأخراهم، كما أن هذه الولاية للخلق جميعًا دون تمييز بين مؤمن، أو كافر، أو منافق، فهي ولاية عامة لجميع الناس.
ثالثًا: ولاية خاصة لأوليائه وأصفيائه وموجباتها:
إن الله تعالى اصطفى أهل الإيمان من خلقه، وحظاهم وأولاهم رعايته ونصرته، فقال جل جلاله فيهم: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة:257] .
وقيل في معنى {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} أقوال، منها: الحافظ، والناصر، فهو ناصر المؤمنين وحافظهم، وسمَّى الله تعالى نفسه وليًّا؛ لأنه يلي أمور الخلق من النصر والحفظ والرزق وغيره، ومنه سمي الولي وليًّا؛ لأنه يلي أمور الناس 23.
ومعنى الآية أنَّ الله تعالى وليُّ الذين آمنوا حيث يتولاهم بالنصرة والإرشاد، فهو وحده الذي يخرجهم من ظلمات الضلالة إلى نور الهداية، أو يخرجهم من ظلمات العذاب في النار إلى نور الثواب في الجنة، ولا يقدر على هذا إلا الله عز وجل 24.
وهذا يوسف عليه السلام يقول: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف:101] .
فنادى ربه: يا رب أعطيتني من نعمة الدنيا الجاه والسلطان، ومن نعمة العلم تفسير الرؤيا، فيا مبدع السماوات والأرض وخالقهما على غير مثال سابق، أنت يا رب متولي أموري وشؤوني في الدنيا والآخرة، فاقبضني مسلمًا، واجعل لحاقي بالصالحين 25، فلا بد لهذه الولاية كي تتحقق من موجبات؛ لأن هذه الولاية لا تعطى ولا تمنح لأي شخص، وهذه الموجبات متمثلة في ثلاث:
1.الإيمان.
يقول الله عز وجل في بيان ولايته لأهل الإيمان: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَ?ذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ? وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ?68?) [آل عمران:68] .
والمعنى: إن أحق الناس بنصرة إبراهيم عليه السلام وولايته هم الذين سلكوا طريقه ومنهاجه، فوحدوا الله تعالى مخلصين له الدين غير مشركين به، ثم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بعدهم هم أولى الناس بإبراهيم عليه السلام كذلك، فإن الله تعالى سوف ينصر المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم، المصدقين له في نبوته، وفيما جاءهم به من عند الله عز وجل، فسينصرهم على من خالفهم من أهل الملل الأخرى 26.
ويقول تعالى أيضًا في هذا الصدد: (ذَ?لِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى? لَهُمْ ?11?) [محمد:11] .
والمعنى: أن الله جل جلاله هو ولي المؤمنين وناصرهم، وقد نزلت هذه الآية عقب غزوة أحد عندما صاح المشركون: يوم بيوم -يقصدون عندما انتصر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم في بدر-، لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم 27.
وفي المقابل فالكافرون لا ينصرهم من الله تعالى أحد. قال السعدي في تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ?) [البقرة:257] : «وهذا يشمل ولايتهم لربهم، بأن تولوه فلا يبغون عنه بدلًا ولا يشركون به أحدًا، قد اتخذوه حبيبًا ووليًا، ووالوا أولياءه وعادوا أعداءه، فتولاهم بلطفه ومن عليهم بإحسانه، فأخرجهم من ظلمات الكفر والمعاصي والجهل إلى نور الإيمان والطاعة والعلم، وكان جزاؤهم على هذا أن سلمهم من ظلمات القبر والحشر والقيامة إلى النعيم المقيم والراحة والفسحة والسرور» 28.
فالمؤمنون أمة واحدة يجمعها الإيمان بالله عز وجل، والتصديق بكل ما جاء به من غير تفريق بينهم بالأجناس والألوان والقوميات والأوطان، فصورة المؤمنين هذه من حيث تجمعهم هي أرقى صورة للتجمع البشري الذي يليق به.
2.التقوى.
يقول الله عز وجل في بيان ولايته لأهل التقوى: (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ? إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [الأنفال:34] .
والمعنى: ما كان الله عز وجل ليعذب المشركين والرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، لكنه سوف يعذبهم بعدما يفارقهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف لا يعذبون والحال أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عنه عام الحديبية، وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت الحرام، نصد من نشاء، وندخل من نشاء، فرد الله تعالى عليهم بقوله: (وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ) أي لم يستحقوا أن يكونوا ولاة البيت الحرام وهم مشركون، فولاته الحقيقيون هم المسلمون، وقيل: إن الضميرين في (أولياءه، أولياؤه) يرجعان إلى الله عز وجل 29.
ويقول الله تعالى أيضًا: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى? شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ?18?إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ? وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ? وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ?19?) [الجاثية:19 - 18] .