والمؤمن بالله وبالآخرة لا يستطيع أن يشغل باله -فضلًا على أن يعامل أو يعايش- من يعرض عن ذكر الله، وينفي الآخرة من حسابه؛ لأن لكل منهما منهجًا في الحياة لا يلتقيان في خطوة واحدة من خطواته، ولا في نقطة واحدة من نقاطه، وجميع مقاييس الحياة، وجميع قيمها، وجميع أهدافها، تختلف في تصور كل منهما، فلا يمكن إذن أن يتعاونا في الحياة أي تعاون، ولا أن يشتركا في أي نشاط على هذه الأرض، مع هذا الاختلاف الرئيسي في تصور قيم الحياة وأهدافها ومناهج النشاط فيها، وغاية هذا النشاط، وما دام التعاون والمشاركة متعذرين، فما داعي الاهتمام والاحتفال؟ إن المؤمن يعبث حين يحفل شأن هؤلاء الذين يعرضون عن ذكر الله، ولا يريدون إلا الحياة الدنيا، وينفق طاقته التي وهبه الله إياها في غير موضعها.
على أن للإعراض اتجاهًا آخر هو التهوين من شأن هذه الفئة، فئة الذين لا يؤمنون بالله، ولا يبتغون شيئًا وراء الحياة الدنيا، فمهما كان شأنهم فهم محجوبون عن الحقيقة، قاصرون عن إدراكها، واقفون وراء الأسوار، أسوار الحياة الدنيا» 90.
والخلاصة: أن إيثار الحياة الدنيا أساس كل بلوى، فعن هذا الإيثار ينشأ الإعراض عن الذكرى، والطغيان على أوامر الله تعالى، وعباد الله الصالحين.
رابعًا: الإفساد في الأرض:
إن الهدف الأسمى والأبرز للطاغية هو أن يحافظ على منصبه، دون أن ينازعه أو يعترض على حكمه أحد، وهو لذلك يدرك تمامًا أن هذا الأمر لا يمكن أن يتحقق إلا في بيئة فاسدة، فالطغيان كالفيروس لا ينمو ولا يتكاثر إلا في البيئات العفنة.
فـ «الحكام الطغاة كالحشرات القذرة، لا تعيش أبدًا في جو نظيف، ولا تنصب شباكها للصيد والنهب إلا حيث الغفلة السائدة، والجهالة القاتمة» 91.
يقول الكواكبي رحمه الله: «لا يخفى على المستبدّ أن لا استعباد ولا اعتساف ما لم تكن الرعية حمقاء تتخبط في ظلامة جهل وتيه عماء، فلو كان المستبد طيرًا لكان خفاشًا يصطاد هوام العوام في ظلام الجهل، ولو كان وحشًا لكان ابن آوى يتلقف دواجن الحواضر في غشاء الليل» 92.
فالطاغية لا يرضى إلا أن يمحق روحانية الأمة كلها، فلا يترك شيئًا روحانيًّا له في أعصاب الناس أثر من الوقار 93.
وكأن بين الطاغية وبين الرذيلة عهد وميثاق: أن يقوم هو بحمايتها مقابل أن تعرف له صنيعه فتحميه 94.
«فالطاغية في نسبته إلى رعيته كالوصي الخائن القوي على أيتام أغنياء، يتصرف في أموالهم وأنفسهم كما يهوى ما داموا قاصرين، فكما أنه ليس من صالح الوصي أن يبلغ الأيتام رشدهم، كذلك ليس من غرض المستبد أن تتنور الرعية بالعلم» 95.
ومن هنا نفهم سر وصف القرآن الكريم للطغاة بالمفسدين.
قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} [الفجر: 6 - 12] .
فالفساد نتيجة طبيعة ومباشرة للطغيان، يقول سيد رحمه الله معلّقًا على الآيات السابقة: «هؤلاء هم {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} وليس وراء الطغيان إلا الفساد، فالطغيان يفسد الطاغية، ويفسد الذين يقع عليهم الطغيان سواء، كما يفسد العلاقات والارتباطات في كل جوانب الحياة، ويحول الحياة عن خطها السليم النظيف، المعمر الباني إلى خط آخر لا تستقيم معه خلافة الإنسان في الأرض بحال.
إنه يجعل الطاغية أسير هواه؛ لأنه لا يفيء إلى ميزان ثابت، ولا يقف عند حد ظاهر، فيفسد هو أول من يفسد، ويتخذ له مكانًا في الأرض غير مكان العبد المستخلف، وكذلك قال فرعون: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] .
عند ما أفسده طغيانه، فتجاوز به مكان العبد المخلوق، وتطاول به إلى هذا الادعاء المقبوح، وهو فساد أي فساد» 96.
وقد وصف تبارك وتعالى رأس الطغيان -فرعون- في أكثر من آية بأنه من المفسدين.
قال سبحانه: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4] .
أي: «إنه كان ممن يفسد في الأرض بقتله من لا يستحق منه القتل، واستعباده من ليس له استعباده، وتجبّره في الأرض على أهلها، وتكبره على عبادة ربه» 97.
وقال سبحانه: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 90 - 91] .
أي: كنت من المفسدين في الأرض بضلالك عن الحق، وإضلالك لغيرك 98.
وقال عز وجل: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 103] .
«يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فانظر يا محمد بعين قلبك كيف كان عاقبة هؤلاء الذين أفسدوا في الأرض، يعني: فرعون وملأه؛ إذ ظلموا بآيات الله التي جاءهم بها موسى عليه السلام، وكان عاقبتهم أنهم أغرقوا جميعًا في البحر» 99.
للطغاة في محاربة الحق أساليب نتناولها فيما يأتي:
أولًا: إلباس الحق بالباطل:
من طبائع الطغاة وأساليبهم إلباس الحق بالباطل، وقلب الحقائق الواضحة الجلية وضوح الشمس في رابعة النهار، وقد أوضح القرآن الكريم هذه الصفة فيهم إيضاحًا كافيًا شافيًا.
فنرى الطغاة يحيلون الحق باطلًا، والباطل حقًّا، وإذا بالرسول المرسل ساحر، وإذا بالمجرم الظالم الطاغية إمام عادل.
قال تبارك وتعالى مبيّنًا حقيقة هؤلاء القوم: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} [يونس: 76 - 77] .
وقال سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا} [الإسراء: 101] .
«فكلمة الحق، وتوحيد الله، والدعوة إلى ترك الظلم والطغيان والإيذاء لا تصدر في عرف الطاغية إلا من مسحور لا يدري ما يقول! فما يستطيع الطغاة من أمثال فرعون أن يتصوروا هذه المعاني، ولا أن يرفع أحد رأسه ليتحدث عنها وهو يملك قواه العقلية!» 100.
وقال سبحانه: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56] .
فجعلوا أفضل الحسنات بمنزلة أقبح السيئات 101.
وهذه الوسيلة قد استخدمها الطغاة.
قال سبحانه: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 52 - 53] .
وليت الأمر ينتهي عند هذا الحد، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فقد قال الطاغية فرعون لقومه: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26] .
فأراد قتل موسى تحت مبرر الخوف على تبديل الدين، والخوف على البلاد من الفساد والدمار الذي سيحدثه موسى -بزعمه- «أليست هي بعينها كلمة كل طاغية مفسد عن كل داعية مصلح؟ أليست هي بعينها كلمة الباطل الكالح في وجه الحق الجميل؟ أليست هي بعينها كلمة الخداع الخبيث لإثارة الخواطر في وجه الإيمان الهادئ؟
إنه منطق واحد، يتكرر كلما التقى الحق والباطل، والإيمان والكفر، والصلاح والطغيان على توالي الزمان، واختلاف المكان، والقصة قديمة مكررة تعرض بين الحين والحين» 102.
«وهذا من أعجب ما يكون، أن يكون شر الخلق ينصح الناس عن اتباع خير الخلق هذا من التمويه والترويج الذي لا يدخل إلا عقل من قال الله فيهم: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54] » 103.
ثانيًا: تعليل ما هم عليه من الغنى والجاه لأسباب ذاتية:
من طبيعة الطاغية أن ينسب النعم التي امتن الله بها عليه إلى أسباب ذاتية، فيزعم أنه حصل عليها بحذقه وذكائه، وورثها كابر عن كابر.
يقول تبارك وتعالى مخبرًا عن قارون: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص: 78] .
قال سيد رحمه الله: «إنما أوتيت هذا المال استحقاقًا على علمي الذي طوع لي جمعه وتحصيله، فما لكم تملون عليّ طريقة خاصة في التصرف فيه، وتتحكمون في ملكيتي الخاصة، وأنا إنما حصّلت هذا المال بجهدي الخاص، واستحققته بعلمي الخاص؟
إنها قولة المغرور المطموس الذي ينسى مصدر النعمة وحكمتها، ويفتنه المال، ويعميه الثراء.
وهو نموذج مكرر في البشرية، فكم من الناس يظن أن علمه وكده هما وحدهما سبب غناه، ومن ثم فهو غير مسئول عما ينفق وما يمسك، غير محاسب على ما يفسد بالمال وما يصلح، غير حاسب لله حسابًا، ولا ناظر إلى غضبه ورضاه! والإسلام يعترف بالملكية الفردية، ويقدر الجهد الفردي الذي بذل في تحصيلها من وجوه الحلال التي يشرعها، ولا يهوّن من شأن الجهد الفردي أو يلغيه، ولكنه في الوقت ذاته يفرض منهجًا معينًا للتصرف في الملكية الفردية -كما يفرض منهجًا لتحصيلها وتنميتها- وهو منهج متوازن متعادل، لا يحرم الفرد ثمرة جهده، ولا يطلق يده في الاستمتاع به حتى الترف، ولا في إمساكه حتى التقتير، ويفرض للجماعة حقوقها في هذا المال، ورقابتها على طرق تحصيله، وطرق تنميته، وطرق إنفاقه والاستمتاع به، وهو منهج خاص واضح الملامح متميز السمات.
ولكن قارون لم يستمع لنداء قومه، ولم يشعر بنعمة ربه، ولم يخضع لمنهجه القويم، وأعرض عن هذا كله في استكبار لئيم، وفي بطر ذميم.
ومن ثم جاءه التهديد قبل تمام الآية، ردًّا على قولته الفاجرة المغرورة: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص: 78] .
فإن كان ذا قوة وذا مال فقد أهلك الله من قبله أجيالًا كانت أشد منه قوة، وأكثر مالًا، وكان عليه أن يعلم هذا، فهذا هو العلم المنجي، فليعلم؛ وليعلم أنه هو وأمثاله من المجرمين أهون على الله حتى من أن يسألهم عن ذنوبهم، فليسوا هم الحكم ولا الأشهاد!» 104.
وأخبر تبارك وتعالى عن فرعون أنه قال: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف:51] .
فأخبر سبحانه عن فرعون وطغيانه وعناده أنه نادى في قومه متبجّحًا مفتخرًا مغرورًا بملك مصر وتصرفه فيها: أليس لي ملك مصر لا ينازعني فيه أحد، ولا يخالفني فيه مخالف، وهذه الأنهار تجري من تحتي، أنهار النيل وفروعه، وهي تجري من تحت قصري، أو بين يدي في جناني، أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والملك، وما يظنّ فرعون أن تبيد هذه أبدًا، وما قد مكّن له من الدنيا استدراجًا من الله له، وحسب أن الذي هو فيه من ذلك ناله بيده، وحول منه وقوة، وأن موسى إنما لم يصل إلى الذي يصفه، فنسبه من أجل ذلك إلى المهانة، وهذا أشدّ الوهم من فرعون؛ إذ خيّل إليه أن ما قاله حجة مقنعة لقومه، وهذا هو حال الطغاة المجرمين.
ثالثًا: كل من خالفهم فهو على الباطل:
قد يظهر الطاغية حرصه على المشورة في الأمور، ويستشير ملأه المقربين منه؛ لتمام معرفته أنهم لن يخالفوا له رأي، فهذا فرعون يستشير قومه في قتل موسى، وهو الذي قتل في بني إسرائيل وأثخن، قال الله: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26] .
ولم يخطر على باله على الإطلاق أن أحدًا سيعترض عليه في قتل موسى، فلسان حاله: أنا لم أجعلكم في هذه المنزلة، وأمنحكم هذه الرتبة لتعترضوا علي، بل لتأمّنوا على ما أقول، أنسيتم أني ربكم الأعلى؟
فاعترض عليه أحد الحاضرين {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28] .
فلما سمع فرعون هذا الكلام أفصح عما في نفسه من غطرسة، ولسان حاله: من ليس معنا فهو عدونا، من خالفني فهو على باطل.
{قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29] .
فإذا تأملنا هذه الكلمات التي قالها فرعون وجدناها تدل دلالة واضحة على الفكر الإقصائي الذي كان يحمله الطاغية فرعون {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى} فلا ينبغي أن يرى الناس إلا ما رآه، ولا يمكن لهم أن يفكروا إلا بتفكيره، ولا نظر إلا نظره، فهو على الصواب وغيره على الخطأ، وهو المبصر، وهم العميان.
ولا هداية إلا ما يراه هو، كلامه رشاد، وكلام غيره غي، هو كل شيء، وغيره لا شيء، يقول سيد رحمه الله: «إنني لا أقول لكم إلا ما أراه صوابًا، وأعتقده نافعًا، وإنه لهو الصواب والرشد بلاشك ولا جدال! وهل يرى الطغاة إلا الرشد والخير والصواب؟ وهل يسمحون بأن يظن أحد أنهم قد يخطئون؟! وهل يجوز لأحد أن يرى إلى جوار رأيهم رأيًا؟ وإلا فلم كانوا طغاة؟» 105.
ويقول السعدي رحمه الله في تفسيره: «رأى أن يستخفّ قومه فيتابعوه؛ ليقيم بهم رياسته، ولم ير الحق معه، بل رأى الحق مع موسى، وجحد به، مستيقنًا له.
وكذب في قوله: {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29] .
فإن هذا قلب للحق، فلو أمرهم باتباعه اتباعًا مجردًا على كفره وضلاله لكان الشر أهون؛ ولكنه أمرهم باتباعه، وزعم أن في اتباعه اتباع الحق، وفي اتباع الحق اتباع الضلال» 106.
«فالطاغية يتحكم في شئون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المعتدي، فيضع رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها من النطق بالحق والتعدي لمطالبته» 107.
«إنه يعدم إرادة الناس، ويجهز عليها، ويدمر حرية الإنسان التي هي أهم جزء من كرامته» 108.
«فالحاكم المجرم يريد جوًّا يسوده الصمت الرهيب؛ لأنه يدري أن الأفواه لو نطقت فستفضح خبأه، وتكشف سره، وهنا الطامة الكبرى؛ لذلك من خصائص الاستبداد السياسي في كل زمان ومكان كرهه الشديد لحرية النقد والتوجيه» 109.
رابعًا: الاستهزاء:
من وسائل الطغاة الاستهزاء، واحتقار الصالحين، وقد حكى الله تبارك وتعالى لنا في كتابه ما كان عليه أهل الطغيان من استهزاء بالأنبياء المرسلين.
قال سبحانه وتعالى: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الزخرف: 6 - 7] .
فعلى هذا النحو الذي تلقّى به المكذّبون أتباع الرسل ما جاءهم به رسلهم، يتلقّى المكذّبون المجرمون من أتباعك ما جئتهم به 110.
وقال جل في علاه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ} [الزخرف: 46 - 47] .
واستهزأ قوم نوح عليه السلام به: {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} [هود: 38] .
واستهزأت عاد بهود عليه السلام {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء: 187] .
وقالوا لنبييهم: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [الأعراف: 66] .
واستهزؤوا بشعيب عليه السلام {قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87] .
واحتقر فرعون موسى عليه السلام {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف: 52] .
وقال عن قوم موسى: {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء: 54 - 56] .
والمتأمل يدرك أن فرعون كاذب في دعواه؛ إذ لو كان الأمر كذلك فلم جمع لهم خيله ورجله، يقول سيد قطب رحمه الله: «ولكن هذا الجمع قد يشي بانزعاج فرعون، وبقوة موسى ومن معه، وعظم خطرهم، حتى ليحتاج الملك الإله -بزعمه! - إلى التعبئة العامة، ولابد إذن من التهوين من شأن المؤمنين {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} ففيم إذن ذلك الاهتمام بأمرهم، والاحتشاد لهم، وهم شرذمة قليلون!» 111.
وقد احتقر كفار قريش نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، واستبعدوا أن تكون الرسالة نزلت على رجل مثله، واقترحوا أن تكون الرسالة {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] .
«والواقع أن السخرية والاستهزاء من أمضى أدوات النفوذ والتأثير على الآخرين؛ ذلك أنها من أشد الأمور إيلامًا لأصحاب المروءة، فتحجزهم عن كثير من المواقف تحاشيًا أن يقعوا في مثار سخرية أو موضع استخفاف؛ ولذلك نبّه الله الرسل والمصلحين على استغلال خصوم الدعوات الإلهية لهذه السلطة، فقال تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنعام: 10] .
وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الحجر: 10 - 11] » 112.
خامسًا: اتهام المصلحين بالتهم الكاذبة، والتحريض عليهم:
الملاحظ على الطاغية قيامه بحملة تحريضية كاذبة واسعة النطاق ضد المصلحين، فهذا فرعون وقومه اتهموا موسى عليه السلام بسعيه إلى الاستيلاء على الأرض والوطن، قال سبحانه: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الأعراف: 109 - 110] .
وقال: {قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى} [طه: 57] .
فهم «يصرّحون بالنتيجة الهائلة التي تتقرر من إعلان تلك الحقيقة، إنها الخروج من الأرض، إنها ذهاب السلطان، إنها إبطال شرعية الحكم، أو محاولة قلب نظام الحكم بالتعبير العصري الحديث» 113.
كما أن الطاغية يسعى جاهدًا إلى اتهام كل مصلح بالتآمر على البلاد والعباد، قال سبحانه: {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 123] .