فهرس الكتاب

الصفحة 877 من 2431

الأمة حجة؛ لأنها لو لم تحكم بالحق، لم تكن خيرًا من المبطل؛ ولأن اللام في {بِالْمَعْرُوفِ} وفي {الْمُنْكَرِ} ؛ للاستغراق فيقتضي كونهم آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر، فيكون إجماعهم حقًا 101.

قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة: 213] ، هذه هي سنة الله تعالى في إرسال رسله للبشرية؛ ليهدوهم إلى صراط مستقيم الذي يجمع كلمتهم ويوحد صفهم، وقد وعد الله تعالى بالنعيم المقيم لكل أمة استجابت لرسولها وآمنت به، وتوعد كل أمة كذبت رسولها بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، فكانت هذه هي آجال الأمم المرسومة في كتاب الله تعالى، وهذا ما سنوضحه بشيء من التفصيل فيما يأتي:

أولًا: لكل أمة أجل:

ذكر الله جل وعلا في كتابه الكريم بأن لكل أمة أجلًا، وأنه لا يسبق أحد أجله المحدد له، ولا يتأخر عنه.

قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34] .

قال الخازن في هذه الآية: «قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} الأجل: الوقت المؤقت لانقضاء وقت المهلة، ثم في هذا الأجل المذكور في الآية قولان:

أحدهما: أنه أجل العذاب، والمعنى: أن لكل أمة كذبت رسله وقتًا معينًا، وأجلًا مسمى أمهلهم الله إلى ذلك الوقت {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} يعني: إذا حل وقت عذابهم {لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} يعني: فلا يؤخرون ولا يمهلون قدر ساعة ولا أقل من ساعة، وإنما ذكرت الساعة؛ لأنها أقل أسماء الوقت في العرف، وهذا حين سألوا نزول العذاب، فأخبرهم الله تعالى أن لهم وقتًا إذا جاء ذلك الوقت هو وقت إهلاكهم واستئصالهم، فلا يؤخرون عنه ساعة ولا يستقدمون.

والقول الثاني: أن المراد بهذا الأجل هو أجل الحياة والعمر، فإذا انقضى ذلك الأجل وحضر الموت، فلا يؤخر ساعة ولا يقدم ساعة، وعلى هذا القول يلزم أن يكون لكل واحد أجل لا يقع فيه تقديم ولا تأخير، وإنما قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ} ؛ لتقارب أعمار أهل كل عصر، فكأنهم كالواحد في مقدار العمر» 102.

وأما ابن عاشور فقال في هذه الآية: «وليس المراد في الآية، بأجل الأمة، أجل أفرادها، وهو مدة حياة كل واحد منها؛ لأنه لا علاقة له بالسياق، ولأن إسناده إلى الأمة يعين أنه أجل مجموعها لا أفرادها، ولو أريد آجال الأفراد لقال: لكل أحد أو لكل حي أجل» 103.

والأجل يطلق على مدة الإمهال، ويطلق على الوقت المحدد به انتهاء الإمهال، ولا شك أنه وضع في الآية لأحد الأمرين، ثم استعمل في الآخرة على تأويل منتهى المدة، أو تأخير المنتهى، وشاع الاستعمالان.

فعلى الأول: يقال: قضى الأجل، أي: المدة، كما قال تعالى: {أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ} [القصص: 28] .

وعلى الثاني: يقال: دنا أجل فلان.

وقوله تعالى: {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا} [الأنعام: 128] ، والواقع في هذه الآية يصح للاستعمالين بأن يكون المراد بالأجل الأول المدة، وبالثاني الوقت المحدد لفعل ما 104، والغرض من ذكر الأجل هو التخويف؛ ليتشدد المرء في القيام بالتكاليف كما ينبغي 105.

وذكر عموم الأمم في هذا الوعيد، مع أن المقصود هم المشركون من العرب الذين لم يؤمنوا، إنما هو مبالغة في الإنذار والوعيد بتقريب حصوله كما حصل لغيرهم من الأمم على طريقة الاستشهاد بشواهد التاريخ في قياس الحاضر على الماضي، فيكون الوعيد خبرًا معضودًا بالدليل والحجة، كما قال تعالى في آيات كثيرة منها: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137] 106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت