فهرس الكتاب

الصفحة 868 من 2431

وقال البيضاوي في هذه الآية: «بين الله تعالى أن البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم كلها سببًا لهدى من أراد اهتداءه وزيادة لضلال من أراد ضلاله، كالغذاء الصالح فإنه ينفع المزاج السوي ويقويه، ويضر المنحرف ويفنيه» 33.

وقال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [يونس: 47] .

قال أبو حيان: «لما بين حال الرسول صلى الله عليه وسلم في قومه بين حال الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- مع أقوامهم؛ تسلية له وتطمينًا لقلبه، ودلت الآية على أنه تعالى ما أهمل أمة، بل بعث إليها رسولًا 34.

وقال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] .

قال الرازي في هذه الآية: «لما قال: {إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ} بين أنه ليس نذيرًا من تلقاء نفسه إنما هو نذير بإذن الله وإرساله، ثم قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} تقريرًا لأمرين؛ أحدهما: لتسلية قلبه حيث يعلم أن غيره كان مثله محتملًا لتأذي القوم. وثانيهما: إلزام القوم قبوله، فإنه ليس بدعًا من الرسل، وإنما هو مثل غيره يدعي ما ادعاه الرسل ويقرره» 35.

وقال ابن عاشور: «وفيه دفع توهم أن يكون قصره على النذارة قصرًا حقيقًا؛ لتبين أن قصره على النذارة بالنسبة للمشركين الذين شابه حالهم حال أصحاب القبور، أي: إن رسالتك تجمع بشارة ونذارة، فالبشارة لمن قبل الهدى، والنذارة لمن أعرض عنه، وكل ذلك حق؛ لأن الجزاء على حسب القبول، فهي رسالة ملابسة للحق ووضع الأشياء مواضعها ... ، وقوله: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} إبطال لاستبعاد المشركين أن يرسل الله إلى الناس بشرًا منهم، فإن تلك الشبهة كانت من أعظم ما صدهم عن التصديق به، فلذلك أتبعت دلائل الرسالة بإبطال الشبهة الحاجبة على حد قوله تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 9] ، وأيضًا في ذلك تسفيه لأحلامهم إذ رضوا أن يكونوا دون غيرهم من الأمم التي شرفت بالرسالة، ووجه الاقتصار على وصف النذير هنا دون الجمع بينه وبين وصف البشير هو مراعاة العموم الذي في قوله: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} ، فإن من الأمم من لم تحصل لها بشارة؛ لأنها لم يؤمن منها أحد» 36.

ثانيًا: موقف الأمم من الرسل:

أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم في أكثر من آية موقف الأمم السابقة من رسلهم، حيث وجد الرسول صلى الله عليه وسلم من يكذب به وبرسالته، فبين الله تعالى أن الأمم السابقة قد حدث فيها هذا أيضًا، وهي سنة أمثالهم من كفرة الأمم بالله من قبلهم وتكذيبهم رسل الله التي أرسلها إليهم.

قال تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} [فاطر: 25] .

قال المراغي في هذه الآية: «وإن يكذبك أيها الرسول مشركو قومك فلا تبتئس بما يفعلون، فقد كذب الذين من قبلهم من الأمم رسلهم الذين جاءوهم بالمعجزات الباهرة، والأدلة القاطعة، وبالكتب الواضحة كالتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وزبور داود» 37.

فكانت تلك الآيات تعزية وتسلية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم حتى يثبت في دعوته.

قال تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [الحج: 42 - 44] .

قال الطبري في هذه الآية: «يقول تعالى ذكره مسليًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم عما يناله من أذى المشركين بالله، وحاضًا له على الصبر على ما يلحقه منهم من السب والتكذيب: وإن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله على ما آتيتهم به من الحق والبرهان، وما تعدهم من العذاب على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت