أي: إذا نظرت إليهم تروقك هيئاتهم ومناظرهم لما فيها من النضارة والرونق، وجمال الصورة، واعتدال الخلقة، وإن تكلموا حسن السماع لكلامهم، وظن أن قولهم حق وصدق؛ لفصاحتهم وحلاوة منطقهم، كأنهم أخشاب جوفاء منخورة مستندة إلى الحيطان، فهم مجرد كتل بشرية، لا تفهم ولا تعلم، وكانت لهم أجسام ومنظر تعجبك لحسنها وجمالها، وكان عبد الله بن أبيّ جسيمًا صبيحًا فصيحًا.
ومع ذلك كله فهم في غاية الضعف والخور والجبن، يحسبون كل صيحة يسمعونها أنها واقعة عليهم، نازلة بهم لإحساسهم بالهزيمة من الداخل، فهم الأعداء الألداء، فاحذر مؤامرتهم، ولا تطلعهم على شيء من أسرارك، لأنهم عيون لأعدائك من الكفار، لعنهم الله وطردهم من رحمته وأهلكهم، كيف يصرفون عن الحق والهدى إلى الكفر والضلال 112.
{هُمُ الْعَدُوُّ} على الحقيقة، لأن العدو البارز المتميز، أهون من العدو الذي لا يشعر به، وهو مخادع ماكر، يزعم أنه ولي، وهو العدو المبين 113. {فَاحْذَرْهُمْ} أي: احذر أن تأمنهم على سرك؛ لأنهم عيون لأعدائك من الكفار 114.
قال سيد قطب: «يصف الله المنافقين في الآية بأنهم أجسام تعجب الناظرين إليها، لكنهم حين يتكلمون وينطقون تدرك أنهم فارغون من كل معنى وحس وإدراك، فهم أشكال متحركة لكن قلوبهم خاوية من الإيمان والثقة بأنفسهم، وهم يخشون في كل لحظة أن يكون أمرهم قد ظهر وبان، وسترهم قد انكشف، يتوجسون من كل حركة، ومن كل صوت، يحسبونه يطلبهم وقد عرف حقيقتهم، وهم بهذا يمثلون العدو الأول في المجتمع المسلم، عداوتهم نابعة من كفرهم الذي يخفونه في صدورهم مع تظاهرهم بالإيمان المزعوم {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} عدوٌ كامن يتربص الدوائر بالمؤمنين، وينتظر لحظة يشفي فيها غليله من المؤمنين، وهو بذلك أشد خطرًا من العدو الخارجي المعروف، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بقتلهم، بل أخذهم بخطة أخرى فيها حكمة وسعة وثقة بالنجاة من كيدهم» 115.
وفي قوله تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون: 4] وجهان:
أحدهما: فاحذر أن تثق بقولهم أو تميل إلى كلامهم.
الثاني: فاحذر ممايلتهم لأعدائك وتخذيلهم لأصحابك 116.
وفي هذا الآية «ما يشعر بحصر العداوة في المنافقين مع وجودها في المشركين واليهود، ولكن إظهار المشركين شركهم، وإعلان اليهود كفرهم مدعاة للحذر طبعًا.
أما هؤلاء فادعاؤهم الإيمان وحلفهم عليه، قد يوحي بالركون إليهم -ولو رغبة في تأليفهم-، فكانوا أولى بالتحذير منهم لشدة عداوتهم ولقوة مداخلتهم مع المسلمين، مما يمكنهم من الاطلاع على جميع شؤونهم» 117.
ووصفهم الله تعالى في هذه الآية بالعداوة؛ لأن التحذير منهم يقتضي وصفهم بالعداوة لا بالجبن 118.
وفي هذه الآيات تحذير من الاغترار بالمظاهر كحسن الهندام وفصاحة اللسان، فالحكم على الناس لا يكون بالأشكال والهيئات والمناظر، وإنما يكون بالحقائق المدركة، والأفعال الواقعة، والأقوال الصادقة، وقد كان المنافقون حسان الهيئة، فصيحي اللسان، ولكنهم أشباح بلا أرواح، وصور بلا معان.
فهم أعداء المؤمنين، الكاملون في العداوة لله ورسوله، فينبغي الحذر من أقوالهم، والحرص من تآمرهم.
تاسعًا: الحذر من طاعة الأزواج والأولاد فيما يغضب الله:
حب المسلم لأهله وولده قد يقعد به عن الجهاد في سبيل الله، ويحبب إليه الامتناع عن البذل حيث يحب الله منه البذل، وقد يمنعونه فعلًا عن الجهاد وعن العمل؛ ليوفر لهم الراحة والطمأنينة في زعمهم، وقد يستجيب لهم فيكون فعلهم هذا فعل الأعداء، والعدو يستحق الحذر والإفلات من مكيدته.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التغابن: 14 - 15] .
فحذّر الله تعالى من فتنة الأزواج والأموال والأولاد، الذين يكونون سببًا في التقصير بالطاعة، والتورّط أحيانًا في المعصية، وناسب ذلك أن يأمر الله بالتقوى والإنفاق في سبيل الله؛ لأن ذلك هو رأس مال الإنسان، وسبيل إسعاده في الدنيا والآخرة، فلكل مرض علاج، وعلاج الانحراف المبادرة إلى الاستقامة، والتزام جادة الامتثال والطاعة 119.
عن ابن عباس قال: كان الرجل يسلم، فإذا أراد أن يهاجر منعه أهله وولده وقالوا: ننشدك الله أن تذهب فتدع أهلك وعشيرتك، وتصير إلى المدينة بلا أهل ولا مال، فمنهم من يرق لهم، ويقيم ولا يهاجر، فأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} .
قال عكرمة وابن عباس: وهؤلاء الذين منعهم أهلهم عن الهجرة لما هاجروا، ورأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوا أهليهم الذين منعوهم، فأنزل الله تعالى: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 120.
وأخرج الطبري عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة التغابن كلها بمكة، إلا هؤلاء الآيات {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} نزلت في عوف بن مالك الأشجعيّ، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورقّقوه، فقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرقّ ويقيم، فنزلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} 121.
ووجه عدواتهم كما يقول ابن العربي المالكي: «إن العدو لم يكن عدوًّا لذاته، وإنما كان عدوًّا بفعله، فإذا فعل الزوج والولد فعل العدو؛ كان عدوًّا، ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد والطاعة» 122.
وهذا التنبيه والتحذير من الأزواج والأولاد يشير إلى حقيقة عميقة في الحياة البشرية، فالأزواج والأولاد قد يكونون مشغلة ملهاة عن ذكر الله، وقد يكونون دافعًا للتقصير في تبعات الإيمان، فيبخل ويجبن؛ ليوفر لهم الأمن والقرار، أو المتاع والمال، فيكونون بهذا عدوًّا له؛ لأنهم صدوه عن الخير، وهذا هو دافع التحذير من الله تعالى للمؤمنين؛ لإثارة اليقظة في قلوبهم، والحذر من تسلل هذه المشاعر، ثم كرر هذا التحذير في صورة أخرى من فتنة الأموال والأولاد.
وقد يراد بالفتنة الاختبار، فهذا يحتاج إلى تنبه وحذر ويقظة للنجاح في الابتلاء والامتحان، وقد يراد بها أنها توقعكم في المخالفة والمعصية، فلا بد من الحذر أيضًا حتى لا تجرفكم الفتنة وتبعدكم عن الله تعالى 123.
وفي قوله تعالى: {عَدُوًّا لَكُمْ} ثلاثة أقوال:
أحدها: بمنعهم من الهجرة، وهو قول ابن عباس.
والثاني: بكونهم سببًا للمعاصي، وهو قول مجاهد.
والثالث: بنهيهم عن الإسلام، وهو قول قتادة 124.
قال السعدي: «هذا تحذير من الله للمؤمنين، من الاغترار بالأزواج والأولاد؛ فإن بعضهم عدو لكم، والعدو هو الذي يريد لك الشر، ووظيفتك الحذر ممن هذه وصفه، والنفس مجبولة على محبة الأزواج والأولاد؛ فنصح تعالى عباده أن توجب لهم هذه المحبة الانقياد لمطالب الأزواج والأولاد، ولو كان فيها ما فيها من المحذور الشرعي، ورغبهم في امتثال أوامره، وتقديم مرضاته بما عنده من الأجر العظيم المشتمل على المطالب العالية والمحاب الغالية، وأن يؤثروا الآخرة على الدنيا الفانية المنقضية، ولما كان النهي عن طاعة الأزواج والأولاد، فيما هو ضرر على العبد، والتحذير من ذلك، قد يوهم الغلظة عليهم وعقابهم، أمر تعالى بالحذر منهم، والصفح عنهم والعفو، فإن في ذلك، من المصالح ما لا يمكن حصره، فقال: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ؛ لأن الجزاء من جنس العمل.
فمن عفا عفا الله عنه، ومن صفح صفح الله عنه، ومن غفر غفر الله له، ومن عامل الله فيما يحب، وعامل عباده كما يحبون وينفعهم؛ نال محبة الله ومحبة عباده، واستوثق له أمره» 125.
-أولًا: حذر المؤمنين:
غاية الدعوة إلى الله التبشير بهذا الدين، وتبليغ أحكامه، وتخويف الناس عن ارتكاب ما نهى الله عنه، بطريقة وأسلوب يورث الحذر منه سبحانه وتعالى ويحقق الخشية المطلوبة؛ فأمر الله المؤمنين بالتفقه في الدين؛ ليتم الإنذار من خلاله، ويتحقق الحذر من بطش الله وعذابه فقال: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] .
قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما أنزل الله تعالى عيوب المنافقين؛ لتخلفهم عن الجهاد، قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سرية أبدًا، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسرايا إلى العدو نفر المسلمون جميعًا، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده بالمدينة، فأنزل الله تعالى هذه الآية 126.
قال النحاس: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} لفظ خبر، ومعناه أمر 127.
والمعنى: لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا كلهم إلى الجهاد، بل يجب أن يصيروا طائفتين، طائفة تبقى في خدمة الرسول، وطائفة أخرى تنفر للجهاد؛ وذلك لأن الإسلام في ذلك الوقت كان محتاجًا إلى الجهاد، و أيضًا كانت التكاليف والشرائع تنزل، وكان بالمسلمين حاجة إلى من يكون مقيمًا بحضرة الرسول عليه الصلاة والسلام يتعلم تلك الشرائع والتكاليف، ويبلغها للغائبين، وبهذا الطريق يتم أمر الدين، وعلى هذا القول ففيه احتمالان:
أحدهما: أن تكون الطائفة المقيمة هم الذين يتفقهون في الدين لملازمتهم الرسول عليه الصلاة والسلام، ومشاهدتهم التنزيل؛ فكلما نزل تكليف وشرع؛ عرفوه وحفظوه، فإذا رجعت الطائفة النافرة من الغزو؛ أنذرتهم المقيمة ما تعلموه من التكاليف والشرائع، وعلى هذا فلا بد من إضمار، والتقدير: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، وأقامت طائفة؛ لتفقه المسلمين في الدين، ولينذروا قومهم، يعني النافرين إلى الغزو إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون معاصي الله تعالى.
والاحتمال الثاني: أن التفقه صفة للطائفة النافرة ... والمعنى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة؛ حتى تصير هذه الطائفة النافرة فقهاء في الدين، أي: أنهم إذا شاهدوا ظهور المسلمين على المشركين، وأن العدد القليل منهم يغلبون العالم من المشركين؛ فيتبصروا ويعلموا أن ذلك بسبب أن الله تعالى خصهم إلى قومهم من الكفار أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النصر، والفتح، والظفر، لعلهم يحذرون؛ فيتركوا الكفر والنفاق 128.
قال الإمام الطبري: «إن أولى الأقوال بالصواب من قال: ليتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله أهل دينه وأصحاب رسوله على أهل عداوته والكفر به؛ فيفقه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الإسلام وظهوره على الأديان من لم يكن فقهه، ولينذروا قومهم فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس الله مثل الذي نزل بمن شاهدوا وعاينوا ... لعل قومهم إذا هم حذروهم ما عاينوا من ذلك يحذرون، فيؤمنون بالله ورسوله، حذرًا أن ينزل بهم ما نزل بالذين أخبروا خبرهم» 129.
قال سيد قطب: «إن هذا الدين منهج حركي، لا يفقهه إلا من يتحرك به، فالذين يخرجون للجهاد به هم أولى الناس بفقهه؛ بما يتكشف لهم من أسراره ومعانيه، وبما يتجلى لهم من آياته وتطبيقاته العملية في أثناء الحركة به. أما الذين يقعدون؛ فهم الذين يحتاجون أن يتلقوا ممن تحركوا؛ لأنهم لم يشاهدوا ما شاهد الذين خرجوا، ولا فقهوا فقههم، ولا وصلوا من أسرار هذا الدين إلى ما وصل إليه المتحركون، وبخاصة إذا كان الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والخروج بصفة عامة أدنى إلى الفهم والتفقه.
ولعل هذا عكس ما يتبادر إلى الذهن، من أن المتخلفين عن الغزو والجهاد والحركة، هم الذين يتفرغون للتفقه في الدين! ولكن هذا وهم، لا يتفق مع طبيعة هذا الدين .. إن الحركة هي قوام هذا الدين، ومن ثم لا يفقهه إلا الذين يتحركون به، ويجاهدون لتقريره في واقع الناس، وتغليبه على الجاهلية، بالحركة العملية 130.
وللجمع بين القولين: لا بأس أن تنذر كل فئة الأخرى، فالذين تعلموا دين الله ولم يخرجوا للجهاد تعلم الفئة التي خرجت، وفي المقابل الذين خرجوا للجهاد تعلم الذين لم يخرجوا، حتى يتم الإنذار الكامل، ويتحقق الحذر من عذاب الله تعالى.
وفي قوله: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} الترجي لوقوع الحذر منهم عن التفريط فيما يجب فعله: فيترك، أو فيما يجب تركه: فيفعل 131.
ولعل السبب في حذف مفعول يحذون؛ «للتعميم، أي: يحذرون ما يحذر، وهو فعل المحرمات وترك الواجبات. واقتصر على الحذر دون العمل؛ للإنذار؛ لأن مقتضى الإنذار التحذير، وقد علمت أنه يفيد الأمرين» 132.
وقد جعل الله سبحانه الغرض من هذا هو التفقه في الدين، وإنذار من لم يتفقه، فجمع بين المقصدين الصالحين، والمطلبين الصحيحين، وهما تعلم العلم، وتعليمه، فمن كان غرضه بطلب العلم غير هذين، فهو طالب لغرض دنيوي، لا لغرض ديني 133
وفي هذه الآية دليل بأنه يجب قبول قول العلماء، فقد أوجب سبحانه الحذر بإنذارهم، وألزم المنذرين قبول قولهم، فجاز لهذا المعنى إطلاق اسم أولي الأمر عليهم 134.
وفى الآية دليل على أن التفقه والتذكير من فروض الكفاية، وأنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم الاستقامة والإقامة، لا الترفع على الناس بالتصدر والترؤس 135.
وفي الآية دليل على أن الجهاد فرض كفاية إذا قام به جماعة سقط عن الباقين، إلا عند النفير العام حتى يصير فرضًا على الأعيان 136.
وفي هذه الآية أيضًا دليل وإرشاد وتنبيه لطيف؛ لفائدة مهمة، وهي: أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها؛ لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصدًا واحدًا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق، وتعددت المشارب؛ فالأعمال متباينة، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور 137.
ثانيًا: حذر المنافقين واليهود:
إحساس المنافقين بنفاقهم جعلهم يحذرون من نزول آيات قرآنية تتلى في حقهم، وتكشف أمرهم، وتهتك سترهم، وتعلن للملأ حقيقة أمرهم، وقد وقع ما كانوا يتخوفون منه، فنزل قول الله تعالى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ} [التوبة: 64] .
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ} «في شأن المنافقين تخبرهم بمخازيهم ومساوئهم ومثالبهم، ولهذا سميت بالفاضحة والمثيرة والمبعثرة، وقال الحسن: كانوا يسمون هذه السورة الحفّارة؛ لأنها حفرت ما في قلوب المنافقين فأظهرتها» 138.
وكان المنافقون إذا عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكروا شيئًا من أمره وأمر المسلمين، قالوا: لعلّ الله لا يفشي سرّنا، فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم: استهزئوا، متهددًا لهم ومتوعدًا: {إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ} 139.
قال السدي: قال بعض المنافقين: والله لوددت أني قدمت؛ فجلدت مائة، ولا ينزل فينا شيء يفضحنا، فأنزل الله هذه الآية. وقال مجاهد: كانوا يقولون القول بينهم ثم يقولون: عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا 140.
وهذا أسلوب إعلامي قديم يستخدمه أعداء الإسلام بقصد قلب الحقائق أو تزييف الوعي، فقد كانوا يحرصون كل الحرص على إخفاء مخططاتهم واجتماعاتهم بل وحتى بعض عباراتهم.
والحقيقة أن المنافقين يعرفون حقيقة أمرهم، فهم غير مؤمنين بالله والرسول، وهم شاكون مرتابون في الوحي، قلقون مضطربون، والشك والقلق يدعوهم على الحذر والخوف؛ لذا وصفهم الله تعالى بقوله: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ} أي: يخاف المنافقون، ويتحرزون أن تنزل على المؤمنين سورة تكشف أحوالهم، وتفضح أسرارهم، وتبين نفاقهم، كهذه التي سميت الكاشفة والفاضحة والمنبئة، التي تنبئ المؤمنين بما في قلوب المنافقين، وتخبرهم بحقيقة وضعهم، فيفتضح أمرهم، وتنكشف أسرارهم 141.
والخلاصة أن هذه الآية كشفت عن مدى ما كان يعيش عليه المنافقون من الحذر والخوف.
وقد حذر المنافقين واليهود من الحكم بما أنزل الله.
شارك المنافقون اليهود في البعد من اللجوء إلى الأحكام بما أنزل الله، وكان همهم تخفيف العقوبة عن أنفسهم وليس إنزال القصاص على أنفسهم، قال تعالى في شأنهم: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 41] .
وكان سبب نزول هذه الآيات ما أخرجه الإمام مسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (مُرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محممًا مجلودًا، فدعاهم صلى الله عليه وسلم، فقال:(هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟) ، قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: (أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم) قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف؛ تركناه، وإذا أخذنا الضعيف؛ أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم، والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه) ، فأمر به فرجم، فأنزل الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} إلى قوله: {وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} يقول: ائتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا) 142.
والمعنى: أي: لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في إظهار الكفر، والانحياز إلى جانب الأعداء، كلما سنحت لهم الفرصة؛ فإني ناصرك عليهم، وكافيك شرهم، وليس المراد النهي عن الحزن ذاته؛ لأنه أمر طبعي جبلّي، لا اختيار للإنسان فيه، ولا تكليف به، وإنما المراد النهي عن لوازمه من مقدمات ونتائج من تعظيم شأن الحزن، وتعاطي أسبابه 143.
وقد تآمر اليهود مع المنافقين على أن يأخذوا من النبي صلى الله عليه وسلم عقابًا مخففًا عن حكم الله تعالى، ولكن الله تعالى كشف كيدهم بقوله: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} .
أي: إن أجبتم بمثل ما تهوون؛ فاقبلوه، وإن لم تجابوه؛ فاحذروا قبوله. وإنما قالوا: فاحذروا؛ لأنه يفتح عليهم الطعن في أحكامهم التي مضوا عليها وفي حكامهم الحاكمين بها 144.
وفي ترتيب الأمر بالحذر على مجرد عدم إيتاء المحرف، إشارة إلى تخوفهم الشديد من ميل أتباعهم إلى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم يحذرونهم بشدة من الاستماع إلى ما يقوله لهم، مما يخالف ما تواضعوا عليه من أباطيل 145.