أحدهما: يستحقه لذاته، وهو أنه عالم.
والآخر: يستحقه لفعله، وهو أن أفعاله محكمة.
وفعيل بمعنى مفعل معروف في اللغة، يقال: سمع بمعنى سميع، قال عمرو بن معدي كرب: أمن ريحانة الداعي السميع» 47.
ثانيًا: حكمة اقتران صفة الحكمة بصفات الله الأخرى:
وردت الحكمة مقترنة بصفات أخرى لله عز وجل، حيث جاء اسم الحكيم مع أسماء أخرى في عشرات الآيات المكية والمدنية على اختلاف مقاصد هذه الآيات، ولا يتسع المقام لسردها بالتفصيل، ولكن اكتفي بالإشارة إلى ذكر ذلك إجمالًا، ثم استلهام بعض المعاني من مواطن بعينها.
جاء اسم الله تعالى (الحكيم) مقرونًا باسمه (العزيز) جل وعلا في (44) موضعًا في القرآن الكريم 48.
وكل آية ورد فيها الاسمان الكريمان، لها مدلولها ومعانيها المناسبة للمقام، المبسوطة في مواضعها من كتب التفسير.
فعلى سبيل المثال في قول الله تعالى (ژ ژ ڑ ڑ کک ک ک گ گ گ گ) [آل عمران:6] .
يقول الطبري: «أخبر جل ثناؤه خلقه بصفته، وعيدًا منه لمن عبد غيره، أو أشرك في عبادته أحدًا سواه، فقال: «هو العزيز» الذي لا ينصر من أراد الانتقام منه أحدٌ، ولا ينجيه منه وألٌ ولا لجأٌ، وذلك لعزته التي يذلّ لها كل مخلوق، ويخضع لها كل موجود، ثم أعلمهم أنه «الحكيم في تدبيره وإعذاره إلى خلقه، ومتابعة حججه عليهم، ليهلك من هلك منهم عن بيّنة، ويحيا من حيّ عن بينة» 49.
وفي قوله جل شأنه: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گگ گ گ ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 126] .
يقول الطبري في معناها: «العزيز في انتقامه من أهل الكفر بأيدي أوليائه من أهل طاعته، الحكيم في تدبيره لكم أيها المؤمنون على أعدائكم من أهل الكفر، وغير ذلك من أموره» 50.
جاء اسم الله تعالى (الحكيم) مقترنًا باسمه (العليم) جل وعلا، في (33) موضعًا في القرآن الكريم 51.
وجميع المواضع التي وردت فيه العلم مقترنًا بالحكمة لكل موضع منها معناه المناسب للآيات الواردة فيه.
والناظر في المواضع يجد أن (31) موضعًا منها سبق العلم الحكمة، وموضعين فقط سبقت الحكمة العلم:
الأول: قوله تعالى: (ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھے ے ? ?) [الزخرف: 84] .
وذكر الطبري في تفسيرها أنه سبحانه وتعالى الحكيم: في تدبير خلقه، وتسخيرهم لما يشاء، العليم بمصالحهم 52.
وذكر ابن كثير أن المعنى: حكيم في أقواله وأفعاله 53.
ولهذا فإن العبد إذا علم أن الحكيم سبحانه وتعالى هو المدبر للأمور المتقن لها والموجد لها على غاية الإحكام والإتقان والكمال، والواضع للأشياء في مواضعها، والعالم بخواصها ومنافعها الخبير بحقائقها ومآلاتها .. فإذا عرف العبد ذلك وتيقن هذا المعنى وأن كل ما يجري في هذا الكون هو لحكمة بالغة أرادها الله تبارك وتعالى -علم هذه الحكمة من علمها وجهلها من جهلها- كان لهذه المعرفة الأثر البالغ في حياته وتصرفاته ونظرته للكون والحياة وعاش مطمئن القلب قرير العين مفوضًا الأمر كله إلى الله تعالى متقنًا لعمله محسنًا لعبادته، ومتيقنًا أن كل ما يجري في الكون والحياة هو من تقدير الحكيم العليم اللطيف الخبير الذي لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه 54.
والثاني: في قوله جل شأنه: (? ? ? ? ? ? ?) [الذاريات: 30] .
والمعنى: أنه تعالى حكيم في تدبيره خلقه، عليم بمصالحهم، وبما كان وبما كائن، وقيل: عليمٌ بما تستحقّون من الكرامة، حكيم في أقواله وأفعاله 55.
ومن لطائف الآية ما ذكره الرازي قائلًا: «إن قيل: لم قال هاهنا الحكيم العليم، وقال في هود: (حميد مجيد) ؟ نقول: لما بينا أن الحكاية هناك أبسط، فذكروا ما يدفع الاستبعاد بقولهم: أتعجبين من أمر الله، ثم لما صدقت أرشدوهم إلى القيام بشكر نعم الله، وذكروهم بنعمته بقولهم: حميد، فإن الحميد هو الذي يتحقق منه الأفعال الحسنة، وقولهم: مجيد، إشارة إلى أن الفائق العالي الهمة لا يحمده لفعله الجميل، وإنما يحمده ويسبح له لنفسه، وهاهنا لما لم يقولوا: أتعجبين، إشارة إلى ما يدفع تعجبها من التنبيه على حكمه وعلمه، وفيه لطيفة وهي أن هذا الترتيب مراعى في السورتين، فالحميد يتعلق بالفعل، والمجيد يتعلق بالقول، وكذلك الحكيم هو الذي فعله، كما ينبغي لعلمه قاصدًا لذلك الوجه بخلاف من يتفق فعله موافقًا للمقصود اتفاقًا، كمن ينقلب على جنبه فيقتل حية وهو نائم، فإنه لا يقال له: حكيم، وأما إذا فعل فعلًا قاصدًا لقتلها بحيث يسلم عن نهشها، يقال له: حكيم» 56.
جاء اسم الله تعالى (الحكيم) مقترنًا باسمه (الخبير) في أربعة مواضع من كتاب الله عز وجل.
ولو تتبعنا آثار اسمي الحكيم والخبير لوجدنا أن الله سبحانه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه، ولا ينزله غير منزله، التي يقتضيها كمال علمه وحكمته وخبرته.
فلا يضع الحرمان والمنع موضع العطاء والفضل، ولا الفضل والعطاء موضع الحرمان والمنع، ولا الثواب موضع العقاب، ولا العقاب موضع الثواب، ولا الخفض موضع الرفع، ولا الرفع موضع الخفض، ولا العز مكان الذل، ولا الذل مكان العز، ولا يأمر بما ينبغي النهي عنه، ولا ينهى عما ينبغي الأمر به.
فهو أعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم بمن يصلح لقبولها، ويشكره على انتهائها إليه ووصولها، وأعلم بمن لا يصلح لذلك ولا يستأهله، وأحكم من أن يمنعها أهلها، وأن يضعها عند غير أهلها.
فلو قدر عدم الأسباب المكروهة البغيضة له لتعطلت هذه الآثار، ولم تظهر لخلقه، ولفاتت الحكم والمصالح المترتبة عليها، وفواتها شر من حصول تلك الأسباب 57.
ولو تتبعنا بعضًا من مواضع اقتران اسم الحكيم باسم الخبير لوجدنا فيها معان كثيرة على هذا النحو:
أولها: قول الله تعالى: (? ? ? ? ? ?) [الأنعام:18] .
وقد فسرها الطبري هنا بقوله: «يعني تعالى ذكره بقوله: (وهو) ، نفسه، يقول: والله الظاهر فوق عباده، ويعني بقوله: (القاهر) ، المذلّل المستعبد خلقه، العالي عليهم، وإنما قال: (فوق عباده) ؛ لأنه وصف نفسه تعالى ذكره بقهره إياهم. ومن صفة كلّ قاهر شيئًا أن يكون مستعليًا عليه.
فمعنى الكلام إذًا: والله الغالب عباده، المذلّلهم، العالي عليهم بتذليله لهم، وخلقه إياهم، فهو فوقهم بقهره إياهم، وهم دونه وهو الحكيم، يقول: والله الحكيم في علّوه على عباده، وقهره إياهم بقدرته، وفي سائر تدبيره الخبير، بمصالح الأشياء ومضارّها، الذي لا يخفي عليه عواقب الأمور وبواديها، ولا يقع في تدبيره خلل، ولا يدخل حكمه دخل» 58.
وقال الإمام البقاعي في هذه الآية: « (? ?) أي الذي يعمل مراده كله، ويمنع غيره مراده إن شاء، وصوّر قهره وحقّقه لتمكن الغلبة بقوله: (? ?) وكل ما سواه عبد؛ ولما كان في القهر ما يكون مذمومًا، نفاه بقوله: (?) أي: وحده (?) فلا يوصل أثر القهر بإيقاع المكروه إلا لمستحق، وأتم المعنى بقوله (?) أي: بما يستحق كل شيء، فتمت الأدلة على عظيم سلطانه وأنه لا فاعل غيره» 59.
وثانيها: في السورة نفسها: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام:73] .
وثالثها: في أول سورة سبأ في قول الله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?) [سبأ: 1] .
ورابعها: في قوله جل شأنه: (گگ ? ? ? ? ? ? ? ? ں) [هود:1] .
والمعنى هنا: أنه سبحانه وتعالى حكيم بتدبير الأشياء وتقديرها، خبير بما تؤول إليه عواقبها 60.
وفسرها قتادة وأبو العالية بأنه سبحانه وتعالى حكيم في أمره خبير بخلقه 61.
أما بقية الأسماء فنجد أن اقتران اسم الحكيم بها مرة واحدة وذلك كأسماء:
جاء مقترنًا باسم (الحكيم) في قول الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النور: 10] .
وهنا جاءت الآية جواب «لولا متروك» ، والمعنى -واللّه أعلم-: ولولا فضل الله عليكم لنال الكاذب لما ذكرنا عذابٌ عظيم 62.
وقيل المعنى: «ولولا فضل الله عليكم أيها الناس ورحمته بكم، وأنه عوّاد على خلقه بلطفه وطوله، حكيم في تدبيره إياهم، وسياسته لهم، لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم وفضح أهل الذنوب منكم بذنوبهم، ولكنه ستر عليكم ذنوبكم وترك فضيحتكم بها عاجلا رحمة منه بكم، وتفضلا عليكم» 63.
جاء مقترنًا باسم (الحكيم) في قول الله تعالى في وصف القرآن الكريم: (ژ ژ ڑ ڑک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ?) [فصلت: 41 - 42] .
وقد فسر بعض العلماء (الحكيم) هنا بأنه الذي لا يلحقه الخطأ في تدبيره أو في حكمه، و (الحميد) بأنه الذي لا يلحقه الذم في فعله 64.
جاء مقترنًا باسم (الحكيم) في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الشورى: 51] .
وهذه الآية الكريمة واردة في بيان أقسام الوحي إلى الأنبياء والرسل عليهم السلام، وقد ختمها الله تعالى بقوله: (? ? ?) .
والمعنى كما ذكره الرازي: أنه تعالى (?) عن صفات المخلوقين (?) يجري أفعاله على موجب الحكمة 65.
جاء مقترنًا باسم (الحكيم) في قول الله تعالى: (ژ ڑ ڑ ک ک ک کگ گ گ گ ?) [النساء: 130] .
وهذه الآية وردت في مسألة التفرقة بين الزوجين حين تتعذر الحياة بينهما على النحو الصحيح، فإذا كان الله تعالى قد علق الغنى على النكاح في موضع، فقد علقه في هذا الموضع على الفرقة.
ويؤيد هذا ما روي عن الحسن بن علي أنه كان طلق زوجته، فقيل: له في ذلك، فقال: إني رأيت الله تعالى علق على الأمرين غنى، فقال تعالى: (? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ? ? ? ? ? ?) [النور: 32] .
وقال: (ژ ڑ ڑ ک ک ک ک) [النساء: 130] 66.
والواسع: عام في الغنى، والقدرة، والعلم، وعقبه بالحكم، منبهًا أن السعة ما لم يكن معها الحكمة، والعلم، كان إلى الفساد أقرب منها إلى الصلاح 67.
القرآن الكريم له أسماء عدة وأوصاف مختلفة بعضها ذكر في القرآن نفسه، وبعضها ورد في السنة النبوية، ومن ذلك وصفه بالحكمة في أكثر من موضع.
قال الرازي في معرض ذكره لأسماء القرآن الكريم: «ثامنها: الحكم، والحكمة، والحكيم، والمحكم.
أما الحكم فقوله: (? ژژ) [الرعد:37] .
وأما الحكمة فقوله: (? ? ? ?) [القمر:5] .
وقوله: (گ گ گ گ ? ? ? ? ?) [الأحزاب: 34] .
وأما الحكيم فقوله: (? ? ? ?) [يس: 1 - 5] ، وأما المحكم فقوله: (گگ ? ? ? ? ? ? ? ? ں) [هود: 1] » 68.
وبيان معاني هذه المواضع على هذا النحو:
أولًا: وصف القرآن بالحكمة في معرض القسم به في مطلع سورة يس: قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ) [يس: 1 - 5] .
والحكيم هنا فسر بتفسيرات عدة أشهرها ما يلي:
ومما سبق ذكره نجد ما يشبه اتفاق المفسرين على أن الحكيم هنا بمعنى المحكم 73.
ثانيًا: في قول الله تعالى (ں ں ? ? ? ? ?) [آل عمران: 58] .
والمراد ذلك الذي نقصّه عليك في شأن عيسى، من الدلائل الواضحة على صحة رسالتك، وصحة القرآن الحكيم الذي يفصل بين الحق والباطل، فلا شك فيه ولا امتراء.
وأكثر المفسرين قالوا بأن الذكر الحكيم هنا هو القرآن الكريم، حيث روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنه والضحاك ومحمد بن جعفر بن الزبير، كما رواه عنهم الطبري 74.
فابن عباس رضي الله عنهما فسره بأنه «الكامل في حكمته» .
ومحمد بن جعفر فسره بقوله: «القاطع الفاصل الحقّ، الذي لم يخلطه الباطل من الخبر عن عيسى وعما اختلفوا فيه من أمره، فلا تقبلنّ خبرًا غيره» 75.
ثالثًا: تسمية القرآن بالحكمة في قوله جل شأنه: (? ? ? ?) [القمر:5] .
حيث فسرها غير واحد في هذا الموضع بالقرآن الكريم 76.
وجاء في السنة النبوية أحاديث تصف القرآن الكريم بالحكمة، أو مفسرة لوصفه بذلك منها ما يأتي:
ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (القرآن حكمة، فمن تعلم القرآن في شبيبته خلط بلحمه ودمه، ألا وإن النار لا تمس قلبًا وعى القرآن، ولا جسدًا اجتنب محارمه وأحل حلاله وآمن بمحكمه ووقف عند متشابهه ولم يبتدع فيه) 77.
وخلاصة ما يمكن استنباطه من وصف القرآن الكريم بالحكمة فيما مر ذكره من مواضع ما يأتي:
أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز أنّ الحكمة نعمة يؤتيها من يشاء من عباده، نبيًّا كان أو غير نبي، مع ما أودعه في الرسل والأنبياء خاصة من صفات فطرية مادية ومعنوية فاقوا بها غيرهم، وذلك تأهيلًا لمهتمهم السامية، ورفعًا لمكانتهم، وقد تقدم الكلام على نعمة إيتاء الحكمة، وما ورد في تفسير الحكمة في الآية.
ومن خلال تتبع آيات القرآن الكريم يجد المرء وصفًا من الله تعالى لبعض أنبيائه ورسله بالحكمة، وكذا بعض الصالحين من عباده من غير الأنبياء، وهو ما أتناوله في هذا المبحث على النحو الآتي:
أولًا: الأنبياء والرسل عليهم السلام والحكمة:
أنعم الله سبحانه وتعالى على جميع أنبيائه ورسله بنعمة الحكمة بكل جوانبها في التعلم والتعليم والممارسة والتطبيق، في الأقوال والأفعال، وهذه سمة جميع الأنبياء والرسل حتى يستطيعوا أن يقوموا بمهمتهم التي أوكلها الله تعالى لهم على أكمل وجه، وحتى تثمر دعوتهم.
والقرآن الكريم يورد مواطن إيتاء الأنبياء الحكمة على وجوه شتى، بعضها منصوص عليه بلفظ الحكمة، وبعضها بلفظ الحكم أو الفهم، أورد منها هنا أقوال من فسّرها بالفهم والعلم ونحوه من معاني الحكمة.
1.حكمة خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام.
امتن الله تعالى على نبيه أبي الأنبياء الخليل إبراهيم عليه السلام بنعمة الحكمة، حيث دعا بذلك سيدنا إبراهيم، فقال كما جاء في القرآن (? ? ? ? ? ?) [الشعراء: 83] .
فقد فسرت الحكمة هنا بالعلم والفهم، كما هو مروي عن مقاتل وغيره، أو: البيان على الشيء على ما توجبه الحكمة 78، وهناك من فسرها بالنبوة 79.
وفي موطن آخر تشير آية كريمة إلى النعم التي أنعم الله تعالى بها على آل إبراهيم عليه السلام ومنها الحكمة، وذلك قوله (ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ) [النساء:54] .
وقد فسر البعض الحكمة هنا بأنها المعرفة بالدين والفقه فيه 80.
وهذه الآية تشمل من آل إبراهيم سيدنا موسى وداود وسليمان عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام 81.
ومن لطائف الآية كما ذكر بعض المفسرين: «أن هذا إلزام لليهود بما يعترفون به ولا ينكرونه وهو مسلّم عندهم، أي: ليس ما آتينا محمدًا وأصحابه من فضلنا بأبدع حتى تحسدهم اليهود على ذلك، فهم يعلمون بما آتينا آل إبراهيم وهم أسلاف محمد صلى الله عليه وسلم وأبناء أعمامه، وفيه حسم لمادة حسدهم واستبعادهم المبنيّين على توهم عدم استحقاق الحسود ما أوتيه من الفضل ببيان استحقاقه له بطريق الوراثة كابرًا عن كابر، وإجراء الكلام على سنن الكبرياء بطريق الالتفات لإظهار كمال العناية بالأمر» 82.
2.حكمة كليم الله موسى عليه السلام.
أنعم الله على كليمه موسى عليه السلام بالنجاة من بطش فرعون وكيده، وعاش ما قدر الله تعالى له في مدين ثم عاد إلى مصر رسولًا إلى فرعون وملئه، فدار بينهما الحوار المذكور في سورة الشعراء، الذي ذكر فيه نبي الله موسى نعم الله تعالى عليها، ومن بينها الحكمة التي رزق إياها وهو في مقتبل عمره، قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پپ پ ? ?) [القصص: 14] .
قال محمد بن إسحاق: «آتاه الله حكمًا وعلمًا، أي: فقهًا في دينه ودين آبائه وعلمًا بما في دينه من شرائعه وحدوده» 83.
وفي قول الله تعالى (پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الشعراء:21] .
نجد أن الله تعالى قد ذكر الحكمة مع الرسالة مما يدل على أنهما متغايران، وأن الحكمة هنا ليس مقصودًا بها الرسالة، بل المقصود بها العلم والفهم، كما ذكره مقاتل بن سليمان وتبعه بعض المفسرين 84.
3.حكمة نبي الله داود عليه السلام.
نبي الله داود عليه السلام أحد أنبياء بني إسرائيل جمع الله تعالى له الملك والنبوة في بيته له ولابنه سليمان عليه السلام، وقد كان داود جنديًّا في جيش طالوت، فامتن الله تعالى بقتل جالوت ورزقه الله تعالى بعد ذلك الملك والحكمة، فسار بها في الناس معلمًا وحاكمًا ومرشدًا.
وجاء النص الصريح على نعمة إيتاء سيدنا داود الحكمة في موضعين، والحكم الذي فسر بمعنى الحكم في موضع ثالث من كتاب الله تعالى:
أولًا: في قصة طالوت وجالوت في قول الله تعالى: (? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ےے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 251] .
ثانيًا: في قول الله تعالى (ہ ہہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ? ? ? ?) [الأنبياء:79] .
والقصة مبسوطة في حكمة سيدنا سليمان عليه السلام.
ثالثًا: قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [ص:20] .
والحكمة المذكورة في آية ص فسرها ابن عباس رضي الله عنهما والقاضي شريح بأنها الفهم 85.
وفسرها السدي ومجاهد بأنها النبوة، وفسرها أبو العالية بأنها العلم بكتاب الله، وفسرها قتادة بأنها السنة 86.
وأما فصل الخطاب ففسرت بتفسيرات عدة منها: أنها الشهود والبينات، وفسرت بعلم القضاء، وهذا ما روي عن القاضي شريح وعامر الشعبي وقتادة 87.
ومنها أنها قوله في الخطبة (أما بعد) ، حيث روي أن أول من قالها سيدنا داود عليه السلام.
قال ابن الخطيب: «فصل الخطاب عبارة عن كونه قادرًا على التعبير على كل ما يخطر بالبال ويحضر في الخيال، بحيث لا يخلط شيئًا بشي وبحيث يفصل كلّ مقام عن ما يخالفه، هذا معنى عامّ يتناول فصل الخصومات ويتناول الدعوة إلى الدين الحق ويتناول جميع الأقسام» 88.
4.حكمة نبي الله سليمان عليه السلام.
وصف القرآن نبي الله سليمان عليه السلام بما يدل على الحكمة معنويًّا لا لفظيًّا في هذه المواضع منها:
••واقعة الحكم في الغنم التي نفشت في الحرث:
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ? ? ? ?) [الأنبياء:78 - 79] .
وهذه الآية واقعة في سياق قصة الغنم التي نفشت في الحرث، وكان داود عليه السلام ملكًا نبيًّا يحكم بين الناس فوقعت هذه النازلة، وكان سليمان عليه السلام كبيرًا يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم، وكانوا يدخلون إلى داود من باب آخر، فتخاصم إليه رجل له زرع، دخلت حرثه غنم رجل فأفسدت عليه، فرأى داود دفعها إلى صاحب الحرث، فخرجا على سليمان، فشكى صاحب الغنم فجاء سليمان فقال: يا نبي الله، إني أرى ما هو أرفق بالجميع، أن يأخذ صاحب الغنم الحرث يقوم عليه ويصلحه حتى يعود كما كان، ويأخذ صاحب الحرث الغنم في تلك المدة ينتفع بمرافقها من لبن وصوف ونسل، فإذا عاد الحرث إلى حاله، صرف كل مال صاحبه إليه، فرجعت الغنم إلى ربها والحرث إلى ربه، فقال داود: وفقت يا بني، وقضى بينهما بذلك 89.
والقصة تدل على أن الحكم كان بالاجتهاد لا بالوحي، وأنهما عليهما السلام حكما فيها معًا، كل منهما بحكم مخالف لحكم الآخر، ولو كان وحيًا لما وقع اختلاف في الحكم، وقد أصاب سيدنا سليمان عليه السلام في حكمه، واستحق الثناء على ذلك، وأثني على أبيه داود عليه السلام كذلك، وذلك قوله: (ہ ہ ہ ھ ھ ھ) .
ويفيد قوله جل شأنه: (ہ) أنه فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع، لا أنه أنزل عليه فيها وحيًا جديدًا ناسخًا؛ لأن قوله تعالى: (ہ) أليق بالأول من الثاني، كما ترى 90.