ووصف هذا اليوم بيوم الحسرة؛ لشدة تحسر العباد فيه وندمهم على ما فرطوا فيه من الصالحات في الدنيا. والحسرة: الغمُّ على ما فات والندم عليه، قال تعالى عن حال المقصر في الاخرة: (يَا حَسْرَتَا عَلَى? مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّه) [الزمر: 56] 42.
11.يوم الخروج.
وصف اليوم الآخر (يَوْمُ الْخُرُوجِ) مرة واحدة في القرآن الكريم، في قوله تعالى: (. يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ? ذَ?لِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) [ق: 42] .
والخروج: مأخوذ من خرج يخرج خروجًا إذا برز من مقره أو حاله. ووصف هذا اليوم بيوم الخروج؛ لأنه يوم الخروج من القبور، فالخلق يخرجون من قبورهم للحساب؛ قال تعالى: (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى? نُصُبٍ يُوفِضُونَ) [المعارج: 43] 43.
12.يوم الوعيد.
لم يرد وصف اليوم الآخر بـ (يَوْمُ الْوَعِيدِ) إلا مرة واحدة في القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ? ذَ?لِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ) [ق: 20] .
ووصف هذا اليوم بيوم الوعيد؛ لأنه اليوم الذي يحصل فيه الوعيد للكافرين الذي توعدهم الله به في الدنيا، «وإضافة يوم إلى الوعيد من إضافة الشيء إلى ما يقع فيه، أي: يوم حصول الوعيد الذي كانوا توعدوا به، والاقتصار على ذكر الوعيد؛ لما علمت من أنَّ المقصود الأول من هذه الآية هم المشركون» 44.
13.اليوم الموعود.
وصف اليوم الآخر بـ (اليوم الموعود) مرة واحدة في القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى: (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) [البروج: 2] .
ووصف هذا اليوم بالموعود؛ لأنه تعالى وعد بوقوعه بعد زوال الدنيا، واجتماع الخلق فيه، ومحاسبتهم على أعمالهم كلها 45.
14.يوم الوقت المعلوم.
وصف اليوم الآخر بـ (يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) مرتين في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ?80?إِلَى? يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ?81?)
وقوله: (إِلَى? يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) [ص: 80 - 81] .
ووصف اليوم الآخر بيوم الوقت المعلوم؛ لأن الله تعالى عنده علمه وحده 46.
هذه أشهر أوصاف اليوم الآخر في القرآن الكريم، وقد وردت أوصاف أخرى كثيرة تدلُّ على أنَّ المراد منها هو اليوم الآخر، اشتقها العلماء من الآيات ومعانيها من ذلك:
إلى غير ذلك من الأوصاف التي جلت معالم هذا اليوم المهول ورسمت معالمه. واليوم الآخر لما عظم أمره وكثرت أهواله، سماه الله تعالى في كتابه بأسماء عديدة، ووصفه بأوصاف كثيرة، وهذا شائع في كلام العرب، فهم كلما عظم شأن الشيء عندهم تعددت أسماؤه وصفاته، فالشيء الحقير ما له إلا اسم واحد فقط، لكن الشيء العظيم له أسماء كثيرة، فـ (السيف) لما عظم عندهم موضعه وتأكد نفعه لديهم وموقعه جمعوا له خمسمائة اسم مثل المهند، والصارم، والمسلول، والبتار وغيرها، و (الأسد) كذلك جمعوا له أسماء كثيرة مثل: ليث، وغضنفر؛ لأنه أسد 47.
البعث كما سبق ذكره هو إحياء الأجساد وعودة الأرواح إليها، بعد نفخة الصور الثانية، فيقوم الناس لرب العالمين، حفاةً عراةً غرلًا، كما قال تعالى: (وَعُرِضُوا عَلَى? رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ? بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا) [الكهف: 48] .
والبعث ركن ثابت في الإيمان باليوم الآخر، وقد أثبته القرآن الكريم في كثير من المواضع، واستدل على وقوعه وتحققه وعالجه بشتى الطرق والأساليب، وأثبته بالأدلة النقلية عن طريق آياته التي توجب الإيمان به، والأدلة العقلية من خلال الاستدلال بآيات الله تعالى الكونية في الأرض على إثبات البعث بعد الموت، وجاء تركيز القرآن الكريم على هذه القضية؛ لأن كفار مكة كانوا ينكرونها، ويعتقدون أن لا حياة بعد الموت كما حكى عنهم القرآن: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ?) [الجاثية: 24] .
وقوله تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ ? أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ [فصلت: 54] .
واستدلوا بعدم البعث بعد الموت واستبعدوه بعدم حدوث شيء لآبائهم كما حكى عنهم القرآن من ذلك في قوله تعالى: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ ? بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا ? بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ?66?وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ ?67?لَقَدْ وُعِدْنَا هَ?ذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَ?ذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ?68?) [النمل: 66 - 68] .
فرد عليهم القرآن الكريم ظنهم الفاسد وشكهم بالبعث والحساب بقوله تعالى: (ے ے زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ? قُلْ بَلَى? وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ? وَذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [التغابن: 7] .
وتوعدهم بالعذاب الأليم مثل قوله تعالى: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى? وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ? مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ? كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ?97?ذَ?لِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ?98?أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى? أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا ?99?) [الإسراء: 97 - 99] .
وحاججهم في كثير من المواضع، وأثبت البعث والحساب بالأدلة العقلية -كما سيأتي بيانها بالتفصيل- كقوله تعالى: (ٹ ٹيَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ? كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ? وَعْدًا عَلَيْنَا ? إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ?) [الأنبياء: 104] .
وسنتناول فيما يأتي معالجات القرآن الكريم لشبهات منكري البعث، وإيراده الأدلة العقلية والنقلية على إثباته ووقعه لا محالة ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، وعلى النحو الآتي:
أولًا: الأدلة العقلية:
أورد القرآن الكريم أدلة عقلية كثيرة تثبت البعث والحساب، وسلك في ذلك لإثباتها مسالك مختلفة في طريقة العرض والاستدلال، ومن هذه الأدلة العقلية:
من الأدلة العقلية التي ساقها القرآن الكريم في آياته لإثبات عقيدة البعث بعد الموت هي قدرة الله المحيطة بكلِّ شيء، فالله تعالى خالق الكون كله ومنه الإنسان، وهو القادر على إحيائه بعد موته وهو أهون عليه، ولقد جاءت آيات كثيرة تدلُّ على ذلك يقترن فيها الرد على منكري البعث بالتذكير بقدرة الله تعالى على ذلك منها تعرضها لشكِّ الكافرين بالبعث والحساب، فترد عليهم، وتثبت من خلال الطبيعة كتاب الله المنظور تعالى صدق الوعد الذي يكذبونه، منوعة في عرض الأدلة تنويعًا عجيبًا وصولًا إلى إثبات البعث ودفع شبه منكريه.
والله تعالى له القدرة المطلقة، فهو سبحانه على كلِّ شيء قدير، وما دامت له القدرة المطلقة تعالى، فإن مقتضى ذلك أن يقدر على إحياء الموتى، فضرب لهم سبحانه الأمثلة بأمور مشاهدة من الحياة هي نظير بعث الأجساد وحشرها، من ذلك قوله تعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ?36?أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى? ?37?ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى? ?38?فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى? ?39?أَلَيْسَ ذَ?لِكَ بِقَادِرٍ عَلَى? أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى? ?40?) [القيامة: 36 - 40] .
ومنها أيضًا قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى? مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ? إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ) [سبأ: 9] .
ففي الآية «دلالة واضحة على قدرة الله، فكيف يستبعد عليه إعادة تلك الأجسام الضعيفة بعد تفرقها، وهو القادر على خلق هذه الآيات العظيمة، من السماء والأرض، ذلك هو دليل البعث؛ لأنه يدلُّ على كمال القدرة، ومن المقدور عليه إعادة خلق الإنسان وإيجاده مرة أخرى، وقد قرن هذا الدليل بالتهديد حيث قال: (إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ) .
ثم بين تعالى أن المنتفع بتلك الآيات كلُّ من يرجع إلى ربه، ويتوب إليه، لا من يتمادى في عناده وتعصبه، فقال تعالى: (إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ) » 48.
ومن الآيات التي دلت على قدرته تعالى في إحياء الموتى وبعثهم وحاججت منكري البعث قوله تعالى: (قلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ?49? لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ?50? ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ?51? لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ ?52? فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ?53? فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ?54? فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ?55? هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ?56? نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ ?57? أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ?58? أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ?59? نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ?60? عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ?61? وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ?62? أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ?63? أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ?64? لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ?65? إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ?66? بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ?67? أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ?68? أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ?69? لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ?70? أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ?71? أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ ?72? نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ ?73? فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [الواقعة: 49 - 74] .
وقد تضمنت هذه الآيات أربعة أدلة حسية ومشاهدة من واقع الإنسان وحياته على جواز البعث وإمكانه: الأول: ماء الرجل (المني) في قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ) ، والثاني: إنبات النبات في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ?63? أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ?64? لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ?65? إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ?66? بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ)، والثالث: إنزال المطر في قوله تعالى: (ے ? أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ?68? أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ) وسيأتي بيان هذه الأدلة.
ومن أَجَلِّ الآيات التي بينت قدرة الله على البعث وحاججت منكريه قوله تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ?1? بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ?2? أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ?3? قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ?4? بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ ?5? أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ?6? وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ?7? تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ?8? وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ?9? وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ?10? رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ?11? كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ?12? وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ?13? وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ?14? أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) [ق: 1 - 15] .
وبعد سوق كل هذه الأدلة التي يراها كلُّ الناس بأعينهم، والتي فيها دلالةٌ على البعث يأتي قوله تعالى: (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) ؛ ليوضح الصورة التي كانوا ينكرونها ويقربها إليهم عن طريق التشبيه، إذ شبه سبحانه إحياء الإنسان وبعثه بعد موته، بإحياء الأرض وإنباتها بالغيث بعد طول اليبس والجدب، وهذا يدل على كمال قدرة الله تعالى 49.
وخروج الإنسان من قبره للبعث يكون بنزول الماء من السماء أيضًا، كما جاء في الحديث الصحيح: (ثم ينزل الله من السماء ماءً فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيءٌ إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة) 50.
ومن الأدلة على إمكانية البعث بيان قدرة الله تعالى على إخراج الأشياء من أضدادها. فإذا كانت الحياة ضد الموت، والبعث ضد الفناء، فإن الله تعالى الذي يخرج الضد ممن ضده قادر على إحداثه، كما ورد في قوله تعالى: (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ? وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ? وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [آل عمران: 27] .
فالله هو الذي يخرج الإنسان الحي من النطفة، ويخرج النطفة الميتة من الإنسان الحي، وكذلك الأنعام والبهائم، فالنطفة ميتة ثم ينشئ الله منها إنسانًا حيًّا، ومن الإنسان الحي تخرج النطفة الميتة، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى? ? يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ? ذَ?لِكُمُ اللَّهُ ? فَأَنَّى? تُؤْفَكُونَ ?95?فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ? ذَ?لِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ?96?) [الأنعام: 95 - 96] .
من الأساليب القرآنية لإثبات البعث والحياة بعد الموت الاستدلال بأن من خلق الأعلى والأكبر والأعظم، فقدرته على خلق الأدنى والأصغر أولى، والله تعالى من جملة خلقه ما هو أعظم من خلق الناس، ومن ذلك لفت النظر إلى خلق السموات وما فيهما من الشمس والقمر وسائر الكواكب والأرض وما فيها من جبال رواسي شامخات وأنهار وسهول وهضاب وغيرها، على ما اشتملت عليه من العظمة التي تعلو على خلق الإنسان أضعافًا مضاعفة.
فكيف يقال للذي خلق هذا الخلق العظيم بأنه لا يستطيع أن يخلق ما دونها ويعيده بعد موته؟
وهذا في حق الخلق، أما في حق الله الخالق فالكلُّ في قدرته، سواء كبر المخلوق أم صغر، فخلق السموات والأرض كخلق أصغر شيء، فالكلُّ سواء في ميزان القدرة الإلهية، ولكنه سبحانه يضرب الأمثال لنا بما نعقله وندركه، وقد ورد هذا الاستدلال في آيات كثيرة من القرآن الكريم تبين في مجملها أن خلقهما أعظم من خلق الإنسان.
ومن الآيات الدالة قوله تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى? أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ? بَلَى? وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ?81?إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ?82?فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ?83?) [يس: 81 - 83] .
وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ? إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ? فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ? إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ?56?لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ?57?) [غافر: 56 - 57] .
فاستدلَّ ربنا تعالى باقتداره على خلق السموات على اقتداره على إعادة الأروح إلى الأجساد عند البعث بعد الموت؛ لأن خلق الإنسان أقلُّ شأنًّا من خلق السموات والأرض، ومن ثَمَّ فإن الله تعالى القادر على خلق السموات والأرض لا يعجزه خلق الإنسان -الذي هو جزء من هذا الكون- وإعادته.
وفي موضع آخر من القرآن الكريم يدمج الله تعالى الاستدلال على البعث بالتحدي وذلك في قوله تعالى: أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ?27? رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ?28? وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ?29? وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ?30? أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ?31? وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا [النازعات: 27 - 32] .
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله بعد أن أورد عددًا من الآيات حول هذا الاستدلال: «فالله تعالى لم يكتف في بيان إمكان المعاد بهذا؛ إذ يمكن أن يكون الشيء ممتنعًا ولو لغيره، وإن لم يعلم الذهن امتناعه؛ بخلاف الإمكان الخارجي. فإنه إذا علم بطل أن يكون ممتنعًا، والإنسان يعلم الإمكان الخارجي؛ تارةً بعلمه بوجود الشيء، وتارةً بعلمه بوجود نظيره وتارةً بعلمه بوجود ما هو أبلغ منه، فإن وجود الشيء دليلٌ على أن ما هو دونه أولى بالإمكان منه.
ثم إنه إذا بين كون الشيء ممكنًا فلا بد من بيان قدرة الربِّ عليه، وإلا فمجرد العلم بإمكانه لا يكفي في إمكان وقوعه إن لم تعلم قدرة الرب على ذلك. فبين سبحانه هذا كله بمثل قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى? أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا) [الإسراء: 99] .
فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك» 51.
من أدلة القرآن الكريم في الاستدلال على البعث بعد الموت استدلاله على وقوع وإمكان النشأة الثانية -البعث بعد الموت- بالنشأة الأولى -الخلق الأول.
وهذا استدلال جاء في كثير من آيات القرآن الكريم، استدلال يلزم منكر البعث الحجة بالدليل القاطع، فهو يغفل عن أن خلقه على هذا النحو أعظم دليل، فهو يرى بأم عينيه كل يوم النشأة الأولى للإنسان والحيوان، ومن كانت هذه حاله في الأولى لن يصعب إرجاعه في الثانية؛ لأن الذي خلق من العدم قادر غير عاجز تعالى على أن يعيده وهو أهون عليه، لكن فطرة هؤلاء المنكرين فسدت؛ لكفرهم وعنادهم، فغابت عنهم الحقائق الثوابت: (هَلْ أَتَى? عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ?1?إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ?2?) [الإنسان: 1 - 2] .
ومن الآيات الكريمات التي ذكرت الاستدلال على النشأة الآخرة بالنشأة الأولى، وتذكير منكري البعث المستبعدين له بهذه الحقيقة الثابتة التي لا يستطيع أحد إنكارها قوله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ?48?وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ?49?قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ?50?أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ? فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا ? قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ? فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى? هُوَ ? قُلْ عَسَى? أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ?51?يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ?52?) [الإسراء: 48 - 52] .
فالآيات تعرض لسؤال منكري البعث المتكرر دومًا (من يعيدنا؟) ، (من يبعثنا؟) وهذا غاية الإنكار منهم، كما قال الألوسي رحمه الله: «فيه من الدلالة على غلوهم في الكفر وتماديهم في الضلال ما لا مزيد عليه» 52.
فجاءت الآيات بالجواب البليغ المفحم بأن قل لهم يا محمد -تحقيقًا للحقِّ، وإزاحة للاستبعاد، وإرشادًا لهم إلى طريقة الاستدلال-: إن الذي يعيدكم ويبعثكم هو الله القادر العظيم الذي فطركم وأنشأكم في النشأة الأولى، من غير مثال سابق يحتذيه ولا أسلوبٍ ينتحيه، وكنتم ترابًا ما شم رائحة الحياة، أليس الذي يقدر على ذلك بقادر على أن يعيد العظام البالية إلى حالتها المعهودة؟! بلى إنه على كلِ شيء قدير 53.
قال الرازي رحمه الله: «فإن المنافاة بين الحجرية والحديدية، وبين قبول الحياة أشد من المنافاة بين العظمية وبين قبول الحياة، وذلك أن العظم قد كان جزءًا من بدن الحي، أما الحجارة والحديد فما كانا البتة موصوفين بالحياة، فبتقدير أن تصير أبدان الناس موصوفةً بصفة الحجرية والحديدية بعد الموت، فإن الله تعالى يعيد الحياة إليها ويجعلها حيًّا عاقلًا كما كان» 54.
ولكن لا زال الجحود والشكُّ والريبة تجول في عقول المنكرين للبعث ومخيلتهم، كما ذكر الله عنهم بقوله: (فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا ? قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ? فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى? هُوَ ? قُلْ عَسَى? أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا) .
فالوجود دليل على العدم؛ إذ لولا ذلك لما كان للشيء وجود في الخارج.
وفي موضع آخر من القرآن الكريم نجد تفصيلًا في الاستدلال على البعث بالخلق الأول للإنسان، فأبونا آدم خلقه الله من تراب، فالقادر على جعل التراب بشرًا سويًّا، لا يعجزه أن يعيده بشرًا سويًّا مرة أخرى بعد موته، ويذكر أيضًا بخلقنا نحن -ذرية آدم- فإنه خلقنا من سلالة من ماء مهين، تَحَوَّلَ هذا الماء فأصبح نطفة، ثم صارت النطفة علقة، ثم تحولت إلى مضغة. إلى أن نفخ فيها الروح، وجعلها إنسانًا سويًّا.
فالقادر على هذا الخلق المشاهد المعلوم، قادر على إعادته، وإحياء الموتى.
قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ? وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى? أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ? وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى? وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى? أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ? وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ?5?ذَ?لِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى? وَأَنَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?6?وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ?7?) [الحج: 5 - 7] .
وهذه الآيات تعطي تفصيلًا للمراحل التي يمر بها خلق الإنسان، فقد قابل الله هذه المراحل بعدة دلالات على قدرته سبحانه على البعث.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: «أي إنهم التبس عليهم إعادة الخلق خلقًا جديدًا، ثم نبههم على ما هو من أعظم آيات قدرته وشواهد ربوبيته وأدلة المعاد، وهو خلق الإنسان؛ فإنه من أعظم الأدلة على التوحيد والمعاد، وأي دليل أوضح من تركيب هذه الصورة الآدمية بأعضائها وقواها وصفاتها، وما فيها من اللحم والعظم والعروق والأعصاب والرباطات والمنافذ والآلات والعلوم والإرادات والصناعات؟! كل ذلك من نطفة ماء! فلو أنصف العبد ربه لاكتفى بفكره في نفسه، واستدل بوجوده على جميع ما أخبرت به الرسل عن الله وأسمائه وصفاته» 55.
وهذه الآيات لها دلالة عقلية على البعث: فهي نقلة ضخمة بعيدة الأغوار والآماد، تشهد بالقدرة التي لا يعجزها البعث، وأنَّ إنشاء الإنسان من التراب، وتطور الجنين في مراحل حياته، وانبعاث الحياة من الأرض بعد الهمود، كلُّ ذلك متعلق بأن الله هو الحقُّ، فهو من السنن المضطردة التي تنشأ من أن خالقها هو الحقُّ الذي لا تختل سننه ولا تتخلف، وأن اتجاه الحياة في هذه الأطوار؛ ليدل على الإرادة التي تدفعها وتنسق خطاها وترتب مراحلها.
فهناك ارتباط وثيق بين أن الله هو الحقُّ، وبين هذا الاضطراد والثبات، والاتجاه الذي لا يحيد، وأن إحياء الموتى هو إعادة للحياة، والذي أنشأ الحياة الأولى هو الذي ينشئها للمرة الآخرة (وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) ؛ ليلاقوا ما يستحقونه من جزاء، فهذا البعث تقتضيه حكمة الخلق والتدبير، وإنَّ هذه الأطوار التي يمرُّ بها الجنين، ثمَّ يمر بها الطفل بعد أن يرى النور؛ لتشير إلى أن الإرادة المدبرة لهذه الأطوار ستدفع بالإنسان إلى حيث يبلغ كماله الممكن في دار الكمال؛ إذ إن الإنسان لا يبلغ كماله في حياة الأرض، فهو يقف ثم يتراجع (لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ?) .