فهرس الكتاب

الصفحة 624 من 2431

والمعنى المراد: «والمتجرعين للغيظ، الممسكين عليه عند امتلاء نفوسهم منه، فلا ينقمون ممن يدخل الضرر عليهم، ولا يبدون له ما يكره، بل يصبرون على ذلك مع قدرتهم على الإنفاذ والانتقام، وهذا هو الممدوح» 78.

روى الترمذي وأبو داود عن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله سبحانه وتعالى على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور ما يشاء) 79.

فصفة حبس النفس عند الغضب وعدم الانتقام من صفات المتقين التي امتدح الله بها المتقين. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرشد أصحابه أن لا يغضبوا، وبين أن الشديد ليس الذي يصرع الناس، إنما الشديد هو الذي يملك نفسه ويضبطها عند الغضب. فقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: (لا تغضب) فردد مرارًا، قال: (لا تغضب) 80.

وروى البخاري أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) 81.

ورسول الهدى محمد صلى الله عليه وسلم كما كان مثالًا يحتذى في كل شيء حسن كان مثالًا في عدم الغضب وفي كظم الغيظ، فكان صلى الله عليه وسلم لا يغضب إلا لأمر يستدعي الغضب، فإنه كان لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمة من حرمات الشريعة.

روى البخاري عن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا! فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: (إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة) » 82.

بعد أن أخبر الله تعالى عن المتقين أنهم (الكاظمين الغيظ) فلا يظهرون غيظهم إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله تعالى، أخبر الله عنهم -إتمامًا لتلك الصفة- أنهم يعفون عن الناس.

فقال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 134] .

فكانت صفة العفو من صفات المتقين الراسخة فيهم.

ومعنى العفو: ترك عقوبة المذنب أو المخطئ.

قال الراغب: «عفوت عنه: قصدت إزالة ذنبه» 83.

ومعنى قوله تعالى في وصف المتقين: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِٹ) أنهم يتركون عقوبة من استحقها.

قال الألوسي: « (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) أي: المتجاوزين عن عقوبة من استحقوا مؤاخذته، إذا لم يكن في ذلك إخلال بالدين» 84.

وقد أمر الله تبارك وتعالى بالعفو، فقال: (? وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ? أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور: 22] .

وقال: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [المائدة: 13] .

كما وصف الله تعالى نفسه بالعفو، فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) [الحج: 60] .

وصفة العفو صفة حميدة «لا تصدر إلا من نفس كبيرة راجحة العقل، صبرت على اعتداء الغير وأذاه ... وإن مقابلة الإساءة بالإحسان تنزع من المعتدي البغضاء، وتتركه مندهشًا فيرتد غالبًا عن غيه وتنقلب بغضاؤه إلى مودة» 85.

وقد بين القرآن أن المعاملة الحسنة مع الأعداء تجعلهم ينقلبون عن عداوتهم.

قال تعالى: (لَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ? ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) [فصلت: 34] .

ولهذا أمر الله تعالى بالعفو ووصف به المتقين. وفي الآية: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ? [آل عمران: 134] .

وصف للمتقين بالجملة الاسمية التي تفيد الثبات والاستمرار وأنها صفة راسخة فيهم.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر الناس تمثلًا بصفة العفو، فكان العفو شيمته صلى الله عليه وسلم، روى البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيًا من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) » 86.

وصف الله المتقين بالصدق حيث قال: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَ?لِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ?15? الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ?16? الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) [آل عمران: 15 - 17] .

وفي آية البر بعد أن ذكر أوصاف الأبرار قال عنهم: (أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة: 177] .

وقال تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [الزمر: 33] .

ففي الآية الأولى قال: (? ?) وهذه الصفة امتدح الله بها المتقين، وهي منصوبة بتقدير يدل على الاختصاص، أي: أخص أو أعني الصادقين.

وفي الآية الثانية -آية البر- وصف المستجمع لخصال البر بالصدق، حيث قال تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَ?كِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى? حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ? وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ? أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة: 177] .

فقد وصف الله تعالى المستكمل لهذه الخصال بالصدق كما وصفه بالتقوى، فبين أن المتقين صادقون في جميع هذه الخصال وهي:

كما تم الإخبار عنهم باسم الإشارة اولئك)، وهذا الاسم يستخدم للإشارة إلى البعيد؛ ليدل على أنهم متأصلون في هذه الصفة.

وفي الآية الثالثة: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [الزمر: 33] .

قال ابن عاشور: «الذي جاء به هو: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصدق: القرآن ... وجملة: (وصدق به) صلة موصول محذوف تقديره: والذي صدق به؛ لأن المصدق غير الذي جاء بالصدق» 87. وقال الشوكاني: «وقيل: إن ذلك عام في كل من دعا إلى توحيد الله وأرشد إلى ما شرعه لعباده. واختار هذا ابن جرير، وهو الذي اختاره من هذه الأقوال» 88.

وعليه يحتمل أن يكون المعنى أن الذي جاء بالصدق هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الذي صدق به هم المؤمنون، فقد ترجموا القرآن إلى سلوك عملي، كما كان رسول صلى الله عليه وسلم عندما أخبرت عنه عائشة: «كان خلق رسول صلى الله عليه وسلم القرآن» . فهؤلاء المؤمنون الذين ترجموا القرآن إلى واقع هم المتقون.

قال تعالى في وصف المتقين: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ?) [البقرة: 177] .

ومعنى الوفاء بالعهد: إتمامه وافيًا بكامل حقوقه وشروطه، وعدم نقضه. ومعنى وفى وأوفى: أعطى الحق وافيًا. والعهود نوعان: عهد مع الله، وعهد مع الناس.

والمراد به: ما عاهد عليه المسلم الله من الوفاء والتكاليف والالتزامات التي شرعها، قال الراغب: «وعهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا، وتارة يكون بما أمرنا به بالكتاب وبالسنة ورسله، وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشرع كالنذور وما يجري مجراها، وعلى هذا قوله: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ) [التوبة: 75] » 89.

وقد جعل الأخير عهدًا مع الله؛ لأن الإنسان يتعامل مع الله من خلال تعامله مع الناس، فلا يجوز نقض العهد؛ لأن الله أمرنا بذلك.

وأول عهد يطالب الإنسان بالوفاء به: عهده مع الله عز وجل بالإقرار له بالربوبية، وعلى نفسه بالعبودية.

يقول الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى? أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ? قَالُوا بَلَى? ? شَهِدْنَا ? أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَ?ذَا غَافِلِينَ) [الأعراف: 172] .

ولا يفي الإنسان بهذا العهد حتى يعتقد علمًا وعملًا أن الله وحده له حق الأمر والنهي، والتحليل والتحريم، فعنه يتلقى وله يطيع. ومتى أعطى المسلم حق الطاعة المطلقة، أو حق التشريع والتحليل والتحريم لأحد غيره من هيئة أو جماعة أو فرد أو مجلس فقد نكث بعهد الله وميثاقه.

ومن العهد مع الله الالتزام بالشريعة الإسلامية وتوفية حقوق الله كاملة، فإن من حق الله على عباده أن يطاع فلا يعصى. والوفاء بالالتزام بالشريعة يعني أداء الحقوق كاملة، فالصلاة تؤدى كاملة، وكما أمر تبارك وتعالى من الشروط الظاهرة والباطنة كالخشوع وغيره، وكذلك الزكاة، وكذلك كل عمل يقوم به المرء يقصد التقرب إلى الله تعالى، فإن الوفاء بالعهد يعني توفيته كاملًا غير منقوص ومراعاة حقوقه وشروطه. والوفاء بعهد الله في الجهاد يعني أن يجاهد المرء ويثبت في ذلك حتى ينال الموت في سبيل الله أو النصر على الأعداء، وعلى هذا قوله تعالى في مدح رجال من المؤمنين: (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ? فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى? نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ? وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23] .

ويدخل فيه كل تعامل مع الناس. والواقع أن هذا العهد يدخل في العهد الأول؛ لأن التعامل مع الناس يعني التعامل مع الله، ولهذا لا يجوز للمسلم نقض العهد مع أي إنسان كان مسلمًا أو غير مسلم.

والوفاء بالعهد واجب سواء كان تعاملًا مع المسلمين أم مع غير المسلمين.

أ- التعامل مع المسلمين: ويدخل فيه كل عهد أو عقد يجعله الإنسان مع غيره من أمور الدنيا وغيرها، كالوفاء بالالتزامات التي يجريها الإنسان في معاملاته اليومية، في زواجه وبيعه وشرائه وشركته ومزارعته ما دامت عقوده جائزة شرعًا.

ويدخل فيه الوفاء ببيعة الخليفة، وهي أن يطاع الخليفة أو الأمير الذي اختاره الخليفة مكانه في غير معصية، لذلك حث الله ورسله على طاعة أولي الأمر، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ?) [النساء: 59] .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) 90.

ب- التعامل مع غير المسلمين: ويدخل فيه العهد مع المشركين حينما كان جائزًا في أول الإسلام، والذي انتهى بنزول سورة التوبة التي تأمر بقتل المشركين أينما وجدوا. كما يدخل فيه العهد مع أهل الكتاب، حيث لا يجوز نقضه إلا إذا نقضوه أو ظهر منهم ما يشير إلى الخيانة.

قال تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى? سَوَاءٍ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَھ) [الأنفال: 58] .

ومعنى (سَوَاءٍ) أن يخبرهم إخبارًا ظاهرًا مكشوفًا بالنقض، ولا يناجزهم الحرب بغتة 91.

ولذلك وصف الله المتقين بالوفاء بالعهد حيث قال سبحانه: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) [البقرة: 177] .

والمراد بالعهد هنا: ما يشمل كل الحقوق سواء كانت حقوقًا لله أو حقوقًا للناس.

أولًا: التقوى خير زاد:

قال تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى? ? وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة: 197] .

وأصل الزاد من الزيادة، ومعناها: أن ينضم إلى ما عليه الشيء في نفسه شيء آخر. والزيادة قد تكون زيادة فضل، وقد تكون زيادة مذمومة، فإن كانت لا حاجة لها أو تؤدي إلى ضرر فهي مذمومة، وإن كانت زيادة فضل فهي محمودة. والزاد هو الشيء المدخر الزائد على ما يحتاج إليه في الوقت. والتزود هو أخذ الزاد 92.

والتقوى خير زاد يتزود به.

واستخدام القرآن الكريم لفظ الزاد للتقوى للإشارة إلى استخدامها وقت الحاجة، بمعنى أن يبذل الإنسان جهده في فعل الخير وقت الرخاء؛ ليستخدمه وقت الحاجة والشدة.

والمرء بحاجة إلى الزاد في الدنيا والآخرة؛ فأما في الآخرة فهو أمر ظاهر؛ لأن الإنسان إذا مات انقطع عمله في الدنيا، ولن يكون له من عمله إلا ما سعى، ويبقى عمله مستمرًا في العلم الذي ينتفع به الآخرون والصدقة الجارية والولد الصالح الذي يدعو له.

وكذلك يحتاج المرء إلى التزود في الحياة الدنيا، فيبذل جهده في فعل الخير وقت الرخاء؛ ليكون عونًا له على ذلك وقت الشدة.

وفي الحديث: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) 93.

ولا يعني مفهوم التزود بالتقوى ترك زاد الدنيا، أو ترك الأخذ بأسباب الحياة، فإن هذا المفهوم خاطئ، بل إن الأخذ بأسباب الحياة من التوكل الحقيقي مطلوب. وما ورد من روايات وأسباب النزول يوضح المعنى الحقيقي لمفهوم التزود.

فكان بعض العرب يحجون ولا يتزودون من الطعام، معتبرين أن ذلك هو التوكل الحقيقي، وكانوا يقولون: كيف نحج بيت ربنا ولا يطعمنا؟ فكانوا يحجون بلا زاد، ويقولون: نحن متوكلون على الله سبحانه! 94.

بل إن بعضهم كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زادًا آخر فكان يتوكل بعضهم على بعض. فنزلت الآية تبين لهم خطأ هذا المفهوم، وأن التزود بالطعام لا يتنافى مع أعمال الحج، وأرشدهم للزاد الحقيقي الذي هو التقوى.

وذكر البخاري أن هذا المفهوم كان عند أهل اليمن، فعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: «كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة: 197] » 95.

ثانيًا: التقوى أجمل لباس يتزين به العبد:

قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ? وَلِبَاسُ التَّقْوَى? ذَ?لِكَ خَيْرٌ ? ذَ?لِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) [الأعراف: 26] .

واللباس اسم للشيء الذي يستر عورة الإنسان، سواء كانت مادية أو معنوية. والعورة: سوأة الإنسان، وهي كناية، وأصلها من العار. والسوأة هي كل ما يسيء الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية ومن الأحوال النفسية والبدنية. وكني بالسوأة عن الفرج 96؛ لأن كشف السوأة أمر مناف للفطرة.

فاللباس يستخدم لمعنى التغطية والستر، فيسمى ما يستر عورة الإنسان لباسًا، وكذا تغطية معايبه. وسمي الأزواج من الذكور والإناث لباسًا، حيث يمنع كل واحد الآخر ويكون عونًا له في ستر معايبه.

قال تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى? نِسَائِكُمْ ? هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) [البقرة: 187] .

قال أبو السعود: «وجعل كل من الرجل والمرأة لباسًا للآخر؛ لاعتناقهما واشتمال كل منهما على الآخر بالليل ... أو لأن كلًا منهما يستر حال صاحبه ويمنعه من الفجور» 97.

وجعل الليل لباسًا؛ لكونه يستر الناس بظلامه.

قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا) [الفرقان: 47] .

واستخدم القرآن الكريم كلمة اللباس للجوع والخوف؛ لكونه غشيهم من كل جانب.

قال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: 112] .

لذلك كان لباس التقوى أجمل لباس يلبسه المرء، كما قال تعالى: (ا ? وَلِبَاسُ التَّقْوَى? ذَ?لِكَ خَيْ) [الأعراف: 26] .

وللمفسرين في معنى (لباس التقوى) عشرة أقوال أوردها ابن الجوزي في زاد المسير، وهي:

ولا مانع من إرادة الجميع. ولباس التقوى خير من الثياب؛ لأن الفاجر وإن كان حسن الثوب فهو بادي العورة.

ثالثًا: وصية جميع الرسل لأقوامهم بالتقوى:

التقوى شعار المؤمنين ووصية الله تعالى للخلق أجمعين، وكانت هدفًا عامًا بعث من أجله الرسل، كما كانت من أهم ما أوصى به الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه وأمته.

فقد أوصى الله تبارك وتعالى جميع الخلق بتقواه، فقال تبارك وتعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَھ) [النساء: 131] .

وكانت التقوى من أهم ما دعا إليه الأنبياء أقوامهم. فهذا نبي الله نوح عليه السلام يدعو قومه لتقوى الله تعالى: (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ?106?إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ?107?فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ?108?وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ? إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى? رَبِّ الْعَالَمِينَ ?109?فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ?110?) [الشعراء: 106 - 110] .

وإبراهيم عليه السلام يدعو للتقوى: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ? ذَ?لِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [العنكبوت: 16] .

وكذلك موسى عليه السلام: (وَإِذْ نَادَى? رَبُّكَ مُوسَى? أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ?10?قَوْمَ فِرْعَوْنَ ? أَلَا يَتَّقُونَ) [الشعراء: 10 - 11] .

وعيسى عليه السلام: (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى? بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ? فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) [الزخرف: 63] .

وهود: (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ ?124? إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ?125? فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) [الشعراء: 124 - 126] .

ولوط: (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ ?161? إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ?162? فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) [الشعراء: 161 - 163] .

وإلياس: (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ?123? إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ) [الصافات: 123 - 124] .

وصالح: (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ?142? إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ?143? فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) [الشعراء: 142 - 144] .

وشعيب: (إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ?177? إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ?178? فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) [الشعراء: 177 - 179] .

وكذلك وصف يحيى بن زكريا بالتقوى: (يا يَحيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيناهُ الحُكمَ صَبِيًّا ?12? وَحَنانًا مِن لَدُنّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا) [مريم: 12 - 13] .

فهذه نبذة عما ورد على لسان الأنبياء من التقوى تتبين فيها الأهمية البالغة للتقوى.

أولًا: فضائل التقوى في العلاقة مع الله:

ومعيته تعالى نوع من ولايته، فالمعية تعني التأييد والنصر.

قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) [النحل: 128] .

قال الراغب: « (مع) : يقتضي الاجتماع إما في المكان، أو في الزمان، أو في المعنى .. وإما في الشرف والرتبة نحو: هما معًا في العلو، ويقتضي معنى النصرة، وأن المضاف إليه لفظ (مع) هو المنصور، نحو قوله: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة: 40] .. أي: ناصرنا» 99.

فأصل هذا الحرف يقتضي الاجتماع كما يقتضي معنى النصرة.

وذهب أبو السعود إلى أن المعية تعني: «الولاية الدائمة التي لا تحوم حول صاحبها شائبة شيء من الحزن» 100.

فالمعية أبلغ من الولاية.

والمعية لم تذكر إلا مع أصناف من المسلمين بلغوا درجةً إيمانية عالية، فقد ذكرت المعية مع المتقين والمحسنين: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) [النحل: 128] .

وذكرت المعية مع الصابرين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ? إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 153] .

أما الولاية فهي عامة لكل المؤمنين: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة: 257] .

وهذه المعية هي المعية الخاصة؛ لأن المعية معيتان: خاصة وعامة، فالمعية العامة لكل البشر، وهي معية ملاحظة ومراقبة، كما في قوله تعالى: (هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) [الحديد: 4] .

أما المعية الخاصة فهي تعني: العون والتأييد والنصر والهداية.

قال ابن كثير: «(إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ [النحل: 128] .

أي: معهم بتأييده ونصره ومعونته وهديه وسعيه، وهذه معية خاصة، كقوله: (ذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ?) [الأنفال: 12] .

وقوله لموسى وهارون: (قَالَ لَا تَخَافَا ? إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى?) [طه: 46] .

وقول النبي صلى الله عليه وسلم للصديق -الذي ذكره القرآن وهما في الغار-: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة: 40] .

وأما المعية العامة فبالسمع والبصر والعلم، كقوله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) [الحديد: 4] .

وكقوله تعالى: (لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ? مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى? ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى? مِنْ ذَ?لِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ) [المجادلة: 7] » 101.

من ثمرات التقوى أن الله تعالى يكون وليًا للمؤمنين يتولاهم بعنايته وتأييده ونصره.

قال الله تعالى: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) [الجاثية: 19] .

وتدل أصل كلمة الولاية على القرب، قال الألوسي: «والأولياء جمع ولي من الولي، بمعنى: القرب والدنو، يقال: ولي، أي: قرب» 102.

وقال ابن عاشور: «والولي: الموالي، أي: المحالف والناصر. وكلها ترجع إلى معنى الولي -بسكون اللام -، وهو القرب، وهو في معنى الولي كلها قرب مجازي» 103.

وقال الراغب: «الولاء والتوالي أن يحصل شيئان فصاعدًا، حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما. ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة، والنصرة، والاعتقاد. والولاية -بكسر الواو-: النصرة، والولاية -بفتح الواو- تولي الأمر .. وحقيقته: تولي الأمر» 104.

فأصل كلمة الولاية تعني القرب. والولاية تعني تولي الأمر بالرعاية والعناية لأوليائه على أعدائه؛ لأنه يتولاهم بتأييده ونصره.

وقد وصف الله تعالى نفسه بأنه الولي فقال: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ? فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى? وَهُوَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الشورى: 9] .

أي: إن الله وحده هو الولي، فالولاية الحقيقية له تبارك وتعالى.

والولاية ولايتان:

••ولاية عامة لكل الناس جميعًا.

••ولاية خاصة للمؤمنين.

فالله ولي المؤمنين والكافرين من حيث التصرف في شئونهم وأرزاقهم ونصرهم أو خذلانهم.

قال تعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) [النساء: 123] .

وقال تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) [النساء: 173] .

أي: إن الذين اتخذوهم أولياء لا ينصرونهم في شيء فالولاية والنصرة الحقيقية من الله تعالى.

أما الولاية الخاصة فهي ولاية المؤمنين، وذلك بتأييدهم ونصرهم على عدوهم، كما قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة: 257] .

ولهذا أمر الله تعالى المؤمنين باتخاذ الله وليهم، فقال تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) [المائدة: 55] .

وبين أن النصر والغلبة والتأييد من عنده تبارك وتعالى، وأن الذين يجعلون الله وليهم ورسوله والمؤمنين هم الغالبون الظافرون.

قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة: 56] .

كما أنه تعالى يخرج أولياءه من الظلمات إلى النور: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [البقرة: 257] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت