وهذا هو الذي خلص إليه أيضًا العلامة المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله حيث قال بعد أن تتبع السياق التاريخي لهدي النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي الله عز وجل.
قال: «فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة.
ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محاربين وأهل ذمة.
والمحاربون له خائفون منه. فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلمٌ مؤمن به، ومسالمٌ له آمنٌ -أهل ذمة- وخائف محارب» 30.
وهذا النظر للمراحل التي مر بها تشريع القتال والجهاد يشير إلى الأحكام المرحلية ليست أحكامًا نهائية تنسخ غيرها مثلًا أو تتعارض معها، فإن الإسلام يواجه كل مرحلة بما يناسبها. يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في تعريفه بسورة التوبة «براءة» : «هذه السورة مدنية، من أواخر ما نزل من القرآن- إن لم تكن هي آخر ما نزل من القرآن- ومن ثم قد تضمنت أحكامًا نهائية في العلاقات بين الأمة المسلمة وسائر الأمم في الأرض والسورة- بهذا الاعتبار- ذات أهمية خاصة في بيان طبيعة المنهج الحركي للإسلام ومراحله وخطواته- حين تراجع الأحكام النهائية التي تضمنتها مع الأحكام المرحلية التي جاءت في السور قبلها- وهذه المراجعة تكشف عن مدى مرونة ذلك المنهج، وعن مدى حسمه كذلك.
وبدون هذه المراجعة تختلط هذه الصور والأحكام والقواعد كما يقع كلما انتزعت الآيات التي تتضمن أحكامًا مرحلية فجعلت نهائية ثم أريد للآيات التي تتضمن الأحكام النهائية أن تفسر وتؤول لتطابق تلك الأحكام المرحلية وبخاصة في موضوع الجهاد الإسلامي، وعلاقات المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى» 31.
ألمحت فيما سبق إلى أن القتال ظاهرة اجتماعية، عرفتها البشرية منذ عهدها الأول، وإلى أن القتال في الإسلام الذي هو الجهاد في سبيل الله -كما تقدم- له غاية وهدف، ولذلك تنوع القتال بحسب أصناف المقاتلين، وفيما يأتي بيان لذلك بإيجاز، في النقاط الآتية:
أولًا: الكفار وأئمتهم:
إذا أطلقت كلمة القتال، فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان هو قتال الكافرين والمشركين بعامة، وقد تواترت الآيات القرآنية الكريمة في ذلك، فقال الله تعالى مبينًا أن شأن الكفار هو قتال المؤمنين، فكان من الواجب قتالهم لرد العدوان ودرء الفتنة عن المسلمين: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ? وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ? وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى? يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ? فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ? كَذَ?لِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ?191?فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ?192?وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى? لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ? فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ?193?) [البقرة: 191 - 193] .
وهذا أمرٌ بقتالهم، أينما وجدوا في كل وقت، وفي كل زمان قتال مدافعةٍ، وقتال مهاجمةٍ، ثم استثنى من هذا العموم قتالهم (عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وأنه لا يجوز إلا أن يبدؤوا بالقتال، فإنهم يقاتلون جزاءً لهم على اعتدائهم، وهذا مستمر في كل وقت، حتى ينتهوا عن كفرهم فيسلموا، فإن الله يتوب عليهم، ولو حصل منهم ما حصل من الكفر بالله والشرك في المسجد الحرام، وصد الرسول والمؤمنين عنه، وهذا من رحمته وكرمه بعباده.
ولما كان القتال عند المسجد الحرام، يتوهم أنه مفسدة في هذا البلد الحرام، أخبر تعالى أن المفسدة بالفتنة عنده بالشرك، والصد عن دينه، أشد من مفسدة القتل، فليس عليكم - أيها المسلمون - حرج في قتالهم. ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة، وهي: «أنه يرتكب أخف المفسدتين، لدفع أعلاهما» .
ثم ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله، وأنه ليس المقصود به، سفك دماء الكفار، وأخذ أموالهم، ولكن المقصود به: أن (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) تعالى، فيظهر دين الله تعالى على سائر الأديان، ويدفع كل ما يعارضه، من الشرك وغيره، وهو المراد بالفتنة، فإذا حصل هذا المقصود، فلا قتل ولا قتال، (فَإِنِ انْتَهَوْا) عن قتالكم عند المسجد الحرام (فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) أي: فليس عليهم منكم اعتداء، إلا من ظلم منهم، فإنه يستحق المعاقبة، بقدر ظلمه 32.
قال الإمام أبو جعفر الطبري: يعني تعالى ذكره بذلك: واقتلوا -أيها المؤمنون- الذين يقاتلونكم من المشركين حيث أصبتم مقاتلهم وأمكنكم قتلهم، وذلك هو معنى قوله: «حيث ثقفتموهم» أي: اقتلوهم في أي مكان تمكنتم من قتلهم، وأبصرتم مقاتلهم. وأما قوله: «وأخرجوهم من حيث أخرجوكم» فإنه يعنى بذلك المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ومنازلهم بمكة، فقال لهم تعالى ذكره: أخرجوا هؤلاء الذين يقاتلونكم - وقد أخرجوكم من دياركم - من مساكنهم وديارهم كما أخرجوكم منها والشرك بالله أشد من القتل 33.
وتأتي الآيات الكريمة لتأكيد هذا المعنى فيقول الله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى? لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ? فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [الأنفال: 39] .
وقال سبحانه وتعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى? إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى? تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ? ذَ?لِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَ?كِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ? وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ(4 ) ) [محمد: 4] .
يقول تعالى ذكره لفريق الإيمان به وبرسوله: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالله ورسوله من أهل الحرب، فاضربوا رقابهم حتى إذا غلبتموهم وقهرتم من لم تضربوا رقبته منهم، فصاروا في أيديكم أسرى، فشدوهم في الوثاق كيلا يقتلوكم، فيهربوا منكم. فإذا أسرتموهم بعد الإثخان، فإما أن تمنوا عليهم بعد ذلك بإطلاقكم إياهم من الأسر، وتحرروهم بغير عوض ولا فدية، وإما أن يفادوكم فداء بأن يعطوكم من أنفسهم عوضًا حتى تطلقوهم، وتخلوا لهم السبيل 34.
قال الإمام البغوي رحمه الله: «واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هي منسوخة بقوله: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ(57 ) ) [الأنفال:57] .
وبقوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْے) [التوبة:5] .
وإلى هذا القول ذهب قتادة والضحاك والسدي وابن جريج، وهو قول الأوزاعي وأصحاب الرأي، قالوا: لا يجوز المن على من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء.
وذهب آخرون إلى أن الآية محكمة، والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من الكفار إذا وقعوا في الأسر بين أن يقتلهم أو يسترقهم أو يمن عليهم، فيطلقهم بلا عوض أو يفاديهم بالمال، أو بأسارى المسلمين، وإليه ذهب ابن عمر، وبه قال الحسن، وعطاء، وأكثر الصحابة والعلماء، وهو قول الثوري، والشافعي، وأحمد وإسحاق.
قال ابن عباس: لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل في الأسارى: (ڑ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) . وهذا هو الأصح والاختيار، لأنه عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده» 35.
ثم تتوارد الآيات الكريمة في الأمر بقتال الكفار عندما يتولون ويعرضون عن الدين والتزام الأمان والسلم، وعندما ينقضون العهود والمواثيق، فيقول الله تبارك وتعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ? فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى? يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ? فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ? وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ?89? ?) [النساء: 89] .
ويقول سبحانه وتعالى: فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ? فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5 ) ) [التوبة: 5] .
وهذه المعاني نصت عليها الآيات الأخرى، وخصت بالذكر أئمة الكفر وصناديده، وهم القادة في الكفر، من الرؤساء الطاعنين في دين الرحمن، الناصرين لدين الشيطان، وخصهم بالذكر لعظم جنايتهم، ولأن غيرهم تبعٌ لهم، وليدل على أن من طعن في الدين وتصدى للرد عليه، فإنه من أئمة الكفر 36.
فقال تعالى: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(7) كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ? يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى? قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ ? إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ? وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ? إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (12) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ? أَتَخْشَوْنَهُمْ ? فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [التوبة: 7 - 13] .
ثانيًا: أهل الكتاب:
وإذا كان القتال موجهًا في المطلب السابق للكفار بعامة ولأئمتهم وصناديدهم بخاصة، فإن الأمر كذلك توجه للمؤمنين بقتال صنف من الكفار، وهم أهل الكتاب، فإنهم استجمعوا من الصفات ما يسوغ قتالهم إلى أن يسلموا أو يدفعوا الجزية.
فقال الله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى? يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ(29 ) ) [التوبة: 29] .
وهذه الآية الكريمة نزلت أول الأمر بقتال أهل الكتاب بعدما تمهدت أمور المشركين ودخل الناس في دين الله أفواجًا واستقامت جزيرة العرب، أمر الله ورسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى، وكان ذلك في سنة تسع؛ ولهذا تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال الروم ودعا الناس إلى ذلك وأظهره لهم، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة فندبهم، واجتمع من المقاتلة نحو ثلاثين ألفًا، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين وغيرهم؛ وكان ذلك في عام جدب، ووقت قيظ وحرٍ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الشام لقتال الروم فبلغ تبوك فنزل بها وقوله: (حَتَّى? يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) أي: إن لم يسلموا (عَن يَدٍ) أي: عن قهر لهم (وَهُمْ صَاغِرُونَ) أي: ذليلون حقيرون مهانون، فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين، بل هم أذلاء صغرة أشقياء 37.
وقد أخبر الله تعالى عن أهل الكتاب أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر مع إظهارهم الإيمان بالنشور والبعث. وذلك يحتمل وجوهًا:
أحدها: أن يكون مراده لا يؤمنون باليوم الآخر على الوجه الذي يجري حكم الله فيه من تخليد أهل الكتاب في النار وتخليد المؤمنين في الجنة، فلما كانوا غير مؤمنين بذلك أطلق القول فيهم بأنهم لا يؤمنون باليوم الآخر، ومراده حكم يوم الآخر وقضاؤه فيه، كما تقول: أهل الكتاب غير مؤمنين بالنبي، والمراد بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقيل فيه: إنه أطلق ذلك فيهم على طريق الذم؛ لأنهم بمنزلة من لا يقر به في عظم الجرم، كما أنهم بمنزلة المشركين في عبادة الله تعالى بكفرهم الذي اعتقدوه. وقيل أيضًا: لما كان إقرارهم عن غير معرفة، لم يكن ذلك إيمانًا، وأكثرهم بهذه الصفة.
وقوله تعالى: (وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ) فإن دين الحق هو الإسلام، قال الله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ?) [آل عمران:19] .
وهو التسليم لأمر الله وما جاءت به رسله والانقياد له والعمل به، والدين يتصرف على وجوه: منها الطاعة، ومنها القهر، ومنها الجزاء. ودين اليهود والنصارى غير دين الحق لأنهم غير منقادين لأمر الله ولا طائعين له، لجحودهم نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: فهم يدينون بدين التوراة والإنجيل معترفون به منقادون له؟
فالجواب على ذلك: في التوراة والإنجيل ذكر نبينا، وأمرنا بالإيمان واتباع شرائعه، وهم غير عاملين بذلك بل تاركون له، فهم غير متبعين دين الحق.
وأيضًا: فإن شريعة التوراة والإنجيل قد نسخت، والعمل بها بعد النسخ ضلال، فليس هو إذًا دين الحق.
وأيضًا: فهم قد غيروا المعاني وحرفوها عن مواضعها وأزالوها إلى ما تهواه أنفسهم دون ما أوجبه عليهم كتاب الله تعالى، فهم غير دائنين دين الحق 38.
والذي يتلخص بعد ذلك: أن هذه الآية الكريمة فيها أمرٌ بقتال الكفار من اليهود والنصارى من (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) إيمانًا صحيحًا يصدقونه بأفعالهم وأعمالهم، ولا يحرمون ما حرم الله، فلا يتبعون شرعه في تحريم المحرمات، (وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ) أي: لا يدينون بالدين الصحيح، وإن زعموا أنهم على دين، فإنه دين غير الحق، لأنه إما بين دين مبدل، وهو الذي لم يشرعه الله أصلًا، وإما دين منسوخ قد شرعه الله، ثم غيره بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم فيبقى التمسك به بعد النسخ غير جائز.
فأمره بقتال هؤلاء وحث على ذلك، لأنهم يدعون إلى ما هم عليه، ويحصل الضرر الكثير منهم للناس بسبب أنهم أهل كتاب. وغاية ذلك القتال (حَتَّى? يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) أي: المال الذي يكون جزاء لترك المسلمين قتالهم، وإقامتهم آمنين على أنفسهم وأموالهم بين أظهر المسلمين، يؤخذ منهم كل عام، كلٌ على حسب حاله، من غني وفقير ومتوسط، كما فعل ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وغيره من أمراء المؤمنين.
وقوله: (عَن يَدٍ) أي: حتى يبذلوها في حال ذلهم وعدم اقتدارهم ويعطونها بأيديهم، فلا يرسلون بها خادما ولا غيره، بل لا تقبل إلا من أيديهم (وَهُمْ صَاغِرُونَ) فإذا كانوا بهذه الحال، وسألوا المسلمين أن يقروهم بالجزية، وهم تحت أحكام المسلمين وقهرهم، وحال الأمن من شرهم وفتنتهم، واستسلموا للشروط التي أجراها عليهم المسلمون مما ينفي عزهم وتكبرهم ويوجب ذلهم وصغارهم 39؛ وجب على الإمام أو نائبه أن يعقدها لهم. وإلا بأن لم يفوا ولم يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون لم يجز إقرارهم بالجزية، بل يقاتلون حتى يسلموا 40.
ثالثًا: المرتدون.
وهذا صنف ثالث من أصناف الذين يقاتلهم المسلمون، ويكون قتالهم جهادًا في سبيل الله؛ لأنه قتال لإعلاء كلمة الله تعالى، بل قد يكون قتالهم أولى من قتال الكفار الأصليين. وفي بيان حال المرتدين يقول الله سبحانه وتعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَ?ئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ? وَأُولَ?ئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 217] .
قال الإمام عبد الحق ابن عطية رحمه الله في بيان الردة وما يترتب عليها، في تفسيره لهذه الآية الكريمة:
«أي: من يرجع عن الإسلام إلى الكفر. قالت طائفة من العلماء: يستتاب المرتد فإن تاب وإلا قتل.
وقال عبيد بن عمير وطاووس والحسن -على خلاف عنه- والشافعي في أحد قوليه: يقتل دون أن يستتاب. وروي نحو هذا عن أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل.
ومقتضى قولهما أنه يقال له للحين: راجع. فإن أبى ذلك قتل، وقال عطاء بن أبي رباح: إن كان المرتد ابن مسلمين قتل دون استتابة، وإن كان أسلم ثم ارتد استتيب، وذلك لأنه يجهل من فضل الإسلام ما لا يجهل ابن المسلمين.
واختلف القائلون بالاستتابة: فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يستتاب ثلاثة أيام. وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في أحد قوليه.
وقال الزهري: يدعا إلى الإسلام، فإن تاب وإلا قتل.
وروي عن علي أبي طالب رضي الله عنه أنه استتاب مرتدًا شهرًا فأبى فقتله، وقال النخعي والثوري: يستتاب محبوسًا أبدًا. قال ابن المنذر: واختلفت الآثار عن عمر في هذا الباب.
قال القاضي أبو محمد: كان رضي الله عنه ينفذ بحسب جرم ذلك المرتد أو قلة جرمه المقترن بالردة» 41.
رابعًا: الطائفة الممتنعة عن أداء أحد أركان الإسلام.
إن تتبع الأحكام الشرعية في قتال فئات وطوائف تتصف بصفة معينة أو تمتنع عن الالتزام بحكم من الأحكام الظاهرة أو تترك شعيرة من شعائره يجعلنا نخرج بحكم كليٍّ أو قاعدة عامة في قتال الطائفة الممتنعة عن أداء أحد أركان الإسلام، وهو وجوب قتالها حتى تعود إلى الإقرار والطاعة والالتزام، فتتمتع عندئذ بالعصمة، أو تعود إليها العصمة التي سقطت عنها بامتناعها عن أداء الركن.
وقد أبان عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله خير بيان وأوضحه، واستدل له بالآيات الكريمة الواضحة الدلالة فقال:
«أجمع علماء المسلمين على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله، فلو قالوا: نصلي ولا نزكي، أو نصلي الخمس ولا نصلي الجمعة ولا الجماعة، أو نقوم بمباني الإسلام الخمس ولا نحرم دماء المسلمين وأموالهم، أو لا نترك الربا ولا الخمر ولا الميسر، أو نتبع القرآن ولا نتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نعمل بالأحاديث الثابتة عنه، أو نعتقد أن اليهود والنصارى خير من جمهور المسلمين وأن أهل القبلة قد كفروا بالله ورسوله ولم يبق منهم مؤمن إلا طائفة قليلة، أو قالوا: إنا لا نجاهد الكفار مع المسلمين، أو غير ذلك من الأمور المخالفة لشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وما عليه جماعة المسلمين؛ فإنه يجب جهاد هذه الطوائف جميعها كما جاهد المسلمون مانعي الزكاة، وجاهدوا الخوارج وأصنافهم، وجاهدوا الخرمية والقرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف أهل الأهواء والبدع الخارجين عن شريعة الإسلام.
وذلك لأن الله تعالى يقول في كتابه: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى? لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ? فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) [البقرة: 193] .
فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله.
وقال تعالى: (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة: 5] .
فلم يأمر بتخلية سبيلهم إلا بعد التوبة من جميع أنواع الكفر وبعد إقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ? وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) [البقرة: 278 - 279] .
فقد أخبر تعالى أن الطائفة الممتنعة إذا لم تنته عن الربا فقد حاربت الله ورسوله، والربا آخر ما حرم الله في القرآن فما حرمه قبله أوكد.
وقال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ?) [المائدة: 33] .
فكل من امتنع من أهل الشوكة عن الدخول في طاعة الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله، ومن عمل في الأرض بغير كتاب الله وسنة رسوله فقد سعى في الأرض فسادًا؛ ولهذا تأول السلف هذه الآية على الكفار وعلى أهل القبلة؛ حتى أدخل عامة الأئمة فيها قطاع الطريق الذين يشهرون السلاح لمجرد أخذ الأموال، وجعلوهم بأخذ أموال الناس بالقتال محاربين لله ورسوله ساعين في الأرض فسادًا، وإن كانوا يعتقدون تحريم ما فعلوه ويقرون بالإيمان بالله ورسوله. فالذي يعتقد حل دماء المسلمين وأموالهم ويستحل قتالهم، أولى بأن يكون محاربًا لله ورسوله، ساعيًا في الأرض فسادًا من هؤلاء. كما أن الكافر الحربي الذي يستحل دماء المسلمين وأموالهم ويرى جواز قتالهم، أولى بالمحاربة من الفاسق الذي يعتقد تحريم ذلك
وقد قال تعالى في كتابه: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى? يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 65] .
فكل من خرج عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته فقد أقسم الله بنفسه المقدسة أنه لا يؤمن حتى يرضى بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع ما يشجر بينهم من أمور الدين والدنيا وحتى لا يبقى في قلوبهم حرج من حكمه. ودلائل القرآن على هذا الأصل كثيرة.
وبذلك جاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين؛ ففي «الصحيحين» 42: عن أبي هريرة قال: (لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد من العرب قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم أموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) ؟ فقال أبو بكر: ألم يقل إلا بحقها؟ فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. فقال عمر: فو الله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق). فاتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال أقوام يصلون ويصومون إذا امتنعوا عن بعض ما أوجبه الله عليهم من زكاة أموالهم.
وهذا الاستنباط من صديق الأمة قد جاء مصرحًا به. ففي «الصحيحين» 43: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) .
فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتالهم حتى يؤدوا هذه الواجبات. وهذا مطابق لكتاب الله. وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة، وأخرج منها أصحاب الصحيح عشرة أوجه ذكرها مسلم في «صحيحه» وأخرج منها البخاري غير وجهٍ، وقال الإمام أحمد رحمه الله صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه» 44.
خامسًا: الطائفة المعتدية على الأخرى من المؤمنين:
أقام الإسلام العلاقة بين المؤمنين على أساس العقيدة والإيمان والأخوة الإسلامية التي ينتفي معها القتال بين المؤمنين، لأن العصمة وحرمة الدم والمال والعرض ثابتة لكل منهم بإيمانه وإسلامه، فلا يجوز أن يكون القتال بين فئتين مسلمتين، أو بين دولتين مسلمتين -عندما توزعت الأمة الواحدة إلى دول-إلا أن الإسلام يعالج كل الاحتمالات والوقائع التي قد تطرأ فتحمل بعض الناس من المؤمنين على بغي أو عدوان على آخرين منهم، وهنا يجب المبادرة إلى الإصلاح ورفع العدوان والبغي الواقع من إحدى الطائفتين على الأخرى 45.
قال الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ? فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى? فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى? تَفِيءَ إِلَى? أَمْرِ اللَّهِ ? فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ?9?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ?10?) [الحجرات: 9 - 10] .