فهرس الكتاب

الصفحة 906 من 2431

كما أن هناك من الناس من يعذب بماله وولده في الدنيا قبل الآخرة، وتتحول عنده الأمور التي يحبها الناس ويحرصون على تكثيرها من كونها مصدر نعمة وسعادة إلى أن تكون مصدر نقمة وشقاء وعذاب.

وصدق الله العظيم: {وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85) } [التوبة:85] .

وهذه الآية وإن كانت في المنافقين الكافرين إلا أنه يمكن الاستشهاد بها في هذا المقام للحذر من هذه النهاية. 31

ولقد حذر الله سبحانه وتعالى من هذه الفتنة في آيتي الأنفال والتغابن.

قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) } [الأنفال:28] .

وقال تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) } [التغابن:15] .

وكلمة {فِتْنَةٌ} تأتي في مثل هذه الموارد بمعنى وسيلة الامتحان، والحقيقة أن أهم وسيلة لامتحان الإيمان والكفر والشخصية وفقدانها وميزان القيم الإنسانية للأفراد هي (المال والأولاد) . فكيفية جمع المال وكيفية إنفاقه والمحافظة عليه.

وميزان التعلق به ميزان لامتحان البشر، فكم من أناس يلتزمون بظاهر العبادة وشعائر الدين حتى المستحبات يلتزمون بأدائها، لكنهم إذا ما ابتلوا بقضية مالية تراهم ينسون كل شئ، ويدعون الأوامر الإلهية، ومسائل الحق والعدل والإنسانية جانبًا، هذا من جانب المال.

أما عن الأبناء فهم ثمار قلب الإنسان وبراعم حياته المتفتحة، ولهذا نجد الكثير من الناس المتمسكين بالدين والمسائل الأخلاقية والإنسانية لا يراعون الحق والدين بالنسبة للمسائل المتعلقة بمصلحة أبنائهم، فكأن ستارًا يلقى على أفكارهم فينسون كل الأمور ويصير حبهم لأبنائهم سببًا ليحلوا الحرام ويحرموا الحلال، ومن أجل توفير المستقبل لأبنائهم يمنعون كل حق ويقدمون على كل منكر، فيجب علينا الاعتصام بالله العظيم في هذين الميدانين العظيمين للامتحان، وأن نحذر بشدة، فكم من أناس زلت أقدامهم وسقطوا فيهما وظلت لعنة التأريخ تلاحقهم أبدًا، فإذا زلت لنا قدم يومًا وجب علينا الإسراع إلى تصحيح المسير.

3.تحول الأبناء إلى أعداءً

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) } [التغابن:14] .

ربما يكون من الأولاد والنساء من هو عدو للإنسان، فيجب الحذر منهم.

ومعنى {مِنْ} في {مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} للتبعيض، وسياق الخطاب بلفظ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} وتعليق العداوة بهم يفيد التعليل أي أنهم يعادونهم بما أنهم مؤمنون، والعداوة من جهة الايمان لا تتحقق إلا باهتمامهم أن يصرفوهم عن أصل الايمان، أو عن الأعمال الصالحة كالانفاق في سبيل الله والهجرة من دار الكفر، أو أن يحملوهم على الكفر، أو المعاصي الموبقة كالبخل عن الانفاق في سبيل الله شفقة على الأولاد والأزواج، والغصب واكتساب المال من غير طريق حله. فالله سبحانه يعد بعض الأولاد والأزواج عدوًا للمؤمنين في إيمانه، حيث يحملونهم على ترك الايمان بالله أو ترك بعض الأعمال الصالحة أو اقتراف بعض الكبائر الموبقة، وربما أطاعوهم في بعض ذلك شفقة عليهم وحبًا لهم، فأمرهم الله بالحذر منهم.

فعن أبي جعفر رضي الله عنه في قوله تعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن:14] «وذلك أن الرجل إذا أراد الهجرة تعلق به ابنه وامرأته وقالوا: ننشدك الله أن تذهب عنا فنضيع بعدك، فمنهم من يطيع أهله فيقيم، فحذرهم الله من أبنائهم ونسائهم ونهاهم عن طاعتهم، ومنهم من يمضي ويذرهم ويقول: أما والله لئن لم تهاجروا معي ثم جمع الله بيني وبينكم في دار الهجرة لا أنفعكم بشيء أبدًا» 32.

4.منع الأبناء عن ذكر الله.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) } [المنافقون:9] .

فلقد خاطب سبحانه المؤمنين فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ} أي لا تشغلكم {أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} أي: عن الصلوات الخمس المفروضة. وقيل. ذكر الله جميع طاعاته، عن أبي مسلم. وقيل: ذكره شكره على نعمائه والصبر على بلائه والرضا بقضائه، وهو إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يغفل المؤمن عن ذكر الله في بؤسٍ كان أو نعمةٍ، فإن إحسانه في الحالات لا ينقطع، {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} أي من يشغله ماله وولده عن ذكر الله {فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} .

وقال تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) } [سبأ:37] .

فإن كثرة الأولاد والأموال لا تعني القرب من الله. وقوله سبحانه وتعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ} ، خطاب إلى عامة الناس من الكفار وغيرهم، والوجه فيه أن ما ذكره من الحكم - حكم الأموال والأولاد - سواء في ذلك المؤمن والكافر، فالمال والولد إنما يؤثران أثرهما الجميل إذا كان هناك إيمان وعمل صالح وإلا فلا يزيدان الإنسان إلا وبالًا.

كما تكون الأموال والأولاد استدراج وإملاء للكافرين ليزدادوا إثمًا.

قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56) } [المؤمنون:55 - 56] .

وعن قتادة رحمه الله قال: (مكر - والله - بالقوم في أموالهم وأولادهم فلا تعتبروا الناس بأموالهم وأولادهم ولكن اعتبروهم بالإيمان والعمل الصالح) 33.

وذلك لأنهم استخدموا أموالهم وأولادهم لأجل الطغيان والاستكبار عن الحق؛ كما قال تعالى: {أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) } [القلم:14] .

وأغروا بهما الناس وصدوهم عن سبيل الله؛ كما قال تعالى: عن قوم نوح {وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا} [نوح:21] .

فذكر أنهم أهل أموال وأولاد؛ إيماءً إلى أن ذلك سبب نفاذ قولهم في قومهم وائتمار القوم بأمرهم؛ فأموالهم إذ أنفقوها لتأليف أتباعهم، وأرهبوا بأولادهم من يقاومهم، والمعنى: واتبعوا أهل الأموال والأولاد التي لم تزدهم تلك الأموال والأولاد إلا خسارًا؛ لأنهم استعملوها في تأييد الكفر والفساد فزادتهم خسارًا إذ لو لم تكن لهم أموال ولا أولاد لكانوا أقل ارتكابًا للفساد 34.

الأموال والأولاد اختبار وامتحان في الدنيا، قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) } [الأنفال:28] .

فهذا تنبيه على الحذر من الخيانة التي يحمل عليها المرء حب المال؛ وهي خيانة الغلول وغيرها؛ فتقديم الأموال لأنها مظنة الحمل على الخيانة في هذا المقام، وعطف الأولاد على الأموال لاستيفاء أقوى دواعي الخيانة فإن غرض جمهور الناس في جمع الأموال أن يتركوها لأبنائهم من بعدهم.

وجعل نفس (الأموال والأولاد) فتنة لكثرة حدوث فتنة المرء من جراء أحوالهما؛ مبالغة في التحذير من تلك الأحوال وما ينشأ عنها، فكأن وجود الأموال والأولاد نفس الفتنة، وعطف قوله: {وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} على قوله: {أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} للإشارة إلى أن ما عند الله من الأجر على كف النفس عن المنهيات هو خير من المنافع الحاصلة عن اقتحام المناهي لأجل الأموال والأولاد 35.

والفتنة: هي البلاء والمحنة؛ لأنهم يوقعون في الإثم والعقوبة، ولا بلاء أعظم منهما، وقدمت الأموال على الأولاد لأنها أعظم فتنة 36.

إن فتنة الأموال والأولاد عظيمة لا تخفى على ذوي الألباب؛ إذ أموال الإنسان عليها مدار معيشته وتحصيل رغائبه وشهواته، ودفع كثير من المكاره عنه؛ من أجل ذلك يتكلف في كسبها المشاق ويركب الصعاب ويكلفه الشرع فيها التزام الحلال واجتناب الحرام ويرغبه في القصد والاعتدال، ويتكلف العناء في حفظها، وتتنازعه الأهواء في إنفاقها، ويفرض عليه الشارع فيها حقوقًا معينة وغير معينة: كالزكاة ونفقات الأولاد والأزواج وغيرهم. ويقول الحق سبحانه عن هذا المغتر بالمال والأولاد وهو كافر بالله: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، وهذا مصير يليق بمن يقع في خديعة نفسه بالمال أو الأولاد 37.

وقال السمرقندي رحمه الله: «إنما ذكر الأموال والأولاد؛ لأن أكثر الناس يدخلون النار لأجل الأموال والأولاد، فأخبر الله تعالى أنه لا ينفعهم في الآخرة؛ لكيلا يفني الناس أعمارهم لأجل المال والولد؛ وإنما ذكر الله تعالى الكفار، لكي يعتبر بذلك المؤمنون» 38.

فعلى العاقل أن يعتبر بالآيات ولا يغتر بكثرة الأعداد من الأموال والأولاد وعدم اجتهاده؛ لمعاده فإن الله يمتعه قليلًا ثم يضطره إلى عذاب غليظ 39.

الأموال والأولاد قد تقعد المسلم عن العمل لدين الله والاستجابة خوفًا وبخلًا. والحياة التي يدعو إليها الإسلام حياة كريمة، لا بد لها من تكاليف، ولا بد لها من تضحيات؛ لذلك يعالج القرآن هذا الحرص بالتنبيه إلى فتنة الأموال والأولاد - فهي موضع ابتلاء واختبار وامتحان - وبالتحذير من الضعف عن اجتياز هذا الامتحان، ومن التخلف عن دعوة الجهاد وعن تكاليف الأمانة والعهد والبيعة؛ واعتبار هذا التخلف خيانة لله والرسول، وخيانة للأمانات التي تضطلع بها الأمة المسلمة في الأرض؛ وهي إعلاء كلمة الله وتقرير ألوهيته وحده للعباد، والوصاية على البشرية بالحق والعدل ومع هذا التحذير التذكير بما عند الله من أجر عظيم يرجح على الأموال والأولاد، التي قد تقعد الناس عن التضحية والجهاد 40.

فإذا انتبه القلب إلى موضع الامتحان والاختبار، كان ذلك عونًا له على الحذر واليقظة والاحتياط؛ أن يستغرق وينسى ويخفق في الامتحان والفتنة. ثم لا يدعه الله بلا عون منه ولا عوض ... فقد يضعف عن الأداء بعد الانتباه؛ لثقل التضحية وضخامة التكليف وبخاصة في موطن الضعف في الأموال والأولاد؛ إنما يلوح له بما هو خير وأبقى، ليستعين به على الفتنة ويتقوى.

{وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} . إنه سبحانه هو الذي وهب الأموال والأولاد ... وعنده وراءهما أجر عظيم لمن يستعلي على فتنة الأموال والأولاد، فلا يقعد أحد إذن عن تكاليف الأمانة وتضحيات الجهاد 41.

ومن أجل ذلك حذر الله المؤمنين من الاشتغال بالأموال والأولاد عن ذكره فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) } [المنافقون:9] .

خص الأموال والأولاد بتوجه النهي عن الاشتغال بها اشتغالًا يلهي عن ذكر الله؛ لأن الأموال مما يكثر إقبال الناس على إنمائها والتفكير في اكتسابها؛ بحيث تكون أوقات الشغل بها أكثر من أوقات الشغل بالأولاد. ولأنها كما تشغل عن ذكر الله بصرف الوقت في كسبها ونمائها، تشغل عن ذكره أيضًا بالتذكير لكنزها؛ بحيث ينسى ذكر ما دعا الله إليه من إنفاقها.

وأما ذكر الأولاد فهو إدماج؛ لأن الاشتغال بالأولاد والشفقة عليهم وتدبير شؤونهم وقضاء الأوقات في التأنس بهم من شأنه أن ينسي عن تذكر أمر الله ونهيه في أوقات كثيرة فالشغل بهذين أكثر من الشغل بغيرهما.

وفيه أن الاشتغال بالأموال والأولاد الذي لا يلهي عن ذكر الله ليس بمذموم 42.

وهنا نلحظ أنه قدم في سورتي آل عمران والتوبة البنون على الأموال، قال تعالى في آل عمران: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) } [آل عمران:14] .

وقال في التوبة: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) } [التوبة:24]

فعندما يذكر سبحانه الحب الفطري يؤخر الأموال؛ لأن الأموال تترك للأبناء؛ يعمل ويكد ويعلم أنه ميت ويترك الأموال للأبناء.

أما في مواطن الإلهاء فقدم الأموال على الأولاد مع أن حب الأولاد أكثر لكن الالتهاء بالمال يكون أكثر؛ لذا قدم الأموال على الأولاد للتحذير.

قال أبو حيان رحمه الله: (لما كان المال في باب المدافعة والتقرب والفتنة أبلغ من الأولاد قدم، بخلاف قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ} ؛ فإنه ذكر هنا حب الشهوات، فقدم فيه البنين على ذكر الأموال) 43. فالفتنة بالمال أكثر؛ لأنه يعين على تحصيل الشهوات المحرمة بخلاف الأولاد، فإن الإنسان قد يفتن بهم ويعصي الله من أجلهم، ولكن الفتنة بالمال أكثر وأشد، ولهذا بدأ سبحانه بالأموال قبل الأولاد كما في قوله تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} [سبأ:37] .

وقوله سبحانه: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن:15] .

وقوله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) } [المنافقون:9] .

1.قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ? وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ?1?) [النساء:1] .

الأولاد أمانة ومسؤولية عند الوالدين، كلفهما الله بحفظها ورعايتها، وأوصاهما بتربيتهم تربية صالحة في دينهم ودنياهم، وهم أولى الناس بالبر وأحقهم بالمعروف، والأبوان مسؤولان بين يدي الله عن تربية أبنائهم، قال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راع في بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها) 44

وما دام الأولاد نعمة ومتعة وزينة، فإن الإسلام رتب لهؤلاء الأبناء حقوقًا من قبل الآباء، وهي حقوق تقضي بها الفطرة السوية، ولكن الإسلام مع هذا وضع الضوابط والقواعد التي تحافظ عليها، وتحول دون التفريط فيها أو إساءة القيام بها» 45

والعناية بها في ظلال القرآن والسنة، منذ كان نطفة ثم جنينا ثم بعد الولادة حتى البلوغ، ومنها حق النسب، وحق اختيار الاسم الحسن، وحق الرضاع والحضانة، وحق التربية، وحق النفقة، وغيرها مذكرا أنه تعالى خلق الجميع من نفس واحدة نصت عليه الآية السابقة.

وعندما أرسل الله تعالى الرسل جعل لهم أزواجًا وذرية، فقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد:38] .

وقد بين القرآن الكريم أن الأبناء زينة الحياة الدنيا ومتاعها، قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «المال والبنون حرث الدنيا والأعمال الصالحة حرث الآخرة، وقد يجمعها لأقوام» .

وأخبرنا المولى تعالى أن بعض الأنبياء توجه إليه بالدعاء في أن يرزقه الولد وألا يدعه فردًا بلا خلف، فقال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) } [الأنبياء:89] .

وقد أثنى الله على نبيه زكريا عليه السلام حيث قال: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) } [مريم:3] . والنداء هنا بمعنى الدعاء.

أولًا: حقوق مادية:

1.حق الحياة.

قال تعالى: و {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) } [التكوير:8 - 9] .

وقال تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) } [النحل:58 - 59] .

وقال سبحانه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام:151] .

وقال تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء:92] .

والإجهاض من أنواع قتل الولد، قال تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) } [التكوير:8 - 9] .

وفي الحديث الصحيح سئل عليه الصلاة والسلام أي الذنب أعظم؟ قال (أن تجعل لله ندًا وهوالذي خلقك، ثم قيل أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك) 46.

وأن الله سبحانه وتعالى حينما أمر النبي أن يبايع النساء بايعهن على أن: {لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ} [الممتحنة:12] .

2.حق رضاعة الطفل.

قال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) } [البقرة:233] .

ومنه إحضار مرضعة إذا لم ترض الأم المطلقة أن ترضع طفلها.

قال تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) } [الطلاق:6] .

التشاور مع الأمهات في عملية الفطام، أي: الفصال التى يحكمها ألا تقل عن عامين.

وفى هذا قال تعالى {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة:233] .

3.حق الإنفاق عليهم.

ويشمل الطعام والكسوة.

قال تعالى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:233] .

4.حق الميراث.

وقد شرع الله عز وجل في ذلك نظامًا فريدًا، يحفظ لكل ذي قرابة حقه دون نقص أو زيادة.

ثانيًا: حقوق معنوية:

لقد عني القرآن بتنمية الشعور الفطري الذي ينشأ من خلال الرابطة الأسرية والمحافظة عليها وتقويتها فحدد دائرة معينة من الأقارب حرم فيها الزواج سموًا بهذه القرابة ووقاية لهذه القلوب المتآلفة من شواهد الخصومة والبغضاء التي تنشأ من خلال الممارسات اليومية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت