أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (جهل) تدل على معنين: أحدهما: خلاف العلم، والآخر: الخفة وخلاف الطمأنينة 1.
والجاهلية في اللغة: «يعبّر بها عن التناهي في الجهل» 2، «وأصل الجهل من قولهم: استجهلت الريح الغصن، إذا حرّكته، فكأن الجهل إنما هو حركةٌ تخرج عن الحق والعلم» 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الجاهلية في الاصطلاح: «هي عادة القوم قبل الإسلام» 4؛ «لأن الناس الذين عاشوا فيها كانوا جاهلين بالله وبالشرائع» 5، وقد أطلق عليها القرآن أحيانًا لفظ: (الجاهلية الأولى) ، «ويجوز أن تكون الجاهلية الأولى- جاهلية الكفر قبل الإسلام. والجاهلية الأخرى- جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام» 6.
فيكون بهذا لفظ الجاهلية ليس معناه شيئًا واحدًا! وإنما هو مجموعة العادات والتقاليد التي كان يتسم بها الناس قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، مما جاء الإسلام بإبطالها.
«وأحسب أن لفظ الجاهلية من مبتكرات القرآن، وصف به أهل الشرك تنفيرًا من الجهل، وترغيبًا في العلم؛ ولذلك يذكره القرآن في مقامات الذم في نحو قوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [المائدة: 50] ، {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] » 7.
العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:
الجهل في اللغة ضد العلم، وفي الاصطلاح وصف به أهل الشرك تنفيرًا من الجهل، وترغيبًا في العلم.
ورد الجذر (ج هـ ل) في القرآن (24) مرة 8.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل المضارع ... 5 ... {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) } [الأنعام:111]
مصدر صناعي ... 4 ... {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [المائدة:50]
اسم الفاعل ... 10 ... {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} [البقرة:273]
مصدر سماعي ... 4 ... {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء:17]
صيغة مبالغة ... 1 ... {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) } [الأحزاب:72]
وجاءت الجاهلية في القرآن بمعناها في اللغة وهي من الجهل، والجهل في اللغة على ثلاثة أضرب 9:
الأول: وهو خلو النفس من العلم، هذا هو الأصل.
الثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه.
الثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل، سواء اعتقد فيه اعتقادًا صحيحًا أو فاسدًا، كمن يترك الصلاة متعمدًا، ومنه قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) } [البقرة:67] .
الإسلام:
الإسلام لغة:
الاستسلام، والانقياد 10.
الإسلام اصطلاحًا:
الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله 11.
الصلة بين الجاهلية والإسلام:
الجاهلية هي مجموعة العادات والتقاليد التي كان يتسم بها الناس قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، مما جاء الإسلام بإبطالها، فالإسلام مرحلة مهمة في إبطال مجموعة العادات والتقاليد المخالفة التي انتشرت في الجاهلية.
الشرك:
الشرك لغة:
مأخوذ من شرك، ومنه: (أشرك بالله: كفر، أي: جعل له شريكًا في ملكه تعالى الله عن ذلك) 12، وقد يأتي بمعنى المخالطة والنصيب، لكن المراد هنا هو الكفر.
الشرك اصطلاحًا:
تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائصه سبحانه 13.
الصلة بين الجاهلية والشرك:
من أخطر الأمور المتفشية في الجاهلية المتعلقة بالعقيدة هو الشرك، والذي كان للشياطين العلاقة الوطيدة فيه، روى الطبراني في «الكبير» عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة رنّ إبليس رنة اجتمعت إليه جنوده، فقال: ايئسوا أن تردّوا أمّة محمد على الشرك بعد يومكم هذا، ولكن افتنوهم في دينهم، وأفشوا فيهم النوح) 14.
قال الله تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] .
قال طاووس ومقاتل وغيرهما: «لا يصبر عن النساء» ، وقال الحسن: «هو خلقه من ماءٍ مهينٍ» ، وقال الزجاج: «ضعف عزمه عن قهر الهوى» .
قال ابن القيم: «والصواب أن ضعفه يعم هذا كلّه، وضعفه أعظم من هذا وأكثر؛ فإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر، والآفات إليه مع هذا الضعف أسرع من السيل في صيب الحدود» 15.
لقد فطر الله الإنسان على صفات النقص كتقدير كوني، لكنه سبحانه أرشده إلى ما يزيل به نقصه ذلك أو بعضه، فمثلًا: طبع الله الإنسان على الخطأ، كما قال صلى الله عليه وسلم: (كلّ بني آدم خطّاءٌ، وخير الخطّائين التّوّابون) 16، فانظر كيف دلّه على ما يمحو به أخطاءه!
وكذلك طبع الإنسان على الظلم والجهل، فقال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] .
ثم دلّه ربّه سبحانه على ما يرفع به عن نفسه ذلك الظلم والجهل، فقال لرفع الظلم: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] .
وقال سبحانه لرفع الجهل: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] .
وقال: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] .
وعن أول خروج الإنسان للدنيا قال سبحانه: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} ثم أعطاه الله ما يرفع به عن نفسه ذلك الجهل الفطري فقال: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] .
بهذا نعلم أن الجهل من طبيعة الإنسان البشري، لكنه مأمور شرعًا برفع ذلك الجهل عن نفسه؛ ليسلم من تبعات الأخطاء التي يرتكبها بسبب جهله، خاصة إن كان في حاضرة علم وعلماء.
الإيمان بأنبياء الله تعالى ركن من أركان الإيمان بالله تعالى، لا يصح إيمان عبد بدونه.
قال الله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] .
وقال تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177] .
ولا شك أن الأنبياء والرسل هم المبلّغون عن الله تعالى دينه ورسالته؛ لذا فلم يرسل الله تعالى لتلك المهمة إلا الخلّص من عباده.
قال سبحانه وتعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75] .
أي: «يختار ويجتبي من الملائكة رسلًا ومن الناس رسلًا يكونون أزكى ذلك النوع، وأجمعه لصفات المجد، وأحقه بالاصطفاء، فالرسل لا يكونون إلا صفوة الخلق على الإطلاق، والذي اختارهم واصطفاهم ليس جاهلًا بحقائق الأشياء! أو يعلم شيئًا دون شيء! وإنما المصطفي لهم السميع البصير، الذي قد أحاط علمه وسمعه وبصره بجميع الأشياء، فاختياره إياهم عن علم منه أنهم أهل لذلك، وأن الوحي يصلح فيهم، كما قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] » 17.
وبعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة ثمانية عشر نبيًّا ورسولًا.
قال سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 89، 90] .
ولما أمر موسى عليه السلام قومه أن يذبحوا بقرة، كان جوابهم: {قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} ! فكان جوابه عليه السلام أن: {قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] : «تبرؤٌ وتنزٌه عن الهزء؛ لأنه لا يليق بالعقلاء الأفاضل، فإنه أخص من المزح؛ لأن في الهزؤ مزحًا مع استخفاف واحتقار للممزوح معه، على أن المزح لا يليق في المجامع العامة والخطابة، على أنه لا يليق بمقام الرسول؛ ولذا تبرأ منه موسى بأن نفى أن يكون من الجاهلين، كناية عن نفي المزح بنفي ملزومه، وبالغ في التنزه بقوله: {أَعُوذُ بِاللَّهِ} أي: منه؛ لأن العياذ بالله أبلغ كلمات النفي، فإن المرء لا يعوذ بالله إلا إذا أراد التغلب على أمر عظيم لا يغلبه إلا الله تعالى» 18.
إذن فهم عليهم الصلاة والسلام منزّهون معصومون عن الوقوع في أعمال الجاهلين.
وما بعث الله أنبياءه عليهم الصلاة والسلام إلا لينهوا أقوامهم وأممهم عن أعمال الجاهلين، فنبينا عليه الصلاة والسلام قرأ على قومه لوم الذين {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154] .
وبلّغ أمّته نكير الله على الحاكمين بالجاهلية إذ قال: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] .
وتلا عليه الصلاة والسلام على نسائه ونساء المؤمنين: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] .
وكانت أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم تنهى عن حمية الجاهلية، وبيّنت هذه الآية أنها في قلوب الكافرين لا المؤمنين بالله: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} [الفتح: 26] .
بل إن المتأمل في سيرتهم عليهم الصلاة والسلام، يجد -بلا عناء- أنهم دعاة إلى ضد الجهل والجاهلية والجهالة، ولنستعرض هنا بعض الآيات التي تدل على ذلك:
فهذا نوح وهود وصالح وشعيب عليهم السلام يقول كلٌّ منهم لقومه: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59] .
فتوحيد الله في العبادة هو أعظم العلم، والشرك به سبحانه أعظم الجهل.
وهذا هود عليه السلام يقول لقومه: {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: 52] .
وكما سيأتي معنا أن كلّ من عصى اللًّه فهو جاهلٌ، وكلّ من أطاعه فهو عالمٌ، وهذا الاستغفار الذي أمرهم به هو من أعظم العلم الذي يهدم جهل المعصية، وكلما كان العبد صادقًا في توبته واستغفاره كان أكثر علمًا بالله تعالى وبعظيم قدره.
بهذا نعلم مدى بعد أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام عن أخلاق الجاهلين وأعمالهم وصفاتههم. ولله الحمد.
تحدث القرآن عن أنواع الجاهلية، وسوف نبيّن ذلك فيما يأتي:
أولًا: الجاهلية العقدية:
وهذه أخطر أنواع الجاهلية؛ لأنها تمس دين المسلم وعقيدته -والعياذ بالله-.
ومن أدلة هذه الجاهلية العقدية:
أولًا: قوله جل في علاه: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر: 64] .
و «إنما وصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقًا للأشياء، وبكونه مالكًا لمقاليد السموات والأرض، وظاهر كون هذه الأصنام جمادات أنها لا تضر ولا تنفع، ومن أعرض عن عبادة الإله الموصوف بتلك الصفات الشريفة المقدسة، واشتغل بعبادة هذه الأجسام الخسيسة؛ فقد بلغ في الجهل مبلغًا لا مزيد عليه؛ فلهذا السبب قال: {أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} ولا شك أن وصفهم بهذا الأمر لائق بهذا الموضع» 19.
ومثل هذه الآية قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 138، 139] .
ثانيًا: قول الحق سبحانه: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] .
قال ابن كثير رحمه الله في الكلام عن هذه الآية: «ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان، الذي وضع لهم اليساق: وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدّمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله؛ حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يحكّم سواه في قليل ولا كثير» 20.
فالحكم من أعظم خصائص ألوهية الرب سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] .
فلا يجوز لأحد سواه أن يحكم في الناس بغير حكمه سبحانه، ولا يجوز لمسلم أن ينصاع لأحد يريد أن يحكمه بغير حكم الله تعالى، وقد حصر الله الحكم له سبحانه فقال في ثلاث آيات من القرآن: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: 57] ، [يوسف: 40] ، [يوسف: 67] .
ثالثًا: قول الله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138] .
أي: «إنكم أيها القوم قوم تجهلون عظمة الله وواجب حقّه عليكم، ولا تعلمون أنه لا تجوز العبادة لشيء سوى الله الذي له ملك السموات والأرض» 21.
قال الرازي: «اعلم أنه تعالى لما بيّن أنواع نعمه على بني إسرائيل، بأن أهلك عدوهم وأورثهم أرضهم وديارهم، أتبع ذلك بالنعمة العظمى: وهي أن جاوز بهم البحر مع السلامة، ولما بيّن تعالى في سائر السور كيف سيّرهم في البحر مع السلامة، وذلك بأن فلق البحر عند ضرب موسى البحر بالعصا، وجعله يبسًا؛ بيّن أن بني إسرائيل لما شاهدوا قومًا يعكفون على عبادة أصنامهم جهلوا وارتدوا وقالوا لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة! ولا شك أن القوم لما شاهدوا المعجزات الباهرة التي أظهرها الله تعالى لموسى على فرعون، ثم شاهدوا أنه تعالى أهلك فرعون وجنوده، وخص بني إسرائيل بأنواع السلامة والكرامة، ثم إنهم بعد هذه المواقف والمقامات يذكرون هذا الكلام الفاسد الباطل؛ كانوا في نهاية الجهل وغاية الخلاف» !! 22.
وقد قال لهم موسى عليه السلام بعد بيانه جهلهم -محذّرًا لهم عاقبة أولئك العاكفين على عبادة غير الله تعالى-: {إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
ثم مبيّنًا لبعض نعم الله عليهم: {قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [الأعراف: 140 - 141] ! أي: فكيف بعد كل هذه النعم تريدون عبادة غيره؟! ما هذا إلا من أعظم أدلة جهلكم بقدر خالقكم ومنجيكم سبحانه وتعالى!
ثانيًا: الجاهلية السلوكية:
وهذه الجاهلية السلوكية دون تلك العقدية، لكنها قد تصل بصاحبها إلى الكفر بالله تعالى عياذًا بالله إذا عملها مستحلًّا لها، بل حتى لو لم يعملها لكنه اعتقد حلّها بعد أن حرّمها الله تعالى.
ولهذا النوع من الجاهلية أمثلة في القرآن الكريم، نذكر هنا بعضها لتدل على ما سواها، فمن ذلك:
أولًا: قول نبي الله يوسف عليه السلام حين دعته امرأة العزيز والنسوة من ورائها {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: 33] .
«فإن قلت: نزول السجن مشقة على النفس شديدة، وما دعونه إليه لذةٌ عظيمة، فكيف كانت المشقة أحبّ إليه من اللذة؟
قلت: كانت أحبّ إليه وآثر عنده نظرًا في حسن الصبر على احتمالها لوجه الله، وفي قبح المعصية، وفي عاقبة كل واحدة منهما، لا نظرًا في مشتهى النفس ومكروهها» 23.
وقوله: {وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} أي: «من الذين لا يعملون بما يعلمون؛ لأنّ من لا جدوى لعلمه فهو ومن لا يعلم سواء.
أو من السفهاء؛ لأنّ الحكيم لا يفعل القبيح» 24.
والتعبير بـ «قوله: {وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} أبلغ من قول: وأكن جاهلًا» 25.
وفي قوله عليه السلام: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ... } دلالة «على أن أحدًا لا يمتنع عن معصية الله إلا بعون الله» 26.
ثانيًا: وقال لوط عليه السلام لقومه: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل: 55] .
أي: «تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك! أو تجهلون العاقبة، أو أراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها» 27.
إن «مجرد الكشف عن هذه الفاحشة يكفي لإبراز شذوذها وغرابتها لمألوف البشرية، ولمألوف الفطرة جميعًا! ثم دمغهم بالجهل بمعنييه: الجهل بمعنى فقدان العلم، والجهل بمعنى السفه والحمق، وكلا المعنيين متحقق في هذا الانحراف البغيض؛ فالذي لا يعرف منطق الفطرة يجهل كل شيء، ولا يعلم شيئًا أصلًا! والذي يميل هذا الميل عن الفطرة سفيه أحمق معتدٍ على جميع الحقوق» ! 28.
«ثم إنه تعالى بيّن جهلهم بأن حكى عنهم أنهم أجابوا عن هذا الكلام بما لا يصلح أن يكون جوابًا له فقال: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56] !» 29.
«سبحان الله! ومتى كان الطهر ذنبًا وجريمة تستوجب أن يخرج صاحبها من بلدة؟ إنها نغمة نسمعها دائمًا من أهل الباطل في كل زمان ومكان حينما يهاجمون أهل الحق، ويسعون لإبعادهم من الساحة لتخلو لباطلهم.
ومن عدل الله تعالى أن يظهر في منطقهم دليل إدانتهم وخبث طباعهم، فكلمة {يَتَطَهَّرُونَ} التي نطقوا بها تعني: أنهم أنفسهم أنجاس تزعجهم الطهارة، وما أحلّ الله من الطيبات، وكأن الله تعالى يجعل في كلامهم منافذ لإدانتهم، وليحكموا بها على أنفسهم» 30.
ثالثًا: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] .
«وقوله تعالى: {الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} فيه وجهان:
أحدهما: أن المراد من كان في زمن نوح، والجاهلية الأخرى من كان بعده.
وثانيهما: أن هذه ليست أولى تقتضي أخرى؛ بل معناه تبرّج الجاهلية القديمة، كقول القائل: