أي: لا يحل لأحد أن يتزوج بطريق الهبة، وقيل: إن خالصة يرجع إلى كل ما تقدم من النساء المباحات له صلى الله عليه وسلم؛ لأن سائر المؤمنين قصروا على أربع نسوة، وأبيح له عليه الصلاة والسلام أكثر من ذلك 250 فيكون قوله: (خَالِصَةً) يرجع إلى جميع ما في الآية، أي: هذا الإكثار من النكاح وهذه المرأة الواهبة خالصة لك، وقوله: (خَالِصَةً لَّكَ) وخاصة مصدران يستوي فيهما المذكر والمؤنث، كالخاطبة والكاذبة واللاغية 251.
ويدل على خصوصيته بهذا النوع وهي الواهبة وجهان:
أحدهما: أنه لما أحل له الواهبة، قال: (خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ؛ ليبين اختصاصه بذلك، فعلم أنه حيث سكت عن الاختصاص كان الاشتراك ثابتًا، وإلا فلا معنى لتخصيص هذا الموضع ببيان الاختصاص.
الثاني: أن ما أحله من الأزواج ومن المملوكات ومن الأقارب أطلقه، وفى الموهوبة قيدها بالخلوص له؛ فعلم أن سكوته عن التقييد في أولئك دليل الاشتراك 252.
ومن خصوصياته صلى الله عليه وسلم في النكاح أن الله تعالى زوجه زينب بنت جحش من غير عقد ولا مهر ولا ولي.
قال تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ? فَلَمَّا قَضَى? زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ? وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا(37 ) ) [الأحزاب: 37] .
فتكون هذه خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر في الروايات أن النبي عليه الصلاة والسلام أصدقها، فعده بعض أهل السير من خصوصياته صلى الله عليه وسلم أيضًا، فيكون في تزوجها خصوصيتان نبويتان 253.
وكان سبب نزول هذه الآية: أن الله تعالى أراد أن يشرع شرعًا عامًا للمؤمنين: أن الأدعياء ليسوا في حكم الأبناء حقيقة من جميع الوجوه، وأن أزواجهم لا جناح على من تبناهم في نكاحهن، وكان هذا من الأمور المعتادة التي لا تكاد تزول إلا بحادث كبير، فأراد أن يكون هذا الشرع قولًا وفعلًا من رسوله، وإذا أراد الله أمرًا جعل له سببًا، وكان زيد بن حارثة يدعى: زيد بن محمد قد تبناه النبي صلى الله عليه وسلم، فصار يدعى إليه، حتى نزل: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ) [الأحزاب: 5] .
فقيل له: زيد بن حارثة وكانت تحته زينب بنت جحش ابنة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد وقع في قلب الرسول لو طلقها زيد لتزوجها، فقدر الله أن يكون بينها وبين زيد ما اقتضى أن جاء زيد بن حارثة يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في فراقها 254.
فقص الله هذه القصة، فقال: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ) أي: بالإسلام، (وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ) بالتبني والعتق، والمراد زيد رضي الله عنه، (أَمْسِكْ عَلَيْكَ) أي: لا تفارقها، واصبر على ما جاءك منها، (وَاتَّقِ اللَّهَ) تعالى في أمورك عامة، وفي أمر زوجك خاصة، فإن التقوى تحث على الصبر، وتأمر به.
(وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) والذي أخفاه أنه لو طلقها زيد لتزوجها صلى الله عليه وسلم 255.
وذكر بعضهم أن إرادته صلى الله عليه وسلم طلاقها وحبه إياها كان مجرد خطوره بباله الشريف بعد العلم بأنه يريد مفارقتها، وليس هناك حسد منه -عليه الصلاة والسلام، وحاشاه- له عليها، فلا محذور، فلو كان المضمر محبتها وإرادة طلاقها ونحو ذلك لأظهره جل وعلا، وللقصاص في هذه القصة كلام لا ينبغي أن يجعل في حيز القبول 256.
ولم يقدر منافق ولا غيره على الخوض في ذلك ببنت شفة مما يوهنه ويؤثر فيه، فلو كان الذي أضمره رسول الله صلى الله عليه وسلم محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه فلا يظهره، فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله تعالى من أنها ستكون زوجة له، وإنما أخفاه استحياء أن يقول لزيد: إن التي تحتك وفي نكاحك ستكون امرأتي 257.
ولهذا قال الحسن: ما أنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم آية أشد منها، ولو كان كاتمًا شيئًا من الوحي لكتمها 258.
قال صاحب الظلال: وهذا الذي أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه وهو يعلم أن الله مبديه هو ما ألهمه الله أنه سيفعله، ولم يكن أمرًا صريحًا من الله، وإلا ما تردد فيه ولا أخره، ولا حاول تأجيله، والجهر به في حينه مهما كانت العواقب التي يتوقعها عن إعلانه، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان أمام إلهام يجده في نفسه، ويتوجس في الوقت ذاته من مواجهته ومواجهة الناس به حتى أذن الله بكونه، فطلق زيد زوجه في النهاية، وهو لا يفكر لا هو ولا زينب فيما سيكون بعد.
وهذه الأقوال جميعها تهدم هدمًا تامًا كل الروايات التي رويت عن هذا الحادث، والتي تشب بها أعداء الإسلام في كل زمان ومكان، وصاغوا حولها الأساطير والمفتريات.
إنما كان الأمر كما قال الله تعالى: (فَلَمَّا قَضَى? زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا) وكانت هذه إحدى ضرائب الرسالة الباهظة حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حمل؛ وواجه بها المجتمع الكاره لها كل الكراهية، حتى ليتردد في مواجهته بها وهو الذي لم يتردد في مواجهته بعقيدة التوحيد، وذم الآلهة والشركاء؛ وتخطئة الآباء والأجداد! 259.
ومعنى: (وَتَخْشَى النَّاسَ) في عدم إبداء ما في نفسك (وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ) وأن لا تباليهم شيئًا (? فَلَمَّا قَضَى? زَيْدٌ) ومعنى: (قَضَى) استوفى وأتم، واسم (زَيْدٌ) إظهار في مقام الإضمار؛ لأن مقتضى الظاهر أن يقال: فلما قضى منها وطرًا، أي: قضى الذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه، فعدل عن مقتضى الظاهر للتنويه بشأن زيد.
لأنه كان يقال له: زيد بن محمد، فلما نزع عنه هذا الشرف حين نزل: (ادْعُوهُمْ لآبائهِمْ) وعلم الله وحشته من ذلك شرفه بخصيصة لم يكن يخص بها أحدًا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وهي أن سماه في القرآن، ومن ذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم نوه غاية التنويه 260.
ومعنى: (وَطَرًا) أي: حاجته من نكاحها. وقيل: أن الوطر هنا هو الطلاق، وروي عن زينب أنها قالت: «ما كنت أمتنع منه غير أن الله منعني منه» ، وقيل: إنه مذ تزوجها لم يتمكن من الاستمتاع بها، وروي أنه كان يتورم ذلك منه حين يريد أن يقربها، فيكون الوطر هنا: الطلاق 261. وهذا ضعيف.
والمقصود أنه لما قضى زيد وطره منها، ولم يعد في قلبه ميل إليها، ولا وحشة من فراقها وطابت نفسه، ورغب عنها، طلقها، وفارقها بانقضاء عدتها منه؛ لأن به يعرف أنه لا حاجة له فيها، وأنه قد تقاصرت عنها همته وإلا لكان راجعها. فلما حصل هذا زوجها الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (زَوَّجْنَاكَهَا) أي: جعلناها زوجة لك، بلا واسطة عقد إصالة، أو وكالة. أي: لم نحوجك إلى ولي من الخلق يعقد لك عليها تشريفًا لك ولها، بما لنا من العظمة التي خرقنا بها عوائد الخلق حتى أذعن لذلك كل من علم به، وسرت به جميع النفوس.
فهي الوحيدة التي زوجه الله إياها من فوق سبع سموات، وأنزل عليه: (فَلَمَّا قَضَى? زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) فقام فدخل عليها بلا استئذان، وكانت تفخر بذلك على سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماواته، وهذا من خصائصها؛ لأن الله جل وعلا قد صرح بأنه هو الذي زوجه إياها. وما أولم على امرأة ما أولم عليها، فذبح شاة، وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار.
وكانت زينب تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن: جدي وجدك واحد، وأني أنكحنيك الله في السماء، وإن السفير لجبريل عليه السلام» 262.
وكانت تفتخر على نساء النبي عليه الصلاة والسلام فتقول: أنا أكرمكن وليًا، وأكرمكن سفيرًا -جبرائيل-، وزوجكن أقاربكن وزوجني الله عز وجل 263.
وأشار سبحانه وتعالى إلى حكمة هذا التزويج، فقال: (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا) وهي إبطال الحرج الذي كان يتحرجه أهل الجاهلية من أن يتزوج الرجل زوجة دعيه، فلما أبطله الله بالقول؛ إذ قال: (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ) [الأحزاب: 4] .
أكد إبطاله بالفعل حتى لا يبقى أدنى أثر من الحرج أن يقول قائل: إن ذاك وإن صار حلالًا فينبغي التنزه عنه لأهل الكمال، فاحتيط لانتفاء ذلك بإيقاع التزوج بامرأة الدعي من أفضل الناس وهو النبي صلى الله عليه وسلم 264؛ ليكون قدوة في إبطال هذه العادة المرذولة، ولا يتحرج المسلمين بعد ذلك من التزوج بزوجات من كانوا يتبنونهم بعد طلاقهن.
وقد كانت العرب تظن أن حرمة المتبني مشتبكة كاشتباك الرحم، فبين الله تعالى الفرق بينهما، وأن حلائل الأدعياء غير محرمة، وليست كحلائل أبناء الصلب؛ لذلك قال: وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) [النساء: 23] فقيد.
وكون الله هو الذي زوجه إياها لهذه الحكمة العظيمة صريح في أن سبب زواجه إياها ليس هو محبته لها التي كانت سببًا في طلاق زيد لها كما زعموا، ويوضحه قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَى? زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا) الآية؛ لأنه يدل على أن زيدًا قضى وطره منها، ولم تبق له بها حاجة، فطلقها باختياره 265. وما كان هذا إلا لبيان الشريعة بفعله، فإن الشرع يستفاد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله.
والجمع بين اللام وكي في قوله: (لِكَيْ لَا؛ لتوكيد التعليل، كأنه يقول: ليست العلة غير ذلك، ودلت الآية على أن الأصل في الأحكام التشريعية أن تكون سواء بين النبي صلى الله عليه وسلم والأمة، حتى يدل دليل على الخصوصية 266.
وجملة: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا تذييل لجملة(زَوَّجْنَاكَهَا) وأمر الله يجوز أن يراد به من إباحة تزوج من كن حلائل الأدعياء، فهو معنى الأمر التشريعي فيه 267. ففي قوله تعالى أولًا: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) ، وقوله ثانيًا: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) لطيفة وهي أنه تعالى لما قال: (زَوَّجْنَاكَهَا) قال: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) أي: تزويجنا زينب إياك كان مقصودًا متبوعًا مقضيًا، مراعى 268.
وفي هذه الآيات المشتملات على هذه القصة، فوائد، منها:
-الثناء على زيد بن حارثة، وذلك من وجهين:
1.أن المحبة التي في قلب العبد لغير زوجته ومملوكته ومحارمه إذا لم يقترن بها محذور لا يأثم عليها العبد، ولو اقترن بذلك أمنيته أن لو طلقها زوجها لتزوجها من غير أن يسعى في فرقة بينهما، أو يتسبب بأي سبب كان؛ لأن الله أخبر أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخفى ذلك في نفسه.
2.وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ المبين، فلم يدع شيئًا مما أوحي إليه إلا وبلغه، حتى هذا الأمر الذي فيه عتابه، وهذا يدل على أنه رسول الله، ولا يقول إلا ما أوحي إليه، ولا يريد تعظيم نفسه.
ثالثًا: إباحة الزواج له بأكثر من أربع:
من خصائصه صلى الله عليه وسلم إباحة الزواج بأكثر من أربع؛ لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} [الأحزاب: 50] .
وكن أكثر من أربع، فهذا لا شركة لأحد معه فيه 270.
وهذا لا تناقض فيه ولا عيب، فالذي شرع للمسلمين أربع زوجات، شرع لنبيهم أكثر من أربع، فمنزل التشريع في الحالتين واحد، فلا انتهاك للشرع، ولا مخالفة بحمد الله، كما أن الذي شرع للأخت في الميراث نصيبًا هو نفسه الذي شرع لأخيها نصيبين، ولم ير أحدٌ أن الأخ قد انتهك شرع الله عندما أخذ ضعف نصيب أخته، فطالما صاحب التشريع واحد وهو الله تبارك وتعالى فلا إشكال ولا شبهة، ويبقى بعد هذا النظر في وجوه الحكمة من وراء هذه الخصوصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن الحكمة في ذلك: أنه معصوم من الجور الذي قد يقع فيه غيره في جانب النساء، إضافةً لما في ذلك من مصالح عامة دعت إليها الحاجة، واقتضتها ظروف الدعوة، وفي ظلها تحققت الكثير من الأهداف النبيلة، والتي كان منها:
نشر الدعوة الإسلامية، ونقل جوانب حياته الخاصة داخل إطار بيته إلى الأمة من بعده، وبيان بطلان الحقوق المقررة للتبني -من خلال زواجه بزينب بنت جحش رضي الله عنها، والارتباط بعدد من القبائل ورجالها بالمصاهرة، مما يعطي الدعوة قوة ومنعة. فما تزوج صلى الله عليه وسلم زوجةً إلا بأمر من الله، بل هو الذي زوجه زينب بنت جحش كما سبق.
وسببٌ آخر هامٌ جدًا: ألا وهو تربية وتخريج مرشدات داعيات للنساء، فهو صلى الله عليه وسلم المدرسة التي خرجت المرشدين الداعين للإسلام بالطريق القويم الصحيح، وكذا المرشدات (زوجاته الطاهرات العليات) فعلى يديه صلى الله عليه وسلم تخرجت نساؤه المرشدات لنساء العالم، واللواتي بدورهن غدين مرشدات لتخريج النساء بكل الأصقاع والبقاع في العالم.
ولم يكن زواجه صلى الله عليه وسلم بأكثر من أربع لدافع الشهوة؛ بل كان للحكم السابق ذكرها؛ ولهذا لم يكن زواجه صلى الله عليه وسلم في مرحلة الشباب، بل في سن متأخر، فلو كان تعدد نسائه لشهوة كان أولى به أن يعدد في قوة شبابه، لو كان كما يزعمون، وإنما هو الدين والعبودية والنبوة.
ونعلم أن معظم زوجات النبي كن كبيرات في السن، وبعضهن كن لا إربة لهن في مسألة الرجل، لكنهن يحرصن على شرف الانتساب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى شرف كونهن أمهات المؤمنين؛ لذلك كانت الواحدة منهن تتنازل عن قسمها في البيتوتة لضرتها مكتفية بهذا الشرف.
ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم بدعًا من الرسل في زواجه من النساء بأكثر من أربع، بل إن من الأنبياء من تزوج بأكثر من ذلك؛ ولهذا قال: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ} والسنة الطريقة المعتادة، أي: ليس على الأنبياء حرج فيما أحل الله لهم كما أحل لداود مثل هذا في نكاح من شاء 271.
ومما يدل على اختصاصه صلى الله عليه وسلم بالزواج بأكثر من أربع قوله تعالى: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} أي: أن جميع الأحكام السابقة المذكورة في الآية، ومنها: الزيادة على الأربع مزية خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره؛ لأن سائر المؤمنين قصروا على أربع نسوة، وأبيح له عليه الصلاة والسلام أكثر من ذلك 272. وهذا إجماع أن أحدًا من الأمة لا يجوز له أن يزيد على أربع نسوة إلا النبي صلى الله عليه وسلم 273.
رابعًا: حرمة زواج نسائه من بعده:
وكان مما خص الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم حرمة زواج نسائه من بعده قال تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} [الأحزاب: 53] .
فحرم نكاح نسائه من بعده على العالمين، ليس هكذا نساء أحد غيره صلى الله عليه وسلم 274.
والسبب أنهن أمهات المؤمنين.
قال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] .
فقوله: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} أي: منزلات منازلهن في وجوب التعظيم والاحترام، وتحريم النكاح، كما قال تعالى: {وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} وأما فيما عدا ذلك من النظر إليهن، والخلوة بهن، والمسافرة معهن، والميراث، فهن كالأجنبيات، فلا يحل رؤيتهن، كما قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} 275؛ لأن الإنسان لا يسأل أمه الحقيقية من وراء حجاب، ومعلوم أنهن رضي الله عنهن لم يلدن جميع المؤمنين الذين هن أمهاتهم. ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: (لست لك بأم إنما أنا أم رجالكم) 276 تعني: أنهن إنما كن أمهات الرجال، لكونهن محرمات عليهم كتحريم أمهاتهم، والدليل على ذلك: أن هذا التحريم لم يتعد إلى بناتهن.
ودلت جملة: {وَمَا كَانَ لَكُمْ} [الأحزاب: 53] .
على الحظر المؤكد؛ لأن {وَمَا كَانَ لَكُمْ} نفي للاستحقاق الذي دلت عليه اللام، وإقحام فعل {كَانَ} لتأكيد انتفاء الإذن، وهذه الصيغة من صيغ شدة التحريم.
وذكر أن هذه الآية نزلت في رجل قال: لئن مات محمد لأتزوجن امرأة من نسائه سماها، فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} .
والمعنى: وما ينبغي لكم أن تؤذوا رسول الله، وما يصلح ذلك لكم {وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} يقول: وما ينبغي لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا لأنهن أمهاتكم، ولا يحل للرجل أن يتزوج أمه، فإنهن محرمات على الرجال تحريم الأمهات تحريمًا مؤبدًا لا يحل بحال.
ويقال: إنما نهى عن ذلك لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة. وروي عن حذيفة أنه قال لامرأته: «إن أردت أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها؛ ولذلك حرم الله تعالى على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجن بعده» 277.
فتضمنت هذه الآية: تحريم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس بقوله تعالى: {وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} وهو تقرير لحكم أمومة أزواجه للمؤمنين السالف في قوله: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] .
وإنما شرعت الآية أن حكم أمومة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين حكم دائم في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، أو من بعده؛ ولذلك اقتصر هنا على التصريح بأنه حكم ثابت من بعد؛ لأن ثبوت ذلك في حياته قد علم من قوله: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] 278. فأزواجه صلى الله عليه وسلم اللاتي مات عنهن لا يحل لأحدٍ نكاحهن، ومن استحل ذلك كان كافرًا.
ومعنى: {مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} من بعد وفاته، أو فراقه 279.
والإشارة بقوله: {إِنَّ ذَلِكُمْ} إلى ما ذكر من إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، وتزوج أزواجه، أي: ذلكم المذكور. والعظم هنا في الإثم والجريمة بقرينة المقام. وتقييد العظيم بكونه عند الله للتهويل والتخويف؛ لأنه عظيم في الشناعة، وعلة كون تزوج أحد المسلمين إحدى نساء النبي صلى الله عليه وسلم إثمًا عظيمًا عند الله أن الله جعل نساء النبي عليه الصلاة والسلام أمهات للمؤمنين، فاقتضى ذلك أن تزوج أحد المسلمين إحداهن له حكم تزوج المرء أمه، وذلك إثم عظيم 280.
ومعنى: {كَانَ عِنْدَ اللَّهِ} أي: في حكمه وقضائه وشرعه ذنبًا عظيمًا، لا يقادر قدره، ولا يعرف مدى جزائه وعقوبته إلا الله تعالى.
وفي الآية: تعظيم من الله لرسوله، وإيجاب لحرمته حيًا وميتًا؛ ولذلك بالغ في الوعيد عليه.
واعلم أنه لم يتبين هل التحريم الذي في الآية يختص بالنساء اللاتي بنى بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو هو يعم كل امرأة عقد عليها مثل الكندية التي استعاذت منه، فقال لها: (الحقي بأهلك) 281 فتزوجها الأشعث بن قيس في زمن عمر بن الخطاب، ومثل قتيلة بنت قيس الكلبية التي زوجها أخوها الأشعث بن قيس من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حملها معه إلى حضرموت، فتوفي رسول الله قبل قفولهما، فتزوجها عكرمة بن أبي جهل، وأن أبا بكر هم بعقابه، فقال له عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدخل بها، على أنه يظهر أن الإضافة في قوله: {أَزْوَاجَهُ} بمعنى: لام العهد، أي: الأزواج اللائي جاءت في شأنهن هذه الآيات من قوله: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} [الأحزاب: 52] .
فهن اللائي ثبت لهن حكم الأمهات، والبحث في هذه المسألة مجرد تفقه، لا يبنى عليه عمل 282.
ومن طريف ما أفاده صاحب روح البيان عند الكلام على هذه الآية أنه قال: ثم إن حرمة نكاحهن من احترام النبي عليه السلام، واحترامه واجب، وكذا احترام ورثته الكمل؛ ولذا قال بعض الكبار: لا ينكح المريد امرأة شيخه إن طلقها، أو مات عنها، وقس عليه حال كل معلم مع تلميذه، وهذا لأنه ليس في هذا النكاح يمن أصلًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وان كان رخصة في الفتوى، ولكن التقوى فوق أمر الفتوى، فاعرف هذا 283.
وهل نساء النبي صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنات كما أنهن أمهات للمؤمنين؟ قيل: هن أمهات المؤمنين والمؤمنات جميعًا، وقيل: هن أمهات المؤمنين دون النساء.