لذلك كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام يدعو الله أن يرزق زوجته وولده: (رَبِّ اجْعَلْ هَ?ذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ) [البقرة: 126] .
وقد يكون من أسباب إفاضة الرزق على العباد الاستقامة على هدي الله تبارك وتعالى، فإن آمن بالله وعبده واتقاه واستغفره وعمل ما أمر به فإن الله يفيض عليه من النعم التي لا تعد ولا تحصى.
وكثيرًا ما يربط القرآن بين الإيمان وصلاح القلوب وبين إفاضة النعم الدنيوية، فضلًا عن الأخروية.
فقد جاء على لسان نوح عليه الصلاة والسلام: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) [نوح: 10 - 12] .
وقد ربط القرآن في أكثر من موطن بين التقوى وبين إفاضة النعم، فقوله تبارك وتعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ?2?وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ? وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ? إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ? قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) [الطلاق: 2 - 3] .
ربط فيه بين التقوى وبين إفاضة النعم الدنيوية.
والحديث وإن كان في معرض الكلام عن أحكام الطلاق إلا أن الآية عامة ويندرج فيه أمور الطلاق.
قال الألوسي: «وجوز أن يكون اعتراضًا جيء به على نهج الاستطراد عند ذكر قوله تعالى: (ذَ?لِكُمْ يُوعَظُ بِهِ) [الطلاق: 2] . وهو أولى؛ لعموم الفائدة» 129.
ومعنى قوله: (مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) «أي: من جهة لا تخطر بباله» 130.
فقد ضمن الله للمتقين أن يجعل لهم مخرجًا مما يضيق على الناس، وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون، فيدفع عنهم ما يضرهم، ويجلب لهم ما يحتاجون إليه، فإذا لم يحصل ذلك دل على أن في التقوى خللًا فليستغفر الله وليتب إليه.
ثالثًا: غفران الذنوب وتكفير السيئات:
ومن ثمرات التقوى أن الله يغفر ذنوب المتقين، وذلك أن الإنسان لابد له من الخطأ والذنب، والله تعالى وعد المتقين بمغفرة الذنوب، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [الحديد: 28] .
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ?70?) [الأحزاب: 70 - 71] .
ومعنى غفران الذنوب هو كما قال الراغب: «أن يصون العبد من أن يمسه العذاب» 131.
وأصل الغفر في اللغة: الستر والتغطية.
والله تعالى يغفر ذنوب المتقين، أي: يسترها ولا يحاسبهم عليها. قال ابن عاشور: «وغفران الذنوب جزاء على التقوى؛ لأن عمود التقوى اجتناب الكبائر، وقد غفر الله للناس الصغائر باجتناب الكبائر، وغفر لهم الكبائر بالتوبة» 132.
ويقول سيد قطب: «(وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: 31] . فالإنسان إنسانٌ مهما وهب من النور، إنسانٌ يقصر حتى لو عرف الطريق، إنسانٌ يحتاج إلى المغفرة فتدركه رحمة الله» 133.
وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ?5?) [الطلاق: 5] .
فليس الأجر على التقوى تكفير السيئات فحسب، بل زيادة في الأجر، فإن الله يضاعف الحسنة إلى سبعمائة ضعف أو أكثر.
أما قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) [الأنفال: 29] .
فقد جمع هنا بين تكفير السيئات ومغفرة الذنوب مما يدل على اختلافهما.
قال ابن عاشور: «والتقوى تشمل التوبة، فتكفير السيئات يصح أن يكون المراد به تكفير السيئات الفارطة التي تعقبها التقوى.
ومفعول (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) محذوف، وهو ما يستحق الغفران وذلك هو الذنب، ويتعين أن يحمل على نوع من الذنوب، وهو الصغائر التي عبر عنها باللمم، ويجوز أن يكون العكس بأن يراد بالسيئات الصغائر وبالمغفرة مغفرة الكبائر بالتوبة المعقبة لها. وقيل: التكفير: الستر في الدنيا، والغفران: عدم المؤاخذة بها في الآخرة» 134.
وهذا الأخير قاله الألوسي حيث قال: « (وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) أي: يسترها في الدنيا (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) بالتجاوز عنها في الأخرى، فلا تكرار» 135.
رابعًا: تيسير الأمور وتفريج الهموم:
ومن ثمرات التقوى أن الله يجعل أمور المتقين ميسرة، ويخرجهم من الضيق الذي يعانون منه، ويصلح لهم أعمالهم.
قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًاں) [الطلاق: 2] .
وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) [الطلاق: 4] .
فمن كان في ضيق أو تعسر عليه أمر وأراد تيسير أموره فعليه بتقوى الله تعالى. واليسر هو جعل الأمور سهلة غير معقدة، ولا ضيق فيها، يضاده: العسر، الذي هو تضييق الأمور وجعلها معقدة غير ميسرة.
وقوله تعالى: (ں ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ?20?) [عبس: 20] . أي: سهل خروجه.
وقوله تعالى: (إِنَّ ذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحج: 70] .
أي: سهل غير صعب، وكذلك قوله تعالى: (ذَ?لِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ) [ق: 44] .
واليسر نعمة من الله تعالى يمن بها على عباده المؤمنين المتقين، ولهذا عندما كلف الله موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون، طلب موسى من الله تعالى أن يجعل أمره سهلًا يسيرًا: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي(25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) [طه: 25 - 26] .
فتيسير الأمور نعمة كبرى يمن الله بها على عباده.
يقول سيد قطب: «واليسر في الأمر غاية ما يرجوه إنسان، وإنها لنعمة كبرى أن يجعل الله الأمور ميسرة لعبد من عباده. فلا عنت ولا مشقة ولا عسر ولا ضيق. يأخذ الأمور بيسر في شعوره وتقديره، وينالها بيسر في حرفته وعمله، ويرضاها بيسر في حصيلتها ونتيجتها» 136.
والعسر -الذي هو ضيق في الأمور سواء كان في المعيشة أو غيرها-؛ ابتلاء من الله تعالى يبتلي به العباد؛ ليعلم الصابر من غيره. وقد امتن الله على عباده بأنه رحيم بهم لم يجعل أمورهم كلها في عسر وضيق، بل جعل الفرج من شدة الضيق.
وقال تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ?5?إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [الشرح: 5 - 6] .
فقد جعل الله تعالى مع كل عسر يسرًا، فإن العبد قد يشتد عليه أمرٌ ما، ولكن الله جعل مع كل عسر يسرًا. وجاء في الآية تكرار (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) ؛ ليؤكد هذا الأمر، وجاء اليسر منونًا بينما العسر معرفًا؛ لتفخيم أمر اليسر. وجعل بعضهم اليسر يسران أخذًا من الآية، وحمله بعضهم على يسر الدنيا ويسر الآخرة 137.
فالله جعل اليسر ملازمًا للعسر، وقد عبر عنه بالمعية مع العسر؛ للدلالة على ملازمته الأكيدة والتامة. وفي هذا حث لمن أصيب بالعسر أن يصبر على العسر فإن اليسر معه.
فمن العسر ما يصيب الإنسان من ضيق في أمر معيشته، فإن على المرء أن يصبر ويحتسب ذلك عند الله تعالى؛ لأنه فيه ابتلاء، كما أن الفرج ملازم لهذا الضيق.
ومن العسر ما يصيب الإنسان من ضر في بدنه، فعلى المرء الصبر على ذلك؛ فإن الفرج لابد آتيه، وهذا ما حصل لنبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام فصبر واحتسب، فمن الله عليه بالشفاء، وأخرجه من هذا الضيق الذي عاناه.
وهذا نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام يقع في الضيق فيسجن، ولكنه صبر واحتسب، فكان أن من الله عليه بالفرج والخروج من الضيق.
ومن العسر ما يصيب الأنبياء، وكذلك الدعاة من عدم استجابة الناس للدعوة الإلهية، فيصبرون، ثم يأتيهم الفرج والخروج من ذلك الضيق.
والخروج من الضيق والعسر إما أن يكون في الدنيا أو في الآخرة، فيكون في الدنيا بتفريج الأمور وقلبها من الشدة إلى اليسر، وهذا ما حصل ليوسف عليه السلام عندما خرج من السجن وجعله الملك أمينًا للخزائن، وكذلك حصل لأيوب حينما برأه الله ووهب له أهله ومثلهم معهم: (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى? لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [ص: 43] .
وقد لا يكون التفريج في الدنيا، فيكون في الآخرة بأن يثيبه الله تعالى عليه في الآخرة بالثواب العظيم.
ولكن الله تعالى جعل بعض الأمور تزيد في تسهيل الأمور والخروج من الضيق الذي يعانيه المرء، ألا وهي التقوى، كما قال تعالى: (?وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) [الطلاق: 4] .
وقال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًاں) [الطلاق: 2] .
خامسًا: النصر والتمكين:
من أهم عوامل النصر للمسلمين التقوى؛ لأن المسلمين لا يتغلبون على أعدائهم بمجرد العدد والعدة، بل لابد من طاعتهم لله تبارك وتعالى، لذا كانت التقوى من أهم المواصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المجاهدون في سبيل الله؛ لتحقيق النصر.
وكثيرًا ما يتم التعبير عن المؤمنين -في سياق القتال والجهاد- بالمتقين، وذلك؛ إبرازًا لصفة التقوى وأهميتها، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ? وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) [التوبة: 123] .
فهذه المعية ليست خاصة بصنف من المؤمنين وهم المتقون، ولكنها عامة لكل المؤمنين، وقد عبر عنهم بالمتقين؛ إبرازًا وتأكيدًا لأهمية هذا الوصف في هذا الجانب وهو القتال في سبيل الله.
قال أبو السعود: «ووضع الظاهر موضع الضمير؛ للتنصيص على أن الإيمان والقتال على الوجه المذكور من باب التقوى، والشهادة بكونهم من زمرة المتقين» 138.
أي: إنه قال: (أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) [التوبة: 123] ولم يقل: إن الله معكم.
وقال الألوسي: «وإنما وضع المظهر موضع المضمر؛ مدحًا لهم بالتقوى، وحثًا للقاصرين على ذلك، وإيذانًا بأنه المدار في النصر» 139.
وفي سورة التوبة: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ? وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) [التوبة: 36] .
والمعنى: واعلموا أن الله معكم، ولكنه جعل معيته للمتقين؛ إبرازًا لهذه الصفة، كأنها صارت مثل الشرط، كما قال ابن كثير: «واعلموا أن الله معكم إذا اتقيتموه وأطعتموه» 140.
وفي سورة محمد يتحدث عن القتال فيذكر الجنة التي أعدها الله للمؤمنين فيقول: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ?) [محمد: 15] .
فيبرز صفة التقوى؛ لأهميتها في هذا المجال.
ومن أهم واجبات المؤمن في المعركة الصبر في مواطن القتال، فلا نصر بلا صبر. وكثيرًا ما تحدث القرآن عن الصبر وقرنه بالتقوى، فإن من تمسك بالصبر والتقوى كان في مأمن من كيد الأعداء وكانت له العاقبة والنصر.
قال تعالى: (? وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ? إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران: 120] .
كما يبين تبارك وتعالى أنه لابد من الصبر والمصابرة والمرابطة مع اقترانهما بالتقوى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران: 200] .
وقد بين الله تعالى أن المؤمنين في غزوة أحد لو أنهم صبروا واتقوا ربهم لأمدهم بالملائكة ونصرهم على أعدائهم.
قال تعالى: (بَلَى? ? إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَ?ذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) [آل عمران: 125] .
فلابد من الصبر في المعركة واقترانه بالتقوى حتى يكون النصر والتمكين للمؤمنين المتقين. لذلك نجد في مواطن كثيرة يعقب عليها القرآن بقوله: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: 128] .
وقوله: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [طه: 132] .
قال أبو السعود: « (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) أي: لأهل التقوى، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ تنبيهًا على أن ملاك الأمر هو التقوى» 141.
وكذلك نجد أن القرآن الكريم يمتن على المؤمنين بالنصر في غزوة بدر ويطلب منهم أن يشكروا الله على هذا النصر، طلب منهم أن يشكروه بالتقوى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ? فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَٹ) [آل عمران: 123] .
فإن في التقوى شكرًا له على النصر، وحتى يدوم لهم النصر فلابد من التقوى.
فالقرآن يلوح دومًا بالتقوى في مجال الجهاد وفي المعركة، فلابد من ملازمتها للمجاهد في سبيل الله تعالى، وأنه بقدر تقوى المؤمنين يعطيهم النصر، وبقدر ابتعادهم عن التقوى يسلط عليهم عدوهم كما حصل يوم حنين عندما أعجب البعض بكثرتهم.
••بين الله سبحانه وتعالى عاقبة التقوى وآثارها في القرآن الكريم، وسوف نتناول ذلك فيما يأتي:
أولًا: عاقبة التقوى في الدنيا وآثرها على الفرد والمجتمع:
بين الله تبارك وتعالى أن العاقبة الحسنى للتقوى والمتقين.
قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132] .
فقد أمر الله تبارك وتعالى بالتقوى وتحصيل مبادئها وترك الالتفات إلى ما سواها؛ لأن العاقبة والنتيجة الحسنى للتقوى، سواء كان ذلك في الدنيا أو في الآخرة.
وأصل العقب هو مؤخر الرجل، وخص العقب والعقبى بالثواب، وكذلك العاقبة 142، أي: الثواب الحسن للتقوى، مما يدل على أن التقوى هي ملاك الأمر وعليها تدور دوائر الخير 143.
فالتقوى سبيل المؤمنين، وخلق الأنبياء والمرسلين ... ووصية الله تعالى لعباده الأولين والآخرين. يقول القرطبي: «التقوى فيها جماع الخير كله، وهي وصية الله في الأولين والآخرين، وهي خير ما يستفيده الإنسان» 144.
ويقول العلامة الفيروزآبادي عن التقوى: «لو كانت في العالم خصلة هي أصلح للعبد وأجمع للخير وأعظم للأجر وأجل في العبودية، وأعظم في القدر، وأولى في الحال، وأنجح في المآل من هذه الخصلة لكان الله سبحان أمر بها عباده، وأوصى خواصه بذلك؛ لكمال حكمته ورحمته.
فلما أوصى بهذه الخصلة الواحدة جميع الأولين والآخرين من عباده، واقتصر عليها، علمنا أنها الغاية التي لا متجاوز عنها ولا مقتصر دونها. وأنه عز وجل قد جمع كل محض نصحٍ ودلالةٍ وإرشاد وسنة وتأديب وتعليم وتهذيب في هذه الوصية الواحدة» 145.
يقول سيد قطب: «فالإنسان هو الرابح بالعبادة في دنياه وأخراه، يعبد فيرضى ويطمئن ويستريح، ويعبد، فيجزى بعد ذلك الجزاء الأوفى، والله غني عن العالمين» 146.
لذلك فإن للتقوى أثرًا عظيمًا على حياة الناس:
فالفرد التقي يجمع كل صفات الخير وينال كل أسباب السعادة الدنيوية، من الرزق والعلم وراحة البال، وكل ما يسعد الإنسان في حياته، يسلم أمره لله في كل شأنه من شئون حياته، ويعلم علم اليقين أن الله الذي يعلم السر وأخفى متكفل به.
والمجاهد في سبيل الله يدرك تمام الإدراك بأنه لو اتقى الله حق تقواه فلابد أن ينصره الله على عدوه، وإن لم يظهر نصره فلخلل في تقواه، إلا أن العاقبة الحسنى في الدنيا للمتقين.
والمجتمع المسلم التقي الذي يؤمن أن في التقوى خيره وما يسعده، فيظهر أثر التقوى في سلوك ذلك المجتمع، وتجد التكافل في أبلغ صوره من التكافل بين الأفراد، وسد حاجة بعضهم لبعض، ويظهر في المجتمع أثر التعاون والإحسان للمحتاج، كما يظهر أثر الإيثار بين الناس، وكرائم الأخلاق، من الصدق والإحسان وكظم الغيظ والعفو عن الناس.
لذلك فإن كان بين العباد فرد فاضل ومجتمع فاضل ومدينة فاضلة فهو مجتمع التقوى والمتقين.
وهذه المثالية لم توجد في مجتمع آخر، كما وجدت في مجتمع المسلمين الأتقياء، لقد وصل الناس في زمن من تاريخ المسلمين لأن ينادى في الشوارع بالصدقات إذا كان هناك أحد يستحقها فلا يجدون، والفرد يتعلم العلم في جميع مراحل حياته وهو مكفول في كل مراحل طلبه للعلم من خلال الأوقاف الكثيرة التي تنفق على طلبة العلم، ولم يعد عند القضاء إلا مسائل معدودة يختلف فيها الناس، ومثل ذلك وغيره كثير.
ثانيًا: عاقبة التقوى في الآخرة:
للمتقين في الحياة الآخرة شأن عظيم، ومهما كان أمرهم في الحياة الدنيا فإنهم في الآخرة أفضل مقامًا وأجرًا.
وقد بين لنا القرآن الكريم أن الدار التي يقيم فيها المتقون في الآخرة أفضل منها في الدنيا، فإنه بقدر ما أعطاهم من ثمرات على التقوى في الدنيا فإنه يعطيهم أفضل منها في الآخرة.
قال الله تعالى: {وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأعراف: 169] .
وقال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] .
وكذلك يكون الجزاء في الآخرة أفضل، قال تعالى: {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يوسف: 57] .
وقال تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: 77] .
وقال تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة: 212] .
وقد أكرم الله المتقين إكرامًا خاصًا في كل مشهد من مشاهد الآخرة، إليك بيانها:
1.عند الوفاة.
يبين القرآن الكريم مشهد المؤمنين المتقين عندما تقبض الملائكة أرواحهم، وكيف تتلقاهم الملائكة بطيب وسرور بالغ وهم يزفون تلك الروح إلى جنة الخلد.
يقول تبارك وتعالى: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 30 - 32] .
وقوله تعالى: {طَيِّبِينَ} أي: طاهرين من دنس الشرك والمعاصي.
قال الراغب: «وأصل الطيب: ما تستلذه الحواس وما تستلذه النفس .. ، والطيب من الإنسان من تعرى من نجاسة الجهل والفسق وقبائح الأعمال، وتحلى بالعلم والإيمان ومحاسن الأعمال، وإياهم قصد بقوله: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ} [النحل: 30] » 147.
فالملائكة تتوفى المؤمنين حال كونهم طيبي النفوس، أي: طاهرين من دنس الشرك والمعاصي، وقيل: «فرحين طيبي النفوس ببشارة الملائكة إياهم بالجنة، أو طيبين بقبض أرواحهم؛ لتوجه نفسهم بالكلية إلى جانب القدس» 148.
فإن النفس المؤمنة تكون طيبة فرحة بلقاء ربها: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27 - 30] .
2.يحشر المتقون حشر تكريم.
فإذا كان المجرمون يحشرون على وجوههم صمًا وبكمًا وعميًا فإن المتقين يحشرون حشر تكريم، كما قال تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} [مريم: 85] .
قال ابن عاشور: «أي: حشر الوفود إلى الملوك، فإن الوفود يكونون مكرمين» 149.
وقال ابن كثير: «إنه يحشرهم يوم القيامة وفدًا، والوفد: هم القادمون ركبانًا، ومنه الوفود» 150.
وقال الألوسي: «أي: ركبانًا ... وأصل الوفد جمع وافد، كالوفود والأوفاد والوفد، من وفد إليه وعليه وفدًا ووفودًا ووفادة وإفادة: قدم وورد .. وقال الراغب: الوفد والوفود هم الذين يقدمون على الملوك مستنجزين الحوائج .. وهذا المعنى الذي ذكره هو المشهور، ومن هنا قيل: إن لفظة الوفد مشعرة بالإكرام والتبجيل، حيث آذنت بتشبيه حالة المتقين بحالة وفود الملوك، وليس المراد حقيقة الوفادة من سائر الحيثيات؛ لأنها تتضمن الانصراف من الموفود عليه، والمتقون مقيمون أبدًا في ثواب ربهم عز وجل. والكلام على تقدير مضاف، أي: إلى كرامة الرحمن أو ثوابه وهو الجنة أو إلى دار كرامته أو نحو ذلك ... ، وكان الظاهر بأن يقال: يوم نحشر المتقين إلينا، إلا أنه اختير الرحمن؛ إيذانًا بأنهم يجمعون من أماكن متفرقة وأقطار شاسعة إلى من يرحمهم» 151.
3.عند اجتياز الصراط.
وبعد بعث الناس وحشرهم يأتي الحساب، فيعطى كل إنسان كتابه بيمينه أو بشماله، ثم يمرون على الصراط.
والصراط جسر على جهنم يمر عليه الناس مؤمنون وكافرون، فيسقط في النار الكافرون ومن قضي عليه بالعذاب، بينما ينجي الله المؤمنين المتقين من الوقوع في النار.
وقد وردت روايات في وصف الصراط بأنه أحد من السيف وأدق من الشعر.
وعلى هذا الصراط يعبر المؤمنون المتقون، ولكن سرعة عبورهم على حسب أعمالهم، وذلك أن المتقين يمرون فلا يقعون، وعندها ينجيهم الله برحمته من الوقوع في جهنم.
قال تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 71 - 72] .
واختلف المفسرون في المراد بالورود، فقال بعضهم: يراد بورود النار: دخولها، فيدخلها المؤمنون، ولكنها تكون عليهم بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم عليه السلام. وقال آخرون: إن المراد بالورود: المرور عليها من غير دخول.
4.عند دخول الجنة.
وأول ما نلاحظه في الآيات من دخول المتقين الجنة: أن المتقين قبل دخولهم الجنة فإن الجنة تقرب لهم، كما قال تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الشعراء: 90] .
ومعنى الإزلاف: التقريب، أي: قربت الجنة للمتقين.
قال أبو السعود: «أي: قربت الجنة للمتقين عن الكفر والمعاصي بحيث يشاهدونها من الموقف ويقفون على ما فيها من فنون المحاسن فيبتهجون بأنهم المحشورون إليها» 152.
وقال ابن عاشور: «والمعنى أن المتقين يجدون الجنة حاضرة فلا يتجشمون مشقة السوق إليها» 153.