فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 2431

و «إن الإنسان حينما يقف عاجزًا عن معرفة سر هذا الكون، ويتفكر في خلق الله والأرض والنجوم وسائر الأفلاك، وتتابع الليل والنهار، والحياة والموت، وسائر ما أوجده الله في هذا الكون، إذا فعل الإنسان ذلك يجد نفسه عاجزًا عن إدراك كل هذا، وحينئذ يعرف بفطرته أن هناك موجد عظيم لهذا الكون هو أقوى منه، يستحق أنه يخضع له، وأن يعبده ويرجو ثوابه ويخاف عقابه، لا أن يعتقد أن المادة خلقته؛ فإن التفكر في كل ذلك يهدي إلى الاعتراف بخالق عظيم قدير حكيم، لا أن للمادة معه مشاركة؛ بل هي مخلوقة له حدثت بعد أن لم تكن، وهذا هو ما اعترف به الملاحدة في أنفسهم، وجحدوه ظاهرًا تعصبًا لنظرياتهم الفاسدة، وقد ذكر الله عز وجل كثيرًا من عجائب هذا الكون، ورغب الناس في التفكر فيه واستخلاص العبر» 76.

ونجد بأن «الفطرة التي فطر الله الناس عليها، تؤمن بوجود الله خالقها ومدبرها، ومن أنكر ذلك فإنما يغالط نفسه ويشقيها، فالشيوعي - مثلًا - يعيش في هذه الحياة تعسًا، ومصيره بعد الموت إلى النار، جزاء تكذيبه بربه الذي خلقه من العدم، ورباه بالنعم إلا إن تاب إلى الله، وآمن به وبدينه ورسوله» 77.

لذا «هكذا كانت البشرية الأولى على الفطرة والتوحيد لقرب عهدها بربها تعالى، ثم اختلطت بعد ذلك الينابيع وتضافرت العوامل التي أدت إلى الانحراف عن التوحيد، فكان ظهور الشرك طارئًا بعد ذلك التوحيد، وكان انحرافًا عنه» 78.

«ففي الجانب الديني تجد الناس إما أن ارتدوا عن الدين، أو خرجوا منه، أو لم يدخلوا فيه أصلا، أو وقعوا في تحريف الديانات السماوية وتبديلها، وأما في الجانب التشريعي، فإن الناس نبذوا شريعة الله وراءهم ظهريًا، واخترعوا من عند أنفسهم قوانين وشرائع لم يأذن بها الله، تصطدم مع العقل وتختلف مع الفطرة» 79.

قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) } [البقرة: 170] .

قال تعالى في ذلك: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) } [البقرة: 168] .

«قال ابن عباسٍ: {خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} «أعماله» 80، لا تجعلوها تجركم.

«أي: لا تقتدوا بها في اتباع الهوى، فإنه صريحٌ في أن الخطاب للكفرة كيف لا وتحريم الحلال على نفسه تزهدا ليس من باب اتباع خطوات الشيطان، فضلًا عن كونه تقولًا وافتراءً على الله تعالى، وإنما نزل فيهم» 81.

نهي مقصود {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} الضمير للناس لا محالة وهم المشركون المتلبسون بالمنهي عنه دومًا، وأما المؤمنون فحظهم منه التحذير والموعظة» 82.

ونجد بأن «اتباع الخطوات» معناه: أن يتابع الإنسان غيره في عمله، كمتبع الأثر الذي يتبع أثر البعير، وأثر الدابة، وما أشبهها.

و {خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أي: أعماله التي يعملها، ويخطو إليها؛ وهو شامل للشرك فما دونه؛ فإن الشيطان يأمر بالفحشاء، والمنكر 83.

وقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76) } [النساء: 76] .

والمقصود «أن كيد الشيطان كان ضعيفًا، لأن الله ينصر أولياءه، والشيطان ينصر أولياءه، ولا شك أن نصرة الشيطان، لأوليائه أضعف من نصرة الله لأوليائه، ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر، وإن كانوا حال حياتهم في غاية الفقر والذلة، وأما الملوك والجبابرة فإذا ماتوا انقرض أثرهم، ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم، والكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال عليه يقال: كاده يكيده إذا سعى في إيقاع الضرر على جهة الحيلة عليه. وفائدة إدخال كان في قوله: كان ضعيفًا للتأكيد لضعف كيده، يعني أنه منذ كان موصوفا بالضعف والذلة» 84.

«إنه بحسب إيمان العبد يكون جهاده في سبيل الله، وإخلاصه ومتابعته؛ فالجهاد في سبيل الله من آثار الإيمان ومقتضياته ولوازمه، كما أن القتال في سبيل الطاغوت من شعب الكفر ومقتضياته، ومنها: أن الذي يقاتل في سبيل الله ينبغي له ويحسن منه من الصبر والجلد ما لا يقوم به غيره، فإذا كان أولياء الشيطان يصبرون ويقاتلون وهم على باطل، فأهل الحق أولى بذلك» 85.

«ذكر مقصد الفريقين أمر أولياءه أن يقاتلوا أولياء الشيطان ثم شجعهم بقوله: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} أي إن كيده للمؤمنين بالإضافة إلى كيد الله سبحانه وتعالى للكافرين، ضعيف لا يؤبه به، فلا تخافوا أولياءه، فإن اعتمادهم على أضعف شيء وأوهنه» 86.

وقال تعالى: {يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) } [الأعراف: 27] .

خطاب مباشر « {يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ} لا يمحننكم بأن يمنعكم دخول الجنة بإغوائكم. {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} كما محن أبويكم بأن أخرجهما منها، والنهي في اللفظ للشيطان، والمعنى نهيهم عن اتباعه والافتتان به. {يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا} » 87.

«تحذير من فتنته، بأنه بمنزلة العدو المداجي يكيدكم ويغتالكم من حيث لا تشعرون» 88.

وقال تعالى: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) } [الأعراف:30] .

«تعليلٌ لخذلانه أو تحقيقٌ لضلالتهم {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} فيه دلالةٌ على أن الكافر المخطئ والمعاند سواءٌ في استحقاق الذم وللفارق أن يحمله على المقصر في النظر» 89.

«والفريق الذي هداه الله هم المؤمنون بالله المتبعون لأنبيائه، والفريق الذي حقت عليه الضلالة: هم الكفار. قوله: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} تعليلٌ لقوله: {وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} أي: ذلك بسبب أنهم أطاعوا الشياطين في معصية الله، ومع هذا فإنهم يحسبون أنهم مهتدون، ولم يعترفوا على أنفسهم بالضلالة وهذا أشد في تمردهم وعنادهم» 90

ثانيًا: نماذج قرآنية في الانحراف عن الفطرة:

قال تعالى: {يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) } [مريم: 44] .

«أي: لا تطعه، فإن عبادة الأصنام هي من طاعة الشيطان، ثم علل ذلك بقوله: {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} حين ترك ما أمره به من السجود لآدم، ومن أطاع من هو عاصٍ لله سبحانه فهو عاصٍ لله، والعاصي حقيقٌ بأن تسلب عنه النعم، وتحل به النقم.

قال الكسائي: العصي والعاصي بمعنًى واحدٍ. ثم بين له الباعث على هذه النصائح فقال: {يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ} قال الفراء: معنى أخاف هنا أعلم.

وقال الأكثرون: إن الخوف هنا محمولٌ على ظاهره لأن إبراهيم غير جازمٍ بموت أبيه على الكفر، إذ لو كان جازمًا بذلك لم يشتغل بنصحه، ومعنى الخوف على الغير: هو أن يظن وصول الضرر إلى ذلك الغير.

{فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} أي: إنك إذا أطعت الشيطان كنت معه في النار واللعنة، فتكون بهذا السبب مواليًا، أو تكون بسبب موالاته في العذاب معه، وليس هناك ولاية حقيقية» 91.

ونجد بأن «المراد بعبادة الشيطان عبادة الأصنام؛ عبر عنها بعبادة الشيطان إفصاحًا عن فسادها وضلالها، فإن نسبة الضلال والفساد إلى الشيطان مقررة في نفوس البشر، ولكن الذين يتبعونه لا يفطنون إلى حالهم ويتبعون وساوسه تحت ستار التمويه، ففي الكلام إيجاز لأن معناه: لا تعبد الأصنام لأن اتخاذها من تسويل الشيطان للذين اتخذوها ووضعوها للناس، وعبادتها من وساوس الشيطان للذين سنوا سنن عبادتها، ومن وساوسه للناس الذين أطاعوهم في عبادتها، فمن عبد الأصنام فقد عبد الشيطان وكفى بذلك ضلالًا معلومًا» 92.

وقال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) } [يس: 60] .

ويكون علاج هذا الانحراف بالرجوع إلى الصراط المستقيم بدلالة قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) } [الأنعام: 153] .

«فدخل فيه كل ما بينه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من دين الإسلام وهو المنهج القويم والصراط المستقيم فاتبعوا جملته وتفصيله، ولا تعدلوا عنه فتقعوا في الضلالات» 93.

و «هو تعقيب على تلك النواهي والأوامر التي أمر الله سبحانه النبى الكريم أن يتلوها على الناس. فهذه المأمورات وتلك المنهيات هي شريعة لله، وهى الصراط المستقيم الذي دعا لله عباده إلى الاستقامة عليه، فمن اجتنب المنهيات، وأتى المأمورات، فهو على صراط الله، وعلى شريعة الله، ومن انحرف عن هذا الصراط، فقد ضل وغوى، وكان من الهالكين وفى قوله تعالى: {فَاتَّبِعُوهُ} أمر بإتيان الأوامر وفى قوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} نهى عن إتيان المنهيات وفى التعبير عن سبيل الله «بالصراط» والتعبير عن الطرق الخارجة عنه بالسبل- إشارة إلى أن طريق الله «صراط» أي طريق معد ومهيأ للسالكين، تقوم عليه منارات هدى، وإشارات هداية أما هذه السبل التي لا تستقيم على هذا الصراط، فهي طرق لا معلم فيها، ولا شارة عليها، يركبها الراكب فيتخبط، ويتعثر، ويضل ولهذا جاء التعبير عن صراط الله بلفظ المفرد، لأنه واحد لا غير، إذ الحق حق وجهه واحد، وطريقه واحدة، وأما الباطل، فهو أباطيل متعدد الوجوه، مختلف السبل» 94.

قال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) } [النساء: 171] .

نلحظ أن «الغلو في الدين أن يظهر المتدين ما يفوت الحد الذي حدد له الدين. ونهاهم عن الغلو لأنه أصل لكثير من ضلالهم وتكذيبهم للرسل الصادقين. وغلو أهل الكتاب تجاوزهم الحد الذي طلبه دينهم منهم: فاليهود طولبوا باتباع التوراة ومحبة رسولهم، فتجاوزوه إلى بغضة الرسل كعيسى ومحمد عليهما السلام، والنصارى طولبوا باتباع المسيح فتجاوزوا فيه الحد إلى دعوى إلهيته أو كونه ابن الله، مع الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم» 95.

و «إنما معناه في الدين الذي أنتم مطلوبون به فكأنه اسم جنس وأضافه إليهم بيانا أنهم مأخوذون به، وليست الإشارة إلى دينهم المضلل، ولا أمروا بالثبوت عليه دون غلو وإنما أمروا بترك الغلو في دين الله على الإطلاق، وأن يوحدوا، ولا يقولوا على الله إلا الحق، وإذا سلكوا ما أمروا به فذلك سائقهم إلى الإسلام، ثم بين تعالى أمر المسيح وأنه «رسول الله وكلمته» 96.

قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) } [الشورى: 27] .

«معناه: وسع. وبسط الشيء نشره. وبالصاد أيضًا {لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ} طغوا وعصوا» 97.

« {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ} لتكبروا وأفسدوا فيها بطرًا، أو لبغى بعضهم على بعض استيلاء واستعلاء، وهذا على الغالب، وأصل البغي طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى كمية أو كيفية. ولكن ينزل بقدرٍ بتقدير، ما يشاء كما اقتضته مشيئته. إنه بعباده خبيرٌ بصيرٌ يعلم خفايا أمرهم وجلايا حالهم؛ فيقدر لهم ما يناسب شأنهم» 98.

قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) } [آل عمران: 14] .

لقد «زين للناس حب الشهوات أي المشتهيات سماها شهوات مبالغة وإيماء على أنهم انهمكوا في محبتها حتى أحبوا شهوتها» 99.

«حب الشهوات: يعني المشتهيات لأن الشهوة توقان النفس إلى الشيء المشتهى من النساء.

إنما بدأ بذكر النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر، والاستئناس بهن أتم، ولأنهن حبائل الشيطان، وأقرب إلى الافتتان، وقوله: {وَالْبَنِينَ} إنما خص البنين بالذكر لأن حب الولد الذكر أكثر من حب الأنثى، ووجه حبه ظاهر لأنه يتكثر به، ويعضده، ويقوم مقامه. وقد جعل الله تعالى في قلب الإنسان حب الزوجة والولد لحكمة بالغة وهي بقاء التوالد، ولو زالت تلك المحبة لما حصل ذلك.

{وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ} جمع قنطار وسمي قنطارا من الإحكام والعقد يقال: قنطرته إذا أحكمته، ومنه القنطرة المحكمة الطاق، واختلفوا في القنطار هل محدود أو غير محدود؟ على قولين:

أحدهما: أنه محدود، ثم اختلفوا في حده، فروي عن معاذ بن جبل أن القنطار ألف ومائتا أوقية. وقال ابن عباس: ألف ومائتا مثقال وعنه أنه اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار دية أحدكم، وبه قال الحسن، وقال سعيد بن جبير: هو مائة ألف ومائة من ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم. ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا، وقال سعيد بن المسيب وقتادة: هو ثمانون ألفا وقال مجاهد: سبعون ألفا. وقال السدي: هو أربعة آلاف مثقال.

والقول الثاني: إن القنطار ليس بمحدود. وقال الربيع بن أنس: القنطار مال الكثير بعضه على بعض، وروي عن أبي عبيدة أنه حكي عن العرب أن القنطار وزن لا يحد، وهو اختيار ابن جرير الطبري وغيره.

وقال الحاكم القنطار ما بين السماء والأرض من مال.

وقال أبو نصرة: القنطار ملء مسك ثور ذهبًا أو فضة، وقال القنطار من المال ما فيه عبور الحياة تشبيها بعبور القنطرة المقنطرة أي المجموعة.

وقيل: المضاعفة لأن القناطير جمع وأقله ثلاثة، والمقنطرة المضاعفة أن تكون ستة أو تسعة، وقيل المقنطرة المسكوكة المنقوشة من الذهب والفضة. إنما بدأ بهما من بين سائر أصناف الأموال لأنهما قيم الأشياء، وإنما كانا محبوبين لأن المالك لهما مالك قادر على ما يريده، وهي صفة كمال وهي محبوبة.

وقيل: سمي الذهب ذهبًا لأنه يذهب ولا يبقى، والفضة لأنها تنفض أي تتفرق.

{وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} الخيل جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط، سميت الأفراس خيلا لاختيالها في مشيتها، وقيل: لأن الخيل لا يركبها أحد إلا وجد في نفسه مخيلة عجبًا.

{وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} أي: المرجع، فيه إشارة إلى التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة.

وقيل: فيه إشارة إلى أن من أتاه الله الدنيا كان الواجب عليه أن يصرفها فيما يكون فيه صلاحه في الآخرة لأنها السعادة القصوى» 100.

في هذا المبحث نجد بأن المفاهيم تغيرت عن مفاهيم المبحث السابق بخصوص الفطرة، فهناك تناولنا الانحراف عن الفطرة: أسبابها، ونماذجها، وأثرها في القرآن الكريم، أما هنا فنعالج وسائل الاستقامة والمحافظة على الفطرة الإلهية نقية طاهرة من الأدران، وأثر هذه الاستقامة في بناء الإنسان مع بيان نماذج من وجوه الاستقامة على الفطرة في العباد.

أولًا: وسائل الاستقامة على الفطرة:

على المسلم أن يحسن الظن بالناس، ولا يستغرب وجود الاستقامة على الفطرة فيهم؛ لأن «الفطرة السلامة والاستقامة» 101.

وكذلك فإن الإيمان بالله سبحانه وتعالى يوجب سلامة الفطرة الإنسانية وحسن قصدها؛ ولكن هناك عدة وسائل للاستقامة على الفطرة السليمة، تبدأ:

إن التربية الصالحة تنطلق من حسن اختيار الزوجة الصالحة؛ لأن الزوجة الصالحة تعد تربة طيبة لبذور صالحة، فإذا وضعنا هذه البذور الصالحة في تربة صالحة، نضمن بإذن الله تبارك وتعالى وجود ذرية صالحة؛ ولذا لا نعجب من تركيز الإسلام ممثلًا بخطابه القرآني على اختيار الزوجة بدلالة قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) } [البقرة: 221] .

ونجد استمرار الحث على حسن اختيار الزوجة في الخطاب النبوي الشريف؛ فقد ورد ذلك في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لأربعٍ: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك) 102.

فهو يخاطب النفس الإنسانية بحسب ما تفكر به، فالنفس ترغب بالمال والحسب والجمال، وآخر شيء تفكر فيه الدين، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل الدين هو المعيار في الاختيار، وإن تأخر، فجعل الظفر لا يكون إلا به بأسلوب التشكيل الاستعاري في قوله: (تربت يداك) أي افتقرت، ثم بعد ذلك يأتي دور التربية ابتداء من سن الطفولة التي يقول علماء النفس وعلماء الاجتماع عنها: إن السن السابعة هي السن المناسبة لتربية الأطفال في البيت وفي المسجد أيضًا.

ويؤيد ذلك الحديث النبوي الشريف عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها) 103.

ثم لا يزال يلزم الأب أن يتعاهد الذرية تربية وإعدادًا وتجهيزًا وإصلاحًا حتى يأتي سن العاشرة، فلابد من أن يزيد في أمره لأولاده بالصلاة حتى يعيشوا مع الصالحين في المساجد وإذا بلغ احدهم الحلم فلابد أن يكون جاهزًا ليميز المعيار الواضح بين الكفر والإيمان.

فالأب مسؤول عن تربية أولاده، وإدامة الفطرة السليمة فيهم بدلالة قول الرسول صلى الله عليه وسلم: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء) ، ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] 104.

فلا تترك الفطرة عرضة لهوى النفس، فتضبط حاجاتها وغرائزها من الآباء «فأخبر أن أصل ولادتهم ونشأتهم على الفطرة، وأن التهويد والتنصير والتمجيس طارئٌ طرأ على الفطرة وعارضٌ عرض لها، واقتضى هذا العارض الذي عرض للفطرة أمورًا استلزمت ترتيب آثارها عليها بحسب قوتها وضعفها، فالآلام المترتبة على ذلك من جنس الآلام والعقوبات المترتبة على خروج البدن عن صحته، وهو إنما خلق على الصحة والاعتدال، فإذا استمر على ذلك لم يعرض له ألمٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت