إن سيادة أي عقيدة في الأرض غير عقيدة التوحيد هي فتنة في الأرض وإفساد لأهلها، والعقيدة الإسلامية هي التي لا يقبل الله تعالى من الناس غيرها، ويجب أن تسود، قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) } [آل عمران:85] ومع ذلك لا يكره الناس على اعتناقها إكراهًا؛ لقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) } [البقرة:256] .
وقوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) } [يونس:99] .
فلا يصح قهرهم وحملهم لدين الإسلام بعد أن بانت الأدلة والآيات الواضحة الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم فيما يبلّغه عن ربه، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر 95.
ثانيًا: مقاصد شرعية:
ويراد بالمقصد الشرعي للحرب: قتال الخارجين عن شرع الله، وإلزامهم بما أنزل الله من شرائع وأحكام، قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) } [التوبة:29] أي: قاتلوا أهل الكتاب رغم إيمانهم بالله؛ لأنهم رفضوا طاعة الله في الشرائع والأحكام، وبرفضهم هذا كأنما رفضوا الدين مطلقًا 96.
وكذلك أمر الله بقتال من أصر على التعامل بالربا، رغم إيمانه بالله، وحذره بحرب من الله ورسوله، قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) } [البقرة:279] أما حرب الله فهي النار يوم القيامة، وأما حرب رسوله فالسيف في الدنيا 97، قال قتادة: «أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بهرجًا أينما ثقفوا» 98.
فحرب المؤمنين الخارجين عن شرع الله واجب بالكتاب والسنة، وما حرب الردة منا ببعيد.
ثالثًا: مقاصد اجتماعية:
والمراد بالمقصد الاجتماعي للحرب: رفع الظلم عن المظلومين، والمستضعفين، والمضطهدين في العالم، والمقهورين، والأسرى الذين يعذبون، ويحرمون من ممارسة حريتهم ظلمًا وعدوانًا، وهذا يظهر البعد الإنساني السامي لهذا الدين، قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) } [النساء:75] .
قال الضحاك: وذلك أن كفار قريش أسروا سبعة نفر من المسلمين، وكانوا يعذبونهم، فأمر الله تعالى بقتال الكفار ليستنقذوا الأسرى من أيديهم 99، «والآية تتناول المؤمنين والأسرى، وحواضر الشرك إلى يوم القيامة» 100، حاضرة الشّيء: القريب منه، والمجاور له 101، وحواضر الشرك أي المدن القريبة من بلاد المشركين، كان لزامًا علينا نصرتهم، والجهاد قربة لله من أجل رفع الظلم عنهم.
فالإسلام يأمر برفع المعاناة عن المظلومين، وتحرير العنصر البشري من ذل العبودية للبشر إلى عز العبودية والانقياد لله، ولا يدخر جهدًا لتحقيق هذه الغاية النبيلة، ولو كلف ذلك بذل المال والأنفس والدماء، إذا ما حال الطغاة والظالمون دون تحقيق هذا الهدف.
رابعًا: مقاصد سياسية:
ويراد بالمقصد السياسي للحرب: حماية الناس من القهر والاضطهاد، والإخراج من الديار، باعتباره ظلم وجرائم سياسية، لا يقبل بها الله، ولا أصحاب القوانين الوضعية في هذا الزمان، وكذلك محاربة من نقضوا العهود.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) } [البقرة: 246] .
ففي قوله عز وجل: {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا} يقول ابن عطية: «وأي شيء يجعلنا ألا نقاتل وقد وترنا وأخرجنا من ديارنا» 102.
وفي ذلك دلالة على أن القتال لاستعادة الديار التي أخرج منها الإنسان المؤمن ظلمًا وعدوانًا دون وجه حق هو قتال في سبيل الله عز وجل.
قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) } [الحج:39 - 40] .
وقد تناول سياق هذه الآية أيضًا بيان أحقية المظلومين ممن أخرجوا من ديارهم بلا ذنب اقترفوه إلا أنهم يقولون ربنا الله، وهي أحق ما يقال، فهذا إذنٌ من الله تعالى بضرورة وجود قوة تحرس أهل العقيدة، وتدافع عنهم للحفاظ على الواقع الديني، والسمة الدينية على الأرض، وأماكن العبادة فيها 103.
فذكر اسم الله وحده في أماكن العبادة لا يشفع لها عند الظلمة أن تصان، فلا يعتدى على حرماتها، لذلك توجب أن تكون للعقيدة وأماكن العبادة من يدافعون عنها في وجه الطغاة المعتدين، لذلك شرع الله الجهاد لهذه الغاية.
وأما نقض العهود والمواثيق فيقول تعالى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) } [التوبة:12] .
فإذا جنح المسالمون المعاهدون لكم إلى الغدر، ونكثوا ما قدّموه من ضمان الوفاء بالعهد، فقاتلوا من يشعلون نيران الفتن، وينقضون العهود، وهم سادة الكفار وقادته 104.
خامسًا: مقاصد أمنية:
ويراد بالمقصد الأمني للقتال: إظهار قوة الأمة وإعداد العدة المتاحة الممكنة على الدوام، لتجعل الكفار يحسبون للقائها كل حساب.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123) } [التوبة:123] .
أمر الله المؤمنين في أول السورة بقتال المشركين كافة حيث وجدوا، ولكنه خص هنا لقريبين منهم، فلا يمكننا قتالهم جميعًا في آن واحد، ولما كان الأفضل قتال طائفة، فكان قتال الأقرب أولى من قتال الأبعد، لأن الاشتغال بقتال الأبعد مع ترك الأقرب، لا يؤمن معه هجوم الأقرب على ذراري المسلمين ونسائهم وبلادهم إذا خلت من المجاهدين، فأصل العلاقة مع العدو القريب أن يرى منا القوة والعنف على كل تحرش من طرفهم، أو محاولة اعتداء، {وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} فلا يجب أن يجدوا فينا لينًا في قول أو معاملة 105.
وهذه النظرة للعدو القريب ذات مغزىً أمني، لما فيها من إضعافهم، وما يترتب عليه حفظ للديار، وتأمين للذراري والأموال.
وفي ذات السياق فإن الأمة مطالبة بإعداد ما تقوى عليه من عدة وعتاد، وبذل واستفراغ طاقتها لتصل إلى مستوىً من القوة يجعل لها الرهبة والهيبة في نفوس أعداء الله، وتبقى حامية للدين وبيضة المسلمين.
قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) } [الأنفال:60] .
فهدف الإعداد تقوية الأمة، لتكون قادرة على ردع المعتدين وصدهم، وحتى يرى الكفار قوة المسلمين، وعتادهم، وقوة حصونهم، ودقة تصويبهم، فيسكن الرعب في قلوب الكفار، فلا يزالون يهابون المواجهة، فيفيؤوا الى السلم.
-إن أخلاق الأمم تنطلق من معتقداتها التي نشأت عليها، والقرآن الكريم يربي الأمة على أفضل الأخلاق وأكرمها، فوجه الأمة للأخذ بمكارم الأخلاق في كل شأن من شؤون حياتها.
ولما كانت الحرب سلوكًا اجتماعيًّا اضطراريًّا لا ينفك عن واقع الحياة، جعل القرآن له قيمًا وأخلاقًا، توجب على المقاتل التزامها، لبيان طبيعة هذا الدين، وسمو أهدافه ومقاصده، حتى وقت الحروب.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94) } [النساء:94] .
فقد وضعت هذه الآية الكريمة القاعدة العامة لأخلاق المقاتل في الإسلام، التي تقوم على عدم قتل المسالمين وغير الحربيين، قال الطبري في تفسيره: إذا سرتم مسيرًا لله في جهاد أعدائكم، فتأنّوا في قتل من أشكل عليكم أمره، ولم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، ولا تقدموا على قتل أحد إلا من علمتموه يقينًا حربًا عليكم، ولا تقولوا لمن استسلم لكم، فلم يقاتلكم مظهرًا لكم أنه من أهل ملتكم ودعوتكم لست مؤمنًا، فتقتلوه ابتغاء طلب متاع الحياة الدنيا، فإن عند الله من رزقه وفضائل نعمه ما هو خير لكم 106.
ولما كانت مقاصد الحرب في القرآن الكريم سامية، لزم أن تكون أخلاق المحاربين لتحقيقها سامية، وقد جاءت آيات القرآن بجملة من الأخلاق والآداب التي يتوجب على المحارب المسلم أن يتحلى بها في الحرب وميدان القتال، والمتأمل في هديه صلى الله عليه وسلم، الذي هو الترجمة الحقيقية للقرآن الكريم، وهدي الخلفاء الراشدين من بعده، يرى سمات وأخلاق المحارب المؤمن، والتي يمكن بيانها فيما يأتي:
1.عدم التعرض للمسالمين.
قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) } [النساء:90] .
جاء قوله عز وجل: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} أي: فإن اعتزلوكم عند القتال، ويقال يوم فتح مكة فلم يقاتلوكم مع قومهم، وطلبوا منكم المسالمة والمصالحة فما جعل الله لكم عليهم حجة في قتالهم، فأمر الله رسوله بالكف عن هؤلاء 107.
وذكر الزمخشري: أن الكف عن القتال سبب لاستحقاقهم ترك التعرض لهم، وترك الإيقاع بهم 108.
وبعموم اللفظ، فإن المقاتل إن تراجع من الميدان وأبدى رغبة في المصالحة فلا يجب قتاله.
2.العدل والتسامح.
قال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) } [النحل:126] .
لما انتهت معركة أحد ونظر النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى عمه حمزة، فرأى ما فعل المشركون به قال: (لئن أظفرني الله عليهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك) ، فأنزل الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} 109، وإن لهذا الدين أدبيات وقيمًا وأخلاقًا، يجب المحافظة عليها بعيدًا الانفعال العاطفي، فالدفع عن الدعوة، والأخذ بالمثل يجب أن يكون في حدود القسط والعدل، وعدم الإسراف في العقوبة والزيادة في الرد، حتى يحفظ لهذه الدعوة كرامتها وعزتها، فلا تهون في نفوس الناس 110.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) } [المائدة:2] .
وقال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) } [الشورى:40 - 42] .
فأجاز عز وجل للمسلم أخذ الحق، ومعاملة الكفار في الميدان، كما يعاملوا المسلمين، ومع ذلك رغب في الصبر والتسامح.
3.تجنب الغلول والغدر والمُثْلَة.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم المحاربين في سبيل الله عن الغدر وهو: أخذ القوم والإغارة عليهم دون سبق إنذار، وتخييرهم بين الإسلام، أو الجزية أو القتال 111، والغلول وهو: إخفاء ما يغنمه الجيش من عتاد ومال من العدو، حتى لا تجري عليه القسمة 112، والمثلة في القتلى، فقال صلى الله عليه وسلم: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا) 113.
وفي الحديث فوائد مجمع عليها وهي تحريم الغدر، وتحريم الغلول، وتحريم قتل الصبيان، إذا لم يقاتلوا، وكراهة المثلة 114.
تأتي وصية النبي صلى الله عليه وسلم للقادة والجند عند عقد الألوية، لتظهر حرص القيادة على جدية التقيد بالتعاليم والأوامر العسكرية، وأنها ليست مجرد شعارات وقرارات نظرية وهمية، وإنما هي خلق وسلوك يجب أن يتحلى به الجند.
4.عدم التعرض للشجر والزرع.
قال تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5) } [الحشر:5] .
لما نزل صلى الله عليه وسلم على حصون بني النضير لقتالهم، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، إما لإضعافهم بها، وإما ليتسع المكان بقطعها. فشق ذلك على بني النضير، فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح، أمن الصلاح قطع النخيل وحرق الشجر؟ وهل وجدت فيما أنزل الله عليك إباحة الفساد في الأرض؟ فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، ووجد المؤمنون في أنفسهم حتى اختلفوا، فقال بعضهم: لا تقطعوا مما أفاء الله علينا، وقال بعضهم: اقطعوا لنغيظهم بذلك، فنزلت الآية بتصديق من نهى عن القطع، وتحليل من قطع من الإثم، وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله 115.
مما سبق يتبين أن الأصل في الحرب عدم التعرض للمزارع والأشجار والمواشي التي يملكها الناس والمدنيون، ولكن إذا اشترك المدنيون في محاربة جيوش المسلمين، وتمترسوا في حصونهم ومزارعهم، جاز للجيش وقيادته أن تجتهد في التعرض لهذه المزارع والأشجار بما يفسح للجيش حرية الحركة، وإغاظة الكفار، ليكون ذلك سببًا في فت عضدهم، وكل ذلك بإذن الله وقدره 116.
5.الرحمة بالصغير والمرأة.
إن من أبرز أخلاق الجيش المسلم في حربه للعدو تجنب النيل أو المس بالذراري والنساء، فقد روي عن رياح بن الرّبيع رضي الله عنه أنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، وعلى مقدمة الناس خالد بن الوليد، فإذا امرأة مقتولة على الطريق، فجعلوا يتعجبون من خلقها، قد أصابتها المقدمة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف عليها فقال: (هاه! ما كانت هذه تقاتل) ثمّ قال: (أدرك خالدًا فلا تقتلوا ذرّيّةً ولا عسيفًا) 117.
إن تعجب النبي من قتل المرأة، وتصريحه صلى الله عليه وسلم بأنها ما كانت لتقاتل، فيه تأكيد بعدم التعرض للنساء في الحرب، مظنة عدم القتال، ويستفاد من كلامه صلى الله عليه وسلم أيضًا، عدم التعرض للذراري: وهم الفتية دون البلوغ، وكذلك الشأن في العبيد.
6.الحرص على عدم إراقة الدماء.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على حقن الدماء، فيقبل إسلام الشخص مهما كانت عدوانيته، فقد (روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثًا من المسلمين إلى قومٍ من المشركين، وإنّهم التقوا فكان رجلٌ من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجلٍ من المسلمين قصد له فقتله، وإنّ رجلًا من المسلمين قصد غفلته، قال: وكنّا نحدّث أنّه أسامة بن زيدٍ، فلمّا رفع عليه السّيف قال: لا إله إلا الله فقتله، فجاء البشير إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسأله فأخبره، حتّى أخبره خبر الرّجل كيف صنع، فدعاه فسأله فقال:(لم قتلته) قال: يا رسول الله، أوجع في المسلمين، وقتل فلانًا وفلانًا، وسمّى له نفرًا، وإنّي حملت عليه، فلمّا رأى السّيف قال: لا إله إلا الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أقتلته) قال: نعم، قال: (فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة) قال: يا رسول الله، استغفر لي، قال: (وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟) قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: (كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة) 118.
فالحديث يبن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم المحارب المسلم كيف يعطي الخصم أي بارقة أمل تمكنه من النجاة بنفسه، وتحييدها من القتال.
فالقتل في ذاته ليس هدفًا للمقاتل، بل عزة الإسلام هي هدفه الأسمى.
وهذا الحديث يصلح أن يكون وثيقة دولية، يبنى عليها من يضعون قوانين الحروب وسياساتها، ليلزموا من خلالها الجيوش والدول المتحاربة عدم المبالغة في إراقة الدماء، واقتناص الفرصة الأولى لحقن الدماء، والكف عن المبالغة في القتل.
7.عدم إكراه أحد على الإسلام.
ومن عظمة أخلاق المحارب التي نتعلمها من سيرته صلى الله عليه وسلم أنه لم يكره أحدًا على الإسلام قط، وقد كان ذلك واضحًا مع غورث بن الحارث، عندما أمسك بسيف النبي وهو نائم بظل شجرة، وأراد قتله صلى الله عليه وسلم، فقام على رأسه بالسيف وقال: (من يمنعك مني؟ فقال صلى الله عليه وسلم:(الله) ، فسقط السيف من يده، فأخذه صلى الله عليه وسلم فقال: (من يمنعك منّي؟) فقال الرجل: كن خير آخذ، فقال صلى الله عليه وسلم: (أتشهد أن لا إله إلاّ اللّه؟) ، فقال: لا، ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلّى سبيله، فعاد الرجل إلى قومه فقال جئتكم من عند خير الناس) 119.
إن هذا الموقف للنبي صلى الله عليه وسلم يبين طبيعة هذه الدعوة المباركة التي جاءت لإسعاد البشرية وإصلاحها، ودعت الناس للدخول في رحابها عن قناعة وحب ويقين، لا عن إرغام وتعسف كما يدعي خصومها، وما كانت الدعوة الإسلامية يومًا لترغم الناس عن اعتناقها عنوة، ولو كان الأمر كذلك ما حققت هذا القبول في نفوس المنصفين من غير العرب على مدى التاريخ البشري منذ فجر الدعوة.