فهرس الكتاب

الصفحة 1675 من 2431

وقوله: (مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) قال الضحاك: معنى البركة فيه تضعيف الثواب، وقال الزجاج: أعلم الله سبحانه أن السلام مباركٌ ثابتٌ لما فيه من الأجر والثواب، وأنه إذا أطاع الله فيه أكثر خيره، وأجزل أجره 115.

فالتحية مصدر فعلٍ مشتقٍ من الجملة المشتملة على فعل (حيا) مثل قولهم: جزاه، إذا قال له: جزاك الله خيرًا، وكان هذا اللفظ تحية العرب قبل الإسلام تحية عامة ...

وكانت تحية الملوك (عم صباحًا) فجعل الإسلام التحية كلمة (السلام عليكم) وهي جائية من الحنيفية (قَالُوا سَلَامًا ? قَالَ سَلَامٌ ?) [هود:69] .

وسماها تحية الإسلام، وهي من جوامع الكلم؛ لأن المقصود من التحية تأنيس الداخل بتأمينه إن كان لا يعرفه، وباللطف له إن كان معروفًا، ولفظ (السلام) يجمع المعنيين؛ لأنه مشتقٌ من السلامة، فهو دعاءٌ بالسلامة، وتأمينٌ بالسلام؛ لأنه إذا دعا له بالسلامة فهو مسالم له، فكان الخبر كنايةً عن التأمين، وإذا تحقق الأمران حصل خيرٌ كثيرٌ؛ لأن السلامة لا تجامع شيئًا من الشر في ذات المسالم، والأمان لا يجامع شيئًا من الشر يأتي من قبل المعتدي، فكانت دعاءً ترجى إجابته، وعهدًا بالأمن يجب الوفاء به، وفي كلمة عليكم معنى التمكن، أي: السلامة مستقرةٌ عليكم.

ولكون كلمة (السلام) جامعةً لهذا المعنى امتن الله على المسلمين بها بأن جعلها (من عند الله) إذ هو الذي علمها رسوله بالوحي، وانتصب تحيةً على الحال من التسليم الذي يتضمنه (فسلموا) نظير عود الضمير على المصدر في قوله: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى? ?) [المائدة:8] .

والمباركة: المجعولة فيها البركة، والبركة: وفرة الخير، وإنما كانت هذه التحية مباركةً -فوق ما تقدم- لما فيها من نية المسالمة، وحسن اللقاء والمخالطة؛ وذلك يوفر خير الأخوة الإسلامية.

والطيبة: ذات الطيب، وهو طيبٌ مجازيٌ بمعنى النزاهة والقبول في نفوس الناس، ووجه طيب التحية أنها دعاءٌ بالسلامة، وإيذانٌ بالمسالمة والمصافاة، ووزن طيبةً فيعلةٌ مبالغةً في الوصف 116.

وقد ذكر القرآن السلام من عند الله تعالى على معنى كونه معاملةً منه سبحانه بكرامة الثناء، وحسن الذكر للذين رضي الله عنهم من عباده في الدنيا، كقوله حكايةً عن عيسى إذ أنطقه بقوله: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ?33?) [مريم:33] .

وكذلك في الآخرة وما في معناها من أحوال الأرواح بعد الموت كقوله عن عيسى: (وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [مريم:33] .

وقوله عن أهل الجنة: (لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ ?57?سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ?58?) [يس:57 - 58] .

وجاء في القرآن السلام على خمسةٍ من الأنبياء في سورة الصافات 117. وأيضًا أمر الله الأمة بالسلام على رسولها فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56] .

أي: قولوا: السلام عليك أيها النبيء 118.

من خلال ما سبق نجزم بأن البركة على الأمة بأسرها تكمن في نشر هذه التحية الطيبة المباركة فيما بينها، لمن عرفنا ومن لم نعرف؛ إذ هي الأمن والأمان والمثوبة والترابط الإيماني والاجتماعي بين أبناء الإسلام.

سادسًا: وصف الماء والنبات بالبركة:

من مجالات البركة في القرآن الكريم الماء والنبات، وقد تناولنا ذلك سابقًا ضمن حديثي عن الأساليب القرآنية في استخدام البركة، وقلنا بأن الماء النازل من السماء بنص قوله تعالى (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ?9?ہ) [ق:9] .

له بركات كثيرة على الكون كله في إحياء موات الأرض، حيث قال تعالى: فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) [البقرة:164] .

وفي إخراج الثمرات، حيث قال تعالى: (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ?) [البقرة:22] .

ومن هذا الرزق المبارك إنبات النبات على اختلاف أنواعه وأشكاله (فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ?) [الأنعام:99] .

ومن بركات الماء فوق ما تقدم أنه يحمل الفلك لتجري في البحر بأمر الله، قال تعالى: (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ? وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ? وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ) [إبراهيم:32] .

ومن بركات الماء أن جعله الله تعالى أصلًا لخلق كل شيء حي، قال تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) [النور:45] .

كما أن الله تعالى جعل بركة الماء حاصلة في كون الماء شرطًا لعبادة الله، فلا صلاة لمن يستطيع الماء إلا به، ولا طواف ولا رفع للجنابة إلا به، ولا يصلح الدخول في الإسلام للكافر إلا بالاغتسال.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ? وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ? وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى? أَوْ عَلَى? سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ? مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَ?كِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ?6?) [المائدة:6] .

وقال عز من قائل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى? حَتَّى? تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى? تَغْتَسِلُوا ? وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى? أَوْ عَلَى? سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ?43?) [النساء:43] .

كما كان الماء المبارك النازل من السماء مطهرًا لجيش الإسلام، ومثبتًا لأقدامهم على أرض تعوق برملها المسير.

قال تعالى: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى? قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ) [الأنفال:11] .

قال الطبري: «اغتسلوا من الجنابة فجعل الله ذلك الماء طهورًا، وثبت به الأقدام؛ إذ لبد الله به الأرض، وربط به على قلوبهم، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما إن المشركين من قريشٍ لما خرجوا لينصروا العير، وليقاتلوا عنها نزلوا على الماء يوم بدرٍ، فغلبوا المؤمنين عليه، فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يصلون مجنبين محدثين حتى تعاظموا ذلك في صدورهم، فأنزل الله من السماء ماء، حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون، وملؤوا الأسقية، وسقوا الركاب، واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهورًا، وثبت به الأقدام، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملةٌ، فبعث الله المطر عليها، فضربها حتى اشتدت، وثبتت عليها الأقدام» 119.

كما أن من بركاته سبحانه التي استودعها الماء إكسابه خاصية الإرواء والسقي.

قال تعالى: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ?22?) [الحجر:22] .

ومن البركة أن الله استودع الماء الأرض بقدرته، فهو الذي يقول للشيء كن فيكون.

قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ? وَإِنَّا عَلَى? ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) [المؤمنون:18] .

أي: بمقدار مصلح للأرض على أن يكون غيثًا لا عتيًا، فالمطر الزائد كالسيل الجارف لا يكون غيثًا، بل يكون عتيًا، ويهدد الله به الظالمين من الناس، كالسيل الذي أغرق قوم نوح، فقوله تعالى: (بِقَدَرٍ) أي: على القدر الذي تعنيه الحاجات، ويكون إصلاحًا، ولا يكون فيه فساد للزرع والضرع، ويقول سبحانه: (فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ) أي: جعلنا في الأرض مستقرًا له، كأنما يسكنها، كما يأوي الآوي إلى مسكنه.

وذلك أن ما تنزله السماء قسمان: قسم عارض ممطر يغيث في وقت الجدب، ولا ينزل بانتظام كالمطر الذي ينزل بالاستسقاء، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي، ومن بعده أهل الصلاح والتقوى، وقسم يجري في أنهار ويسلك ينابيع الأرض في عيون، وهذا يسكنه الأرض، كنهر النيل، فإنه ينزل على الجبال، وفي البحيرات التي تمده، وهذا يبدو كأنه الساكن في الأرض، وإن كان في سير دائم من منبعه إلى مصبه، وهذا وأشباهه يوجد الخصب والنماء بإذن الله تعالى، ومن الناس من اعتقد أنه دائم لا يغيض؛ ولذا قال تعالى: (إِنَّا عَلَى? ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) أي: إنا على إذهابه لقادرون، والباء للتعدية، ولقوة الإذهاب، كقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ? إِنَّ اللَّهَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة:20] .

وإن مثل الأنهار العيون، فهي ينابيع في الأرض قد اختزنتها الأرض في جوفها وهي لله (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ?30?) [الملك:30] 120.

وإن من سنن الله في الكون أن جعل الماء سلاحًا ذا حدين، فكما ينفع الله به عباده، فإنه قد يضر به من شاء من عباده، كما حدث مع قوم نوح وموسى عليهما السلام من إغراق.

قال تعالى: (وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ? وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا(37 ) ) [الفرقان:37] .

وفي قوم موسى عليه السلام قال تعالى: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ?50?) [البقرة:50] .

وبناء على ما تقدم ذكره مما يخص البركة في الماء نقول: إن الماء نعمة عظمى من نعم الله على خلقه، يجب أن ندرك منافعه، ونحفظ فوائده، ونعلم أنه لولا أن من الله علينا به لهلكنا جميعًا؛ لذا يجب أن نحافظ عليه وأن نضعه في مكانه اللائق به من ثروات الكون، وبركات السماء المودعة في الأرض ...

وبالرغم من لفت أنظارنا إلى بركات المياه غير المتناهية إلا أننا في ثبات عميق مما يحاك حولنا، ومن كون الحروب القادمة حروب مياه، وقد بدأت بالفعل، كما أننا في حاجة إلى ترشيد المياه وعدم الإسراف فيه هكذا علمتنا سنة المصطفي صلى الله عليه وسلم قولًا وعملًا.

ومن مجالات البركة في النبات.

قال تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ? الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ? الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ? نُورٌ عَلَى? نُورٍ ? يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ? وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ? وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ?35?) [النور:35] .

وبيان الآية «الله نور السموات والأرض يدبر الأمر فيهما ويهدي أهلهما، فهو سبحانه نور، وحجابه نور، به استنارت السموات والأرض وما فيهما، وكتاب الله وهدايته نور منه سبحانه، فلولا نوره تعالى لتراكمت الظلمات بعضها فوق بعض، مثل نوره الذي يهدي إليه، وهو الإيمان والقرآن في قلب المؤمن كمشكاة، وهي الكوة في الحائط غير النافذة، فيها مصباح، حيث تجمع الكوة نور المصباح فلا يتفرق، وذلك المصباح في زجاجة، كأنها -لصفائها- كوكب مضيء كالدر، يوقد المصباح من زيت شجرة مباركة، وهي شجرة الزيتون، لا شرقية فقط، فلا تصيبها الشمس آخر النهار، ولا غربية فقط فلا تصيبها الشمس أول النهار، بل هي متوسطة في مكان من الأرض لا إلى الشرق ولا إلى الغرب، يكاد زيتها -لصفائه- يضيء من نفسه قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار أضاء إضاءة بليغة، نور على نور، فهو نور من إشراق الزيت على نور من إشعال النار، فذلك مثل الهدى يضيء في قلب المؤمن، والله يهدي ويوفق لاتباع القرآن من يشاء، ويضرب الأمثال للناس؛ ليعقلوا عنه أمثاله وحكمه، والله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء» 121.

وشجرة الزيتون المباركة أبرك الأشجار، وأكثرها منافع للناس، تنبت بكثرة في الأرض التي بارك الله تعالى فيها للعالمين 122.

وهي من نعم الله تعالى: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ (20) [المؤمنون:20] .

وحسبها وصف القرآن إذ وصفها القرآن بأنها مباركة هنا وفي سورة المؤمنون.

وإذا كانت سورة المؤمنون مكية، وسورة النور مدنية، فقد اتفق القرآن المكي والمدني على أنها مباركة، وبركتها في أنها ذات منافع كثيرة، يكون منها الوقود المضيء، وهو دهن يكون طعامًا طيبًا، وهو يدخل في بعض الأدوية، وترابه إذا حرق يكون كحلًا للعيون ولا يضرها، وهو إدام، والزيتون نفسه للطعام والتفكه، وبفضله يغسل به الثياب، وهي شجرة تورق من رأسها إلى أسفلها، والزيتون أكثر أدم أهل الشام والمغرب، يصطبغون به، ويستعملونه في طبيخهم، ويستصبحون به، ويداوى به أدواء الجوف والقروح والجراحات، وفيه منافع كثيرةٌ.

وقال عليه الصلاة والسلام: (كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرةٍ مباركةٍ) 123.

أولًا: وسائل تحصيل البركة:

1.العقيدة السليمة.

من وسائل تحصيل البركة: العقيدة السليمة؛ ذلك أن المسلم الحق يعتقد أن الله تعالى هو صاحب البركة، وهو عز وجل الذي يهبها من يشاء من عباده، وبناء على ذلك فإن من أهم وسائل تحصيل البركة على الإطلاق: اعتقاد المسلم أنه لا إله إلا الله، وذلك ما نستشعره من آيات القرآن التي نطقت بذلك.

كقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:54] .

وقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرفان:1] .

وقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} [الفرقان:10] .

وقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان:61] .

وقوله تعالى: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن:78] .

وقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الملك:1] .

وقوله تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:14] .

وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [غافر:64] .

وقوله تعالى: {وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزخرف:85] .

وقد أسلفنا في أول هذا البحث أن {تَبَارَكَ} فعل ماض، أي: تقدس وتنزه، وهو فعل جامد لا يتصرف، أي: لا يأتي منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل، وبينا ما قاله الراغب من أن البركة من الله، وحقيقتها: «كثرة الخير ودوامه» ولا أحد أحق بذلك وصفًا وفعلًا منه تبارك وتعالى ... ، وتكون هذه البركة قد ثبتت لذلك السبب ثبوتًا شرعيًا، وثبتت الكيفية التي تنال بها البركة عن المعصوم صلى الله عليه وسلم 124.

وبما أن البركة من الله فإنها لا تنال نوالًا حقيقيًا مرضيًا عنه، وليس استدراجًا، إلا بتسلح المؤمن بسلاح العقيدة الصافية من شوائب الشرك.

2.تدبر القرآن وتطبيقه.

من وسائل تحصيل البركة الإيمان بالقرآن وتدبره واتباعه وتطبيقه في حياتنا، والرغبة فيما رغبنا فيه، والرهبة مما رهبنا منه، ذلك ما نفهمه ويفهمه كل مسلم من قوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [الأنعام:92] .

وقوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام:155] .

وقوله تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [الأنبياء:50] .

وقوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص:29] .

3.الاقتداء بالمباركين.

من وسائل تحصيل البركة الاقتداء بالمباركين الذين غنموا عناية الله لهم باصطفائهم وبصلاحهم وطاعتهم للحق سبحانه واهب البركة، وأئمة التقى ومعدن الصلاح، هم أنبياء الله ورسله، ومن سار على نهجهم واهتدى بهديهم، وقد قص علينا القرآن الكريم -تعيينًا- بعضًا منهم، وصفوا بالبركة لفظًا، كنبي الله نوح عليه السلام، حيث دعا ربه بالبركة.

فقال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [المؤمنون:29] .

وقال الله تعالى مباركًا إياه ومن اتبعه: {قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [هود:48] .

والخليل إبراهيم، وأهل بيته وولده إسحاق عليهم السلام، حيث قال الله تعالى: {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات:113] .

وفي أهل بيته الكريم يقول الله تعالى: {قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود:72 - 73] .

وممن ذكرهم القرآن من الأنبياء عيسى ابن مريم عليه السلام، قال تعالى: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم:31] .

هذا ولا يفوتنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يوصف بلفظ البركة في القرآن؛ لأن البركة فيه صلى الله عليه وسلم بدهية لا تحتاج إلى ذكر ولا إلى تذكير، فهو نبي أعطاه الله القرآن بركة وحي السماء، وأصل الفيوضات، وبارك أمته بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وبفرائض الدين وسننه، وبارك عمره فانتشر الدين على يديه وتم، ومن بركاته الحسية الكثير والكثير حيث: نبع الماء من بين أصابعه، وحفول شارف الشاة باللبن، وكثرة الطعام يوم الخندق عند جابر بن عبد الله رضي الله عنه ... ، وهلم جرا، ومن أجل هذا وغيره كان صلى الله عليه وسلم جديرًا بالبركة، وإن لم تذكر في وصفه صراحة.

ونخلص إلى أنه من وسائل تحصيل البركة الاقتداء بالأنبياء والصالحين، قال تعالى آمرًا حبيبه صلى الله عليه وسلم: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام:90] .

ونحن أمرنا أن نقتدي به صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21] .

فكرم الله لعباده منوط بالاقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم، والاقتداء به هو اقتداء بكل الأنبياء عليهم السلام.

4.الحرص على التعرض للبركة.

من وسائل جلب البركة الحرص على التعرض لها من خلال ولوج الأماكن المباركة، كبيت الله الحرام، حيث قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران:96] .

والمسجد الأقصى، حيث قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء:1] .

وبلاد الشام {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [الأعراف:137] .

وقوله تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:71] .

وقوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} [الأنبياء:81] .

وطور سيناء حيث قال تعالى: {إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:7 - 8] .

وقوله تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص:30] .

ومما لا شك فيه أن الله تعالى ذكر هذه البقاع موصوفة بالبركة؛ كي يلفت الأنظار إليها ليلجوها وينتفعوا بما استودعها الله من خيرات حسية كانت أو معنوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت