فهرس الكتاب

الصفحة 691 من 2431

وعن أنس رضي الله عنه قال: (كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بردٌ نجرانيٌ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌ، فجبذه بردائه جبذة شديدةً، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاءٍ) 111. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يوبخه ولم يضربه ولم يعبس بل ضحك صلى الله عليه وسلم ومع هذا أمر له بعطاء.

«وسئل معاوية رضي الله عنه بم سست الناس؟ وذلك لأن معاوية معروف بالسياسة والحكمة، فقال: أجعل بيني وبين الناس شعرة، إن جذبوها تبعتهم، وإن جذبتها تبعوني لكن لا تنقطع» 112.

معنى كلامه أنه سهل الانقياد؛ لأن الشعرة إذا جعلتها بينك وبين صاحبك إذا جذبها أدنى جذب انقطعت، لكن من حسن سياسته رضي الله عنه أنه كان يسوس الناس بهذه السياسية؛ إذا رآهم مقبلين استقبلهم، وإذا رآهم مدبرين تبعهم حتى يتمكن منهم 113.

وقال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) } [الأعراف: 199] .

قال الإمام القرطبي: هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات

فقوله: {خُذِ الْعَفْوَ} دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين، ودخل في قول: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار، وفي قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة، الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة 114.

قال أيضًا: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} أي: إذا أقمت عليهم الحجة وأمرتهم بالمعروف فجهلوا عليك فأعرض عنهم؛ صيانة له عليهم ورفعًا لقدره عن مجاوبتهم، وهذا وإن كان خطابًا لنبيه عليه السلام فهو تأديب لجميع خلقه 115.

والإعراض عن الجاهلين ونسيانهم فيه خير كثير، فعن الإمام الشافعي قال: «اللبيب العاقل هو الفطن المتغافل» 116.

وعن محمد بن عبد الله الخزاعي قال سمعت عثمان بن زائدة يقول: (العافية عشرة أجزاء تسعة منها في التغافل قال: فحدثت به أحمد بن حنبل فقال العافية عشرة أجزاء كلها في التغافل) 117.

والإعراض يكون بالترك والإهمال والنسيان، والتهوين من شأن ما يجهلون به من التصرفات والأقوال، والمرور بها مر الكرام، وعدم الدخول معهم في جدال لا ينتهي إلى شيء إلا الشد والجذب، وإضاعة الوقت والجهد وقد ينتهي السكوت عنهم، والإعراض عن جهالتهم إلى تذليل نفوسهم وترويضها، بدلًا من الفحش في الرد واللجاج في العناد 118.

من الآثار المترتبة على النسيان في الدنيا والآخرة: المعيشة الشاقة والمعاناة والضيق والضنك، والعمى والصم والبكم، وفي الآخرة ينتظره العذاب الأليم، وكل هذه الآثار مذكورة في قول الله تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) } [طه:123 - 127] .

أولًا: ما يترتب على النسيان في الدنيا:

1.قساوة القلوب وموتها.

يترتب على النسيان الطبع والختم على القلوب بالإضافة إلى جعل الأكنة، وقسوة القلب، وهو وصف من أخطر الأوصاف؛ لأن القلب القاسي هو الميت الذي ليس فيه حياة، وهو الجامد الذي ليس فيه خير البتة، وهذا الوصف في القرآن الكريم خاص بقلوب الكفار دون غيرهم، ولم يشترك المنافقون معهم فيه. قال تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ? يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ? وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ?) [المائدة:13] .

فبسبب أنهم نسوا ذكر الله تعالى فنقضوا عهده لهم وبدلوا كلام الله، وهذا من أعظم الخيانة، أصابهم الله تعالى بقسوة القلب وموته.

قال أبو حيان «من قسوة قلوبهم وسوء فعلهم بأنفسهم، حيث ذكروا بشيء فنسوه وتركوه، وهذا الحظ من الميثاق المأخوذ عليهم» 119.

والقلب الميت يكون صاحبه أحط من البهائم ويكون مآله إلى جهنم.

قال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ? لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا ? أُولَ?ئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ?179?) [الأعراف:179] .

فيصبح هذا القلب مطموسًا منكوسًا مختومًا عليه لا ينتفع به صاحبه بسبب أنه أعرض عن الحق ورضي بالباطل فصار الباطل غذاءه، والضلال طريقه والجحيم مصيره.

2.الوقوع في المعصية والحرمان من الخير.

ترتب على النسيان وعدم الصبر على العهد والمحافظة عليه والتمسك به الوقوع في المعصية.

قال تعالى: (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ? [طه:121] .

ثم إخراج آدم وحواء من الجنة واستخلافهما مع أبنائهما في الأرض وابتلائهم بالخير والشر.

قال تعالى: (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ? وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى? حِينٍ) [البقرة:36] .

أي: قرار وأرزاق وآجال (إِلَى? حِينٍ) أي: إلى وقت مؤقت ومقدار معين، ثم تقوم القيامة 120.

3.السجن.

يترتب على النسيان المكوث في السجن لبضع سنوات كما وقع مع نبي الله يوسف عليه السلام، وهو مكوث نبي الله يوسف عليه السلام في السجن بضع سنين.

قال تعالى: (فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف:42] .

4.المشقة والتعب والحرمان من العلم.

يترتب على النسيان المشقة والتعب، فقد قطع موسى وفتاه مسافة ليست بالقصيرة، وكان بالإمكان أن يجدا الرجل الصالح قبل مجاوزة مجمع البحرين، ولكن نظرًا لنسيان يوشع وعدم انتباهه سار موسى مسافة أخرى، أحس فيها بالتعب والنصب، ولما أراد أن يأخذ راحة ويأكل، تفاجأ بعملية النسيان التي ترتب عليها كل هذا النصب، وزاد الأمر مشقة وتعبًا أن عليهما أن يرجعا هذه المسافة ويقطعاها مرة أخرى ليجدا الرجل الصالح؛ ولذلك قال تعالى: (فَارْتَدَّا عَلَى? آثَارِهِمَا قَصَصًا [الكهف:64] .

ثم قال تعالى حكاية عن الخضر عليه السلام: (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ?72?قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ?73?) [الكهف:72 - 73] .

فالنسيان الأول كان عقاب من الله تعالى على النسيان الذي وقع فيه موسى عليه السلام؛ لأن قصة الخروج في طلب علم الرجل الصالح كلها منطوية على ذلك، ومما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه) والنسيان الثاني الذي وقع من موسى عليه السلام عندما صحب الخضر أنه حرم علمًا كثيرًا وحكمة؛ لأنه لو صبر مع الخضر لحصل له علم كثير، يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: (وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما) 121.

والناسي يعفى من العقوبة أو المسؤولية الجنائية، ولكن هذا لا يعفيه من الحقوق، الأموال والدماء المعصومة، ويرى بعض الفقهاء أن النسيان الغير مقصود يعذر صاحبة في الآخرة، وأما أحكام الدنيا فالأفعال المتعلقة بحق الله عز وجل يعفى منها، والأفعال المتعلقة بحقوق الأفراد فلا يعفى منها 122.

فالنسيان إن كان عذرًا في العبادات لكن في الجنايات لا يعذر، إذ أن المجرم لكي يعفى من العقاب عليه أن يثبت للقضاء أنه ارتكب الجريمة ناسيًا بالدليل والبرهان والحجة، وكيف لشخص ناسٍ أن يثبت للقضاء أنه ارتكب الجريمة ناسيًا، فمن المكن أن يتصور أن الإنسان نسي في العبادات فلا إثم عليه، ويقضيها متى تذكرها ولا تحتاج إلى إثبات، أما الجريمة فلا يمكن أن تثبت أمام القضاء ويدعي أنها ارتكبت عن طريق النسيان 123.

5.ضياع النفس.

يترتب على النسيان نسيان هؤلاء لأنفسهم، وهي عقوبة دنيوية يعاقب بها الله الذين ينسون أوامره وذكره وينسون بأن لهذا الكون رقيبًا لا يغفل ولا ينام، ويحذر الله عباده المؤمنين من أن يقعوا فيما وقع فيه المنافقون فيقول لهم: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) } [الحشر:19] .

«أي: تركوا أمره، أو ما قدروه حق قدره، أولم يخافوه أو جميع ذلك، فأنساهم أنفسهم أي: جعلهم ناسين لها بسبب نسيانهم له، فلم يشتغلوا بالأعمال التي تنجيهم من العذاب ولم يكفوا عن المعاصي التي توقعهم فيه، ففي الكلام مضاف محذوف أي: أنساهم حظوظ أنفسهم، وقيل: نسوا الله في الرخاء فأنساهم أنفسهم في الشدائد 124.

«فالذي ينسى الله يهيم في هذه الحياة، فلا رابطة تشد إلى أفق أعلى، وبلا هدف لهذه الحياة يرفعه عن السائمة التي ترعى، وفي هذا نسيان لإنسانيته، وهذه الحقيقة تضاف إليها أو تنشأ عنها حقيقة أخرى، وهي نسيان هذا المخلوق لنفسه فلا يدخر لها زادًا للحياة الطويلة الباقية، ولا ينظر فيما قدم لها في الغداة من رصيد» 125.

فمن خلال ما تقدم يتبين أن النسيان عقوبة دنيوية يعاقب بها الله عباده الذين ينسوه، حيث ينسيهم ربهم حظوظهم من الإيمان والأعمال الصالحة، فتمضي بهم الحياة دون أن يأخذوا منها نصيبهم من زاد ينفعهم في آخرتهم، ويمنعهم النسيان من أن يفكروا في غدهم، كما ينسوا أنفسهم في الشدائد، كما نسوا ربهم في الرخاء، فيكونوا بذلك مخذولين لا معين لهم ولا نصير.

ثانيًا: ما يترتب على النسيان في الآخرة:

ذكر القرآن الكريم في بعض الآيات أن الكفار والمنافقين نسوا الله تعالى، ونسوا ذكر الله تعالى، وذكر الله تعالى عام شامل لكل أنواع العبادات، وذكر الله كتبه وعهوده التي أرسل بها رسله إلى الناس، وقد نجم عن ذلك النسيان والترك لذكر الله تعالى آثار خطيرة وعواقب وخيمة، تتمثل في ترك الله لهم من رحمته وحلول اللعنة بهم، وتركه لهم في العذاب المقيم، ومن ثم الخسران المبين.

بل ترتب على ذلك أن أنساهم الله أنفسهم من أن يعملوا لخلاصها من العذاب المقيم، وفي الدنيا أغرى بينهم العداوة والبغضاء وألبسهم شيعًا وأذاق بعضهم بأس بعض، وقد صورت الآيات القرآنية هذه الآثار والعواقب في مشاهد حية، وصور موحية، بأساليب متنوعة فيها تحذير ووعيد شديد، ومحتوية على ترغيب وترهيب.

قال تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68) } [التوبة:67 - 68] .

1.نسيان الله لهم في الآخرة.

نسيان الله تعالى لهم، والله تعالى لا ينسى، ولكنه سبحانه تركهم في العذاب عن عمد، والتعبير عنه بالنسيان للمشاكلة 126.

نسيان الله تعالى لهم عقوبة أخروية وردت في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم:

قال تعالى: (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ? فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَ?ذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) [الأعراف:51] .

وقد ورد في تفسير هذا النسيان قولان:

القول الأول: أن معنى النسيان هو الترك، والمعنى نتركهم في عذابهم بما تركوا العمل بلقاء يومهم هذا، وهذا قول الحسن ومجاهد والسدي والأكثرين.

والقول الثاني: أن معنى ننساهم أي: يعاملهم معاملة من نسي، ونتركهم في النار في الآخرة ولا يجيب دعاءهم ولا يرحمهم 127.

ويقول الإمام النسفي: كما نسوا لقاء يومهم هذا، فاليوم ننساهم ونتركهم في العذاب، أي: كنسيانهم وجحودهم 128.

وقال تعالى: (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى? وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ?125?قَالَ كَذَ?لِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ? وَكَذَ?لِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى? ?126?) [طه:125 - 126] . أي: تترك في العذاب في جهنم.

وقال تعالى: (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَ?ذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ) [الجاثية:34] . أي: نترككم في النار.

وقوله: (وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ) أي: مسكنكم ومستقركم، وتبقى جهنم دار خلد لهم فيها مسكنهم ومستقرهم (كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَ?ذَا) أي: تركتم العمل له 129.

2.العذاب الأليم.

حلول العذاب الأليم، والطرد من رحمة الله تعالى، وذلك في قوله: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ? هِيَ حَسْبُهُمْ ? وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ? وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ?68?) [التوبة:68] .

أي: «على هذا الصنيع الذي ذكره عنهم، (خَالِدِينَ فِيهَا) أي: ماكثين فيها مخلدين، هم والكفار (هِيَ حَسْبُهُمْ) أي: كفايتهم في العذاب (وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ) أي: طردهم وأبعدهم (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) » 130.

فمن العذابات الأخروية التي يعاقب بها الله أهل النسيان شدة العذاب الأخروي، وذلك بتركهم وبقائهم في النار والعذاب الشديد، وفي ذلك يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص:26] .

قال الزمخشري: «ويوم الحساب متعلق بنسوا، أي: بنسيانهم يوم الحساب، أو بقوله (لَهُمْ) أي: لهم عذاب يوم القيامة بسبب نسيانهم وهو ضلالهم عن سبيل الله» 131.

ويقول سيد قطب أما عقب الآية المصور لعاقبة الضلال فهو حكم عام مطلق على نتائج الضلال عن سبيل الله، وهو نسيان الله والتعرض للعذاب الشديد يوم الحساب» 132.

3.أظلم الناس في الآخرة.

الإعراض عن ذكر الله تعالى مثل نسيانه، بل هو أسوأ منه؛ لأنه ينطوي -مع الترك المتعمد- على المحادة والمجادلة بغير الحق والتمادي في الظلم والإصرار عليه، وفيه كذلك الذهول والغفلة عن هذه الأفعال المنكرة وعدم المبالاة بالعواقب؛ ولذلك جاء وصف ظلمه بعبارة (ومن أظلم) وهو ما جعل الآثار المترتبة عليه أكثر وأخطر.

قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) } [الكهف:57] .

النسيان والترك مرحلة أولية، أما الإعراض ففيه معنى الترك على سبيل المحادة، وهو لم يكتف به بل تجاوزه إلى أنه: {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} ثم تأتي الآثار السلبية التي ترتبت على ذلك كله، وهي آثار بعضها في الدنيا وبعضها في الآخرة، فقال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} لأنه تعالى ذكرهم ورغبهم ورهبهم فلم ينفع ذلك، وتظهر المحادة والإصرار على الذنب في قوله تعالى: {وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} .

قال السعدي: «يخبر تعالى أنه لا أعظم ظلمًا، ولا أكبر جرمًا، من عبد ذكر بآيات الله وبين له الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وخوف ورهب ورغب، فأعرض عنها، فلم يتذكر بما ذكر به، ولم يرجع عما كان عليه، ونسي ما قدمت يداه من الذنوب، ولم يراقب علام الغيوب، فهذا أعظم ظلمًا من المعرض الذي لم تأته آيات الله ولم يذكر بها، وإن كان ظالما، فإنه أخف ظلمًا من هذا؛ لكون العاصي على بصيرة وعلم، أعظم ممن ليس كذلك، ولكن الله تعالى عاقبه بسبب إعراضه عن آياته، ونسيانه لذنوبه، ورضاه لنفسه، حالة الشر مع علمه بها، أن سد عليه أبواب الهداية بأن جعل على قلبه أكنة، أي: أغطية محكمة تمنعه أن يفقه الآيات، وإن سمعتها فليس في إمكانها الفقه الذي يصل إلى القلب» 133.

موضوعات ذات صلة:

التفكر، الذكر، الغفلة، المؤاخذة

1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 421، تهذيب اللغة، الأزهري 13/ 79، مختار الصحاح، الرازي، ص 237.

2 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 14/ 251، القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 154.

3 المفردات، ص 803.

4 التعريفات ص 167.

5 التحرير والتنوير 1/ 475.

6 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص 700.

7 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 451 - 452، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 579 - 580، الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري ص 469 - 470.

8 لسان العرب، ابن منظور 10/ 405.

9 معجم مصطلحات أصول الفقه، قلعجي ص 132.

10 انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري 2/ 393.

11 المصباح المنير، الفيومي 2/ 604.

12 انظر: لسان العرب، ابن منظور 14/ 406.

13 انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 2/ 430، المفردات، الراغب الأصفهاني ص 431.

14 انظر: التحقيق في كلمات القرآن، حسن مصطفوي 5/ 303، مجموع فتاوى ابن عثيمين 14/ 13.

15 انظر: الصحاح، الجوهري 5/ 1782، مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 386.

16 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 609.

17 معالم التنزيل 4/ 358.

18 انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ص 406.

19 كشاف اصطلاحات الفنون، التهانوي 6/ 1337.

20 انظر: لسان العرب، ابن منظور 1/ 65، مختار الصحاح، الرازي ص 92.

21 التعريفات ص 134.

22 انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب ص 352.

23 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين) ، 9/ 135، رقم 7456.

24 جامع البيان، الطبري 18/ 223.

25 المصدر السابق 18/ 225.

26 تفسير القرآن العظيم 5/ 298.

27 مجموع فتاوى ابن تيمية 3/ 36.

28 جامع البيان، الطبري 12/ 476.

29 غرائب القرآن 3/ 242.

30 جامع البيان 14/ 246.

31 فتح القدير 2/ 432.

32 تفسير القرآن العظيم 5/ 324.

33 التفسير القيم ص 375.

34 انظر: جامع البيان، الطبري 22/ 87، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/ 272.

35 دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، الشنقيطي ص 102

36 التحرير والتنوير 16/ 235

37 التفسير الحديث، دروزة محمد عزت 5/ 181.

38 تيسير الكريم الرحمن ص 61.

39 التحرير والتنوير 28/ 113.

40 انظر: المصدر السابق.

41 فيض القدير، المناوي 3/ 2.

42 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات، باب حدثنا أبو موسى الأنصاري، رقم 3522، وأحمد في مسنده، 18/ 100، رقم 12107.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، 2/ 1323.

43 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، 1/ 89، رقم 401.

44 النسيان والذكر في القرآن، السيد رزق الطويل، مجلة البحوث الإسلامية ص 135.

45 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب سقوط الذنوب بالاستغفار توبةً، 4/ 2106، رقم 2749.

46 لباب التأويل 4/ 64.

47 تيسير الكريم الرحمن ص 120.

48 المصدر السابق ص 474.

49 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 179.

50 التحرير والتنوير 2/ 465.

51 المحرر الوجيز 1/ 322.

52 التبيان في إعراب القرآن 1/ 237.

53 التحرير والتنوير 6/ 144.

54 تيسير الكريم الرحمن ص 560.

55 المصدر السابق ص 580.

56 التحرير والتنوير 23/ 246.

57 منهاج السنة النبوية 1/ 470.

58 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، 1/ 89، رقم 401.

59 فتح الباري 1/ 504.

60 انظر: التفسير الحديث، محمد عزت 4/ 112.

61 انظر: لباب التأويل، الخازن 4/ 282.

62 انظر: مدارك التنزيل، النسفي 2/ 76.

63 انظر: الجامع لأحكام القرآن 11/ 268.

64 انظر: فتح القدير، الشوكاني 3/ 35.

65 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 12/ 279.

66 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، 1/ 89، رقم 401، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، رقم 572.

67 انظر: فتح القدير، الشوكاني 3/ 29.

68 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 92.

69 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 92.

70 جامع البيان 20/ 448.

71 الجامع لأحكام القرآن 11/ 13.

72 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبًا) ، 6/ 88، رقم 4725.

73 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/ 175.

74 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبًا) ، 6/ 88، رقم 4725.

75 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 368.

76 الجامع لأحكام القرآن 8/ 185.

77 انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب 3/ 1673.

78 انظر: فتح القدير، الشوكاني 5/ 206.

79 التحرير والتنوير 28/ 112.

80 انظر: الكشاف، الزمخشري 3/ 93.

81 لباب التأويل 3/ 217.

82 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 22/ 132.

83 التحرير والتنوير 16/ 333.

84 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 18/ 340.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت