فهرس الكتاب

الصفحة 1787 من 2431

الشيطان

أولًا: المعنى اللغوي:

اختلف أهل اللغة في اشتقاق لفظ الشيطان على رأيين:

الرأي الأول: أن النون في لفظ الشيطان أصلية، وهو من مادة (شطن) ، وهي تدل على البعد، ونوًى شطون، أي: بعيدة، ويقال: بئر شطون، أي: بعيدة القعر، وشطن عنه: بَعُدَ، وأشطنه: أبعده 1، وسمي الشيطان بذلك؛ لبعده عن أمر ربه، وعن الحق وتمرده، فهو بعيد عن الخير، وبعيد عن طباع البشر، وعلى ذلك فكل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان.

وقيل: الشطن: هو الحبل الطويل الشَديد الفتل، والجمع أشطان، وشطنته إذا شددته بالحبل 2، والشيطان على وزن فيعال، ووجه تسميته بذلك؛ لأنه يوقع الإنسان بحباله الطويلة، أو أنه طاله في الشر.

وقال ابن السكت: «الشطن مصدر شطنه يشطنه، إذا خالفه عن نيته ووجهه» 3.

الرأي الثاني: ذهب آخرون من أهل اللُغَة: إلى أن النون في لفظ الشيطان زائدة، واشتقاقه من شاط يَشيط وتشيط، وشاط الشيء شيطًا وشياطة وشيطوطة: احترق، وشاطت القِدر شيطًا احترقت، وشاط الرجل إِذا لفحته النارُ فأثرت فيه، وهلك واحترق 4، وهذا المعنى يتناسب مع الشيطان، فالشيطان يحترق ويهلك إذا سمع صوت الحق، وذكر ابن كثير أن من العلماء من صحح الرأيين مع قولهم بأن الأول أصح 5.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لفظ الشيطان قد يراد به إبليس خاصة، كما في قصة آدم وإبليس، ومن ذلك قوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} [البقرة: 36] . وقد يراد بالشيطان كل شرير مفسد داع للغي والفساد من الجن والإنس، كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام:112] .

وردت مادة (شطن) في القرآن الكريم (88) مرة 6.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الاسم (مفردًا) ... 70 ... {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة:36]

الاسم (جمعًا) ... 18 ... {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة:102]

وجاءت كلمة (الشيطان) في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: المتمرد الطاغي من الجن والإنس والدواب 7.

إبليس:

إبليس لغةً:

إبليس لعنه الله مشتق من «بلس» ، وبلس من رحمة الله، أي: يئس وندم، ومنه قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ} [الروم: 12] .

وسمي إبليس بذلك؛ لأنه يئس من رحمة الله، وأبلس الرجل: سكت، لذلك يقال للذي يسكت عند انقطاع حجته: قد أبلس، فالمبلس الساكت من الخوف أو الحزن، والإبلاس الحيرة، وسمي إبليس بهذا الاسم؛ لأنه لما أيس من رحمة الله أبلس بأسًا 8.

إبليس اصطلاحًا:

يمكن تعريف إبليس تعريفًا وصفيًا بأنه ذلك المخلوق من نار السموم، كان يعبد الله مع جملة الملائكة، فاغتر إبليس بنفسه، فاطلع الله على ذلك في قلبه، فخلق الله آدم من طين، ونفخ فيه، وأمر الملائكة الذين كان إبليس في معيتهم للسجود له، فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر بحجة أنه خير منه، فقال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] .

وطلب من الله أن يمهله إلى يوم الدين؛ كي يغوي آدم وذريته، فلُعن وطُرد من السماء، وأصبح عدوًا لبني آدم إلى يوم البعث 9.

الصلة بين إبليس والشيطان:

أن الشيطان إذا أطلق يراد به إبليس وذريته المخلوقين من النار.

الجن:

الجن لغةً:

«الجن جماعة ولد الجان، وجمعهم: الجِنَةُ، والجان، وإنما سمو جنًا؛ لأنهم استجنَوا عن الناس، فلا يُرون، والجان هو أبو الجن خلق من نار، ثم خلق منه نسله» 10، فالجان واحد الجن، وهو من الاجتنان، أي: التستر والاختفاء، ومنه قول الله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] 11.

الجن اصطلاحًا:

يمكن التعريف بالجن على «أنهم نوع من الأرواح العاقلة، المريدة، المكلفة على نحو ما عليه الإنسان، مجردون عن المادة، مستترون عن الحواس، لا يُرون على طبيعتهم، ولا بصورتهم الحقيقية، ولهم قدرة على التشكل، ويأكلون، ويشربون، ويتناكحون، ولهم ذرية، محاسبون على أعمالهم في الآخرة» 12.

الصلة بين الشيطان والجن:

أن الشيطان هو الشرير من الجن؛ ولهذا يقال للإنسان إذا كان شريرًا شيطان، ولا يقال: جني؛ لأن قولك: شيطان يفيد الشر ولا يفيده قولك: جني، وإنما يفيد الاستتار؛ ولهذا يقال على الإطلاق: لعن الله الشيطان، ولا يقال: لعن الله الجني، والجني اسم الجنس والشيطان صفة 13.

الطاغوت:

الطاغوت لغة:

مشتق من «طغو» و «طغي» ، وهو مجاوزة الحد في العصيان، وطغى البحر: هاجت أمواجه، وكل شيء جاوز المقدار والحد في العصيان فهو «طاغ» ، «وأطغيته» جعلته «طاغيًا» ، والطاغية: صيحة العذاب البغي والكفر، والطاغوت: الكهنة والشياطين، والطاغوت كل رأس في الضلال، كما ويطلق على الأصنام، والطاغوت يكون من الجن والإنس 14.

الطاغوت اصطلاحًا:

أصل الجذر يدل على مجاوزة الحد، ونجد أن الطاغوت يحتل مرتبة هي أعلى من مجرد كونه متمردًا أو عاتيًا، كما هو حال الشيطان، بل هو في مرتبة تصل إلى قمة الكفر والطغيان، بحيث يجترئ على خصائص ألوهية الله سبحانه، حيث يدعو البشر لعبادته من دون الله، فالطاغوت هو كل ذي طغيان على الله، فعُبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبَده، وإما بطاعة ممن عبَده، إنسًا كان ذلك المعبود أو جانًا 15.

الصلة بين الشيطان والطاغوت:

صلة عموم وخصوص، فالشيطان صورة من صور الطاغوت.

تحدث القرآن الكريم عن خلق الشيطان والغاية من خلقه وتمرده -لعنه الله- وخروجه الطاعة، وهذا ما سنتناوله بالبيان فيما يأتي:

أولًا: خلق الشيطان:

تقرر مما سبق أن الشيطان إذا أطلق فيراد به إبليس خاصة، واختلف علماء التفسير في إبليس هل هو من الملائكة أم من الجن إلى رأيين:

الرأي الأول: إنه كان من الملائكة، قاله ابن عباس 16، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب 17، وابن جرير الطبري 18.

وقال البغوي: هذا قول أكثر المفسرين؛ لأنه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم في قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] .

فلولا أنه من الملائكة، لما توجه الأمر إليه بالسجود، ولو لم يتوجه الأمر بالسجود، لم يكن عاصيًا، ولما استحق الخزي والنكال 19.

الرأي الثاني: إنه كان من الجن، ولم يكن من الملائكة، قاله الحسن وقتادة، واختاره الزمخشري 20.

مستدلين بقوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] .

فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من نار، والملائكة من نور، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة، ورد الزمخشري على المستدلين بقوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] .

فالأمر كان للملائكة خاصة، وإنما شمله الأمر، لأنه كان في صحبتهم، وكان يعبد الله معهم، فلما أُمِروا بالسجود لآدم والتواضع له كرامة له، كان الجني الذي معهم أجدر بأن يتواضع 21.

وجمهور العلماء على القول الأول، وأجابوا عن قوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} ، أي: من الملائكة الذين هم خزنة الجنة 22.

والصواب التفصيل في هذه المسألة، فإبليس كان من الملائكة بصورته، وكان يعبد الله معهم، وليس منهم بمادته وأصله؛ فأصله من نار، وأصل الملائكة من نور، فمن اعتبره من الملائكة فعلى كونه كان في صحبتهم في العبادة، ومن اعتبره من الجن فعلى أصل خلقه 23.

وقيل: إن فرقة من الملائكة خلقوا من النار، سموا: جنًا؛ لاستتارهم عن الأعين، فإبليس كان منهم، والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} [الصافات: 158] .

وهو قولهم: الملائكة بنات الله، ولما أخرجه الله من الملائكة جعل له ذرية 24.

وبعد التفصيل السابق يمكن الخروج بخلاصة القول، وهو أن أصل خلق إبليس من نار، كما تقرر ذلك الآيات.

قال تعالى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [الحجر: 27] .

قال ابن عباس في قوله: « {مِنْ نَارِ السَّمُومِ} الحارة التي تقتل، وقال ابن مسعود: {السَّمُومِ} التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم» 25.

ويدلل على ذلك أيضًا ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وُصِف لكم) 26.

وطبيعة خلق الشيطان أنه لا يُرى، كما تُقرره الآيات الكريمة.

قال تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27] .

يقول الزحِيلي: «احذروا إبليس، فإنه هو وجنوده من الجن يرونكم وأنتم لا ترونهم، والضرر الناجم من العدو الذي لا يرى أخطر من العدو الظاهر المرئي» 27.

ومما جُبِل عليه الشيطان خاصة دون سائر الجن، قبح صورته، والتي تحمل في مضمونها قبح أفعاله، وقد شبه الله ثمار شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم برؤوس الشياطين، لما عُلِم من قبح صورهم وأشكالهم.

يقول تعالى: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} [الصافات: 64 - 65] .

وإنما شبهها برؤوس الشياطين وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين؛ لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر، وثبت في السنة أن الشيطان له قرنان.

فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا طلع حاجب الشمس فدَعوا الصلاة حتى تبْرُز، وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب، ولا تَحَيَنوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان) 28.

ثانيًا: الغاية من خلق الشيطان:

خلق الله عز وجل الشيطان لحكم وفوائد قد تظهر للإنسان، وقد يخفى عنه بعضها، لكنه لم يخلق شيئًا عبثًا، تعالى عن ذلك سبحانه علوًا كثيرًا، فما الحكمة من خلق إبليس؟

تحدث العلماء في ذلك كثيرًا، وقد أجاد الإمام ابن القيم رحمه الله في بيان ذلك في كتابه، فذكر من الحكم والفوائد من خلق إبليس وجنوده 29:

أولًا: أن يكمل للأنبياء والمؤمنين والصالحين مراتب العبودية، وذلك بمجاهدة عدو الله وحزبه -الشيطان وذريته- وإغاظة أوليائه، والاستعاذة بالله منه، والالتجاء إليه أن يعيذهم من شره وكيده.

ثانيًا: خوف الملائكة والمؤمنين والصالحين من ذنوبهم، وذلك بعدما شاهدوا ما آل إليه حال إبليس، وما شاهدوه من سقوطه من المرتبة الملكية إلى المنزلة الإبليسية، فالملائكة لما شاهدوا ذلك زاد خوفهم وخضوعهم لله عز وجل، ففي ذلك زيادة حرص وخوف وتذلل لخالق الكون.

ثالثًا: ابتلاء واختبار، فالغاية من خلق إبليس أن يمتحن الله به العباد، فيكون ابتلاءً، واختبارًا، وامتحانًا، فمن تبعه فيكون معه، ومن اتخذه عدوًا كما أمر الله دخل الجنة، فهذه من أهم الحكم؛ ليميز الخبيث من الطيب، ويجازي كلًا بعمله، بعد أن بين لهم الطريق الصواب.

رابعًا: أراد الله عز وجل من خلقه لإبليس أن يجعله عبرة لمن خالف أمره، وتكَبر عن طاعته، وأصَر على معصيته، فكما جعل آدم أبا البشر عبرة لمن ارتكب نهيه أو عصى أمره، ثم تاب وندم ورجع إلى ربه، جعل هذا الأب -إبليس أبي الجن- عبرة لمن أصر وأقام على ذنبه.

خامسًا: من الواضح أن خلْق الضدين من كمال حسن ضده، فالضد إنما يظهر حسنه بضده، فلولا القبيح لم تعرف فضيلة الجميل.

سادسًا: أن المحبة والإنابة والتوكل والصبر والرضا ونحوها أحب أنواع العبودية إلى الله سبحانه، وهذه العبودية إنما تحقق بالجهاد وبذل النفس لله تعالى، وتقديم محبته على كل ما سواه، فالجهاد ذروة سنام العبودية وأحبها إلى الرب سبحانه، فكان في خلق إبليس وحزبه قيام سوق هذه العبودية بمجاهدة النفس، وطاعة الله عز وجل.

سابعًا: إن في خلق من يعادي رسل الله، ويكذبهم، من تمام ظهور آياته وعجائب قدرته ولطائف صنعه.

ثامنًا: إن المادة التي خلق منها إبليس عليه لعنة الله عز وجل هي المادة النارية، وهذه المادة فيها الإحراق والعلو والفساد، كما وفيها الإشراق والإضاءة والنور، فأخرج منها سبحانه هذا، وهذا، كما أن المادة الترابية الأرضية فيها الطيب والخبيث والسهل والحزن والأحمر والأسود والأبيض، فأخرج ذلك منها كله حكمة باهرة، وقدرة قاهرة، وآية دالة على أنه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.

تاسعًا: إن خلق إبليس فيه من الدلالة الواضحة على حلمه، وصبره، وأناته، وسعة رحمته، وجوده، فاقتضى ذلك كله خلق من يشرك به، ويضاده في حكمه، ويجتهد في مخالفته، وهو بالمقابل يسوق إليه أنواع الطيبات، ويرزقه، ويعاقبه، ويمكِن له من أسباب ما يتلذذ به من أصناف النعم، ويظهر بره وإحسانه بضد ما يعامله هو به من كفره وشركه وإساءته، فلله الحمد على حلمه وصبره.

ثالثًا: تمرد الشيطان وخروجه عن الطاعة:

خلق الله إبليس وهو أكبر الشياطين، وكان يعبد الله مع جملة الملائكة، وكان بعلم الله يخفي نزعة التمرد، والقرآن يقص لنا كيف كانت بداية معصية الشيطان، فقد بيَن الله عز وجل الغاية من الخلق، فقال في كتابه العزيز: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .

فإن من مظاهر عبادة الله طاعة أوامره، ومخالفة أوامر الله تعالى هي المعصية والفسوق، وهي الطريق إلى الكفر والعياذ بالله، ومن هنا فإن العبادة هي طاعة المخلوق لأوامر خالقه، وإبليس عصى أوامر الله، أما كيف بدأ إبليس معصيته لله.

فقد بيَن ذلك في القرآن الكريم، فيقول الله عز وجل: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] .

فكان بداية كفر إبليس، إذ رفض طاعة الله عز وجل، ورفض السجود لآدم، فكانت بداية التمرد والمعصية، وكان سبب رفضه السجود لآدم عليه السلام هو الاستكبار، وقد صرح اللعين بهذا المعنى، فقال تعالى على لسانه: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] .

وقال أيضًا: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} [الإسراء: 61] .

لذلك عاقب الله عز وجل إبليس على تمرده وعصيانه بالهبوط من ملكوت السموات إلى دركات الأرض.

يقول تعالى: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف: 13] .

أي: اهبط من الجنة، فليس لك أن تستكبر فيها عن طاعتي وأمري، قال الزجاج: إن إبليس طلب التكبر، فابتلاه الله تعالى بالذلة والصغار 30.

ذكر القرآن الكريم موقف الشيطان من الأنبياء عليهم السلام، موقفه من آدم عليه السلام، وموقفه من يوسف عليه السلام، وموقفه من أيوب عليه السلام، وموقفه من موسى عليه السلام، وموقفه من الرسول الكريم عليه السلام.

أولًا: موقف الشيطان من آدم وحواء:

خلق الله عز وجل آدم، وكرَمه، ورفع من شأنه، وأمر الملائكة بعد خلقه بالسجود له، فقال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] .

تعظيمًا وتشريفًا له، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى استكبارًا منه على آدم عليه السلام، فسأله الله عز وجل عن سبب امتناعه عن السجود.

قال تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] .

فقال الله عز وجل له: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف: 13] .

أي: من الجنة 31، فطَُرِد لعنه الله من الجنة، وكان هذا سببًا لكراهية إبليس لآدم وذريته، وعداوته لهم، فتوعد إبليس آدم وذريته من بعده بالعداوة والإغواء، كي تكون نهايتهم كنهايته جهنم، وبئس المصير، فقال تعالى: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 62] .

وأمر الله عز وجل آدم وزوجه حواء أن يسكنا الجنة، كما جاء في قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35] .

وبين سبحانه الميزات التي سيحصل عليها آدم عليه السلام، فقال جل جلاله: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى} [طه: 118] .

ففي الجنة طعام يكفيك، وكساء يسترك، وماء تجده دائمًا، لا يصيبك ظمأ، وليس فيها تعب، وكل ما فيها مباح لك عدا شجرة واحدة، لا تقترب منها، ولا تأكل ثمارها، كما وحذَره سبحانه وتعالى وحذر حواء من عدوهما إبليس، فقال تعالى: {فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه: 117] .

وقتها استغل الشيطان هذا الأمر في الانتقام من آدم عليه السلام، وكانت بداية معصية آدم، فالشيطان حين أراد أن يغوي آدم وحواء بأن يأكلا من الشجرة، وأن يعصيا الله عز وجل، قال لآدم كما يروي لنا القرآن الكريم: {قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} [طه: 120] .

فرغَبه إبليس في دوام الراحة بقوله: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ} وفي انتظام المعيشة بقوله: {وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} ، فكان الشيء الذي رغب الله آدم فيه هو الذي رغبه إبليس فيه، إلا أن الله تعالى وقَف ذلك على الاحتراس عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها 32.

وقال سبحانه وتعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36] .

قرأها الجماعة {فَأَزَلَّهُمَا} أي: استزلهما، وأغواهما، وهو من قولك: زلَ في دينه إذا أخطأ، وعلى قراءة حمزة «فأزالهما» 33: نحاهما، أي: بمعنى الزوال عن المكان، والخروج منه 34.

وقال تعالى في كتابه العزيز: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف: 20] .

وقول الحق سبحانه وتعالى «وسوس» يدل على أن الحديث دار همسًا بصوت خافت، والوسوسة إغراء بارتكاب الشر، والذي يتحدث ويأمر بالخير لا يهمه أن يكون حديثه بصوت عال، ولكن الحديث في الشر والغواية لا تتم إلا همسًا بصوت خافت 35.

واختلف في كيفية وسوسة الشيطان لآدم، فإبليس طرد من الجنة، وآدم داخل الجنة، فكيف وسوس إليه وهو خارج الجنة؟ وأجيب عن ذلك بعدة أمور منها:

1.كان إبليس يوسوس لآدم عليه السلام من الأرض إلى السماء وإلى الجنة بالقوة الفوقية التي جعلها الله تعالى له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت