فهرس الكتاب

الصفحة 899 من 2431

الرحم

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: « (رحم) الراء والحاء والميم أصل واحد يدل على الرقة والعطف والرأفة، يقال من ذلك: رحمه يرحمه، إذا رق له، وتعطف عليه، والرحم والمرحمة والرحمة بمعنى، والرحم: علاقة القرابة، ثم سميت رحم الأنثى رحمًا من هذا؛ لأن منها ما يكون ما يرحم، ويرق له من ولد» 1.

وقال ابن سيده: «الرحم أسباب القرابة، وأصلها الرحم التي هي منبت الولد» 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الأزهري: «الرحم: القرابة تجمع بني أب وبينهما رحم» 3.

وقال القرطبي: «الرحم: اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره» 4.

وعرف ابن حجر العسقلاني الرحم بقوله: «يطلق على الأقارب، وهم من بينه وبين الآخر نسب، سواءً كان يرثه أم لا، سواءً كان ذا محرم أم لا» 5.

وعرفها الشوكاني بقوله: «الرحم: اسم لجميع الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره، لا خلاف في هذا بين أهل الشرع، ولا بين أهل اللغة» 6.

فالأرحام: هم الذين يجتمعون مع المرء في النسب، سواءً أكان قريبًا أم بعيدًا، وسواءً أكانوا محارم أم غير محارم، ويدخل ضمنهم من يرتبط مع المرء بصلة المصاهرة أو الرضاع 7.

وردت مادة (رحم) بمعنى الرحم في القرآن الكريم (12) مرة 8.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

جمع تكسير ... 12 ... {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1]

وجاءت الرحم في القرآن على وجهين 9:

الأول: القرابة: قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75] ، يعني: القرابات؛ لأنهم يجمعهم رحم واحد.

الثاني: رحم المرأة: قال تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228] يعني: الوليد في الرحم.

القرابة:

القرابة لغة:

خلاف البعد 10، قال ابن فارس: «يقال: قرب يقرب قربًا، وفلان ذو قرابتي، وهو من يقرب منك رحمًا» 11.

القرابة اصطلاحًا:

العلاقة بين الأرحام بسبب النسب أو المصاهرة أو الرضاع 12.

الصلة بين الرحم والقرابة:

إن القرابة والرحم بمعنى واحد، بحيث يطلق كل منهما على العلاقة بين الأرحام بسبب النسب أو المصاهرة أو الرضاع، إلا أن في لفظة الأرحام معنى الحث والترغيب واستجاشة المشاعر في صلة الرحم.

النسب:

النسب لغة:

القرابات، يقال: فلان نسيبي، ورجل نسيب حسيب: ذو حسب ونسب، والنسبة مصدر الانتساب، والنّسّابة: الرجل العالم بالأنساب، ونسبت فلانًا إلى أبيه: إذا رفعت في نسبه إلى جده الأكبر 13.

النسب اصطلاحًا:

القرابة الموروثة التي لا يد للإنسان فيها 14.

الصلة بين الرحم والنسب:

إن النسب هي أصل الرحم والقرابة، ومنها تأتي القرابة بسبب الزواج والرضاع.

الصهر:

الصهر لغة:

القرابة 15، قال ابن فارس: « (صهر) الصاد والهاء والراء أصلان: أحدهما يدل على قربى، والآخر على إذابة شيء، فالأول الصهر، وهو الختن، قال الخليل: لا يقال لأهل بيت الرجل إلا أختان، ولا لأهل بيت المرأة إلا أصهار، ومن العرب من يجعلهم أصهارًا كلهم، قال ابن الأعرابي: الإصهار: التحرم بجوار أو نسب أو تزوج» 16.

الصهر اصطلاحًا:

القرابة بالزواج 17، أي: ما يحل لك نكاحه من القرابة، وغير القرابة 18.

الصلة بين الرحم والصهر:

أن الصهر سبب من أسباب الرحم والقرابة الحاصلة بسبب الزواج.

إن الرحم لها مكانتها العظيمة ومنزلتها الرفيعة، فقد أكد الإسلام على اعتبارها والاهتمام بها واعتنى بتوثيق الأواصر بين الأرحام والأقارب، ووجهها الوجهة الصحيحة بعيدًا عن العصبية القبلية، وبعيدًا عن مجرد الافتخار بمآثر الآباء والأجداد، وأضفى على صلة القرابة طابعًا دينيًا، وجعلها متصلة بالعبادات بحيث يثاب المسلم على الإحسان للأقارب، ويتقرب إلى الله بصلة الأرحام 19.

وقد حظيت القرابة بمكانة خاصة عند العرب سواءً في الجاهلية أو الإسلام، فقد كان أهل الجاهلية يتمسكون بوشائج القرابة، ويوقرون الرحم، ويعتزون بالأنساب، ذلك أن النظام القبلي الذي كان معمولًا به في الجاهلية يعتمد في أساسه على رابطة النسب، وكانت العصبية القبلية تدفعهم للتناصر والتعاضد مع أقربائهم، والدفاع عنهم في الحق والباطل.

وقد صحح الإسلام كثيرًا من المفاهيم المتعلقة بالرحم والقرابة، وحدد ضوابط العلاقات بين الأرحام وذوي القربى، فكان منهج الإسلام في التعامل مع الأقارب هو السبيل الأمثل لإقامة المجتمع القوي المتماسك.

وبالرغم من تلك المكانة التي تميزت بها القرابة في الجاهلية إلا أنها كانت تقوم على أسس فاسدة أحيانًا، وكانت هناك جوانب سلبية عديدة في التعامل مع ذوي القربى والأرحام، وذلك مرجعه إلى أن النظام الجاهلي لم يكن مرتبطًا بمنهج صحيح وقويم.

واكتسبت الع?قة بين الأرحام قدسيتها بما حباها الله عز وجل من تعظيم وتكريم، حيث إن الله قد اشتق اسم الرحم من اسمه الرحمن، فأضفى هذا الاسم عليها القداسة والمهابة 20، وذلك فيما رواه عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله: أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته) 21.

فقد أراد الله تعالى أن تتميز العلاقة بين الأرحام وذوي القربى، فأنزل الرحم منزلةً عظيمةً باشتقاق اسمها من اسمه، وبين ثواب من يصل رحمه، وعقاب من يقطعها، فمن وصلها وصله الله برحمته وعطفه والإحسان إليه، ومن قطعها قطع الله عنه رحمته وفضله، وإحسانه 22.

ولقد بلغ من قدسية الرحم ومكانتها العالية أن الله جعلها معلقةً بالعرش تدعو الله تعالى أن يصل من يصلها، ويقطع من قطعها، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله) 23.

قال النووي: «والمراد تعظيم شأنها وفضيلة واصليها، وعظيم إثم قاطعيها بعقوقهم؛ لهذا سمي العقوق قطعًا، والعق الشق، كأنه قطع ذلك السبب المتصل، والعائذ: المستعيذ، وهو المعتصم بالشيء، الملتجئ إليه، المستجير به، قال العلماء وحقيقة الصلة: العطف والرحمة، فصلة الله سبحانه وتعالى عبارة عن: لطفه بهم ورحمته إياهم، وعطفه بإحسانه ونعمه، أو صلتهم بأهل ملكوته الأعلى، وشرح صدورهم لمعرفته وطاعته، قال القاضي عياض: ولا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة، وقطيعتها معصية كبيرة» 24.

كما تعاظمت مكانة الرحم لما قرن الله تقواه بتقوى الرحم في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) } [النساء: 1] .

والمعنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها 25.

قال ابن العربي: «المعنى: اتقوا الله أن تعصوه، واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقد اتفقت الملة على أن صلة ذوي الأرحام واجبة، وأن قطيعتها محرمة» 26.

{وَالْأَرْحَامَ} فقرأ حمزة بخفض الميم، وقرأ الباقون بنصبها 27، ومعناه: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرئ بكسر الميم فهو كقولك: سألتك بالله وبالرحم وناشدتك بالله وبالرحم؛ لأن العرب كان من عادتهم أن يقولوا ذلك، والرحم القرابة، وإنما استعير اسم الرحم للقرابة؛ لأنهم خرجوا من رحم واحدة، وقيل هو مشتق من الرحمة؛ لأن القرابة يتراحمون ويعطف بعضهم على بعض، وفي الآية دليل على تعظيم حق الرحم والنهي عن قطعها 28.

ولم تقتصر العناية بالرحم في الإسلام على الوصية بها فقط، بل قد بين القرآن أن الإحسان إلى الأقارب والأرحام مما أخذ الله عليه العهد والميثاق على القيام به في الشرائع السابقة: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) } [البقرة: 83] .

وقد نالت الرحم حظها من النصوص الشرعية التي تبين مكانتها، وعظيم الاهتمام بها، والترغيب في وصلها، والترهيب من قطعها، وبين العلماء أحكامها بما يكفل لهذه الرحم أن تكون سببًا للعلاقة بين الأقارب.

فقد أمر الله بالإحسان إلى ذوي القربى بعد الوالدين، ويشمل ذلك جميع الأقارب، قربوا أو بعدوا، بأن يحسن إليهم بالقول والفعل، وأن لا يقطع برحمه بقوله أو فعله.

قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) } [النساء: 36] 29.

وإنما أمر بالإحسان إلى ذي القربى استبقاءً لأواصر الود بين الأقارب، إذ كان العرب في الجاهلية قد حرفوا حقوق القرابة فجعلوها سبب تنافس وتحاسد وتقاتل 30.

وقد ربط الاسلام صلة الرحم بدوافع نفسية يسعى إليها كل إنسان من التأخير في أجله، والتوسعة في رزقه تظهر ثمرتها في حياته، كما ورد في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (من سره أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه) 31.

وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من قطيعة الرحم؛ لأنها سبب لقطع من لم يقم بوصلها بها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرءوا إن شئتم: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ(22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) } [محمد: 22 - 23] ) 32.

والقطع من الله: كناية عن حرمان الإحسان، والوصل من الله تعالى كناية عن عظيم إحسانه 33، كما قال النووي: «قال العلماء: وحقيقة الصلة العطف والرحمة، فصلة الله سبحانه وتعالى عبارة عن لطفه بهم، ورحمته إياهم، وعطفه بإحسانه ونعمه، أو صلتهم بأهل ملكوته الأعلى، وشرح صدورهم لمعرفته وطاعته» 34، بل قد يكون القطع حقيقةً بأن يقطع الله من عمره ورزقه، كما أن في الوصل زيادة في العمر والرزق.

وقد رتب النبي صلى الله عليه وسلم الحرمان من دخول الجنة لقاطع الرحم فقد روى محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لا يدخل الجنة قاطع) قال ابن أبي عمر: قال سفيان: يعني قاطع رحم 35.

وتظهر مكانة الرحم وأهميتها والعناية بها من خلال بيان الحقوق والواجبات والأحكام المتعلقة بها كما سيأتي.

إن الرحم في القرآن الكريم تتنوع إلى نوعين رئيسين: رحم عامة، وهي: رابطة الدين بين المسلمين، ورحم خاصة تتمثل في: رابطة القرابة بأحد أسبابها، وهي: النسب والمصاهرة والرضاع، وبيان ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: رحم عامة:

إن رابطة الدين من أعظم الروابط بين المسلمين، وهذه الرابطة تتعدى رابطة النسب واللون واللغة والوطن، فإذا كان بين الناس قرابة النسب والصهر، فإن بين المؤمنين قرابة الإيمان، فهي أوثق من قرابة النسب والصهر، وحسب المؤمنين أن الله وصف ما بينهم من مودة ورحمة بأنهم إخوة.

قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) } [الحجرات: 10] .

قال القرطبي: «قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} ، أي: في الدين والحرمة لا في النسب، ولهذا قيل: أخوة الدين أثبت من أخوة النسب، فإن أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب» 36.

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بأن يكونوا إخوانًا في تعاملاتهم وحياتهم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) 37.

ومعنى (كونوا عباد الله إخوانًا) أي: تعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوة في المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون في الخير ونحو ذلك مع صفاء القلوب والنصيحة بكل حال 38.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) 39.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا) ويشير إلى صدره ثلاث مرات (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه) 40.

والمراد بذلك: أخوة الإسلام لا أخوة النسب، فأخوة الإسلام توجب على المسلم حماية أخيه المسلم، والدفاع عنه، ونصرته، ومواساته، والإحسان إليه 41.

قال ابن عاشور: «وجيء بصيغة القصر {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} المفيدة لحصر حالهم في حال الإخوة مبالغةً في تقرير هذا الحكم بين المسلمين، فهو قصر ادعائي، أو هو قصر إضافي للرد على أصحاب الحالة المفروضة، الذين يبغون على غيرهم من المؤمنين، وأخبر عنهم بأنهم إخوة مجازًا على وجه التشبيه البليغ زيادةً لتقرير معنى الأخوة بينهم، حتى لا يحق أن يقرن بحرف التشبيه المشعر بضعف صفتهم عن حقيقة الأخوة، وهذه الآية فيها دلالة قوية على تقرر وجوب الأخوة بين المسلمين؛ لأن شأن (إنما) أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحته» 42.

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حال المؤمنين في الرحم العامة التي بينهم في الحديث الذي رواه النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) 43.

قال سيد قطب: «هذا المجتمع المتواد المتحاب المترابط المتضامن المتكافل المتناسق. هذا المجتمع الذي حققه الإسلام مرةً في أرقى وأصفى صوره، ثم ظل يحققه في صور شتى على توالي الحقب، تختلف درجة صفائه، ولكنه يظل في جملته خيرًا من كل مجتمع آخر صاغته الجاهلية في الماضي والحاضر، وكل مجتمع لوثته هذه الجاهلية بتصوراتها ونظمها الأرضية! هذا المجتمع الذي تربطه آصرة واحدة -آصرة العقيدة- حيث تذوب فيها الأجناس والأوطان، واللغات والألوان، وسائر هذه الأواصر العرضية التي لا علاقة لها بجوهر الإنسان» 44.

إن رابطة الأخوة التي تجمع المؤمنين من أقوى الروابط؛ لأنها انبثقت من العقيدة الراسخة؛ لذا فهي لا تتأثر بما قد يطرأ على العلاقات الدنيوية من وهن وضعف؛ لأنها أخوة قوية أساسها الإيمان بالله تعالى، وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وميزانها التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالصبر، والتواصي بالحق 45.

والحديث عن القرابة الإيمانية ضمن أنواع القرابة ليس حديثًا بعيدًا عن السياق، وإنما هو متمم لأنواع القرابة، فإن اجتمع ذوو القربى في النسب، وتقارب الأصهار بالزواج، وانضم أقارب الرضاع إلى دائرة القرابة بخمس رضعات؛ فإن المؤمنين يجمعهم نسب واحد، وهو الإيمان، وأب واحد هو الإسلام، وتقاربت أرواحهم في الله، وانضموا إلى البيت الإيماني لما ارتضعوا من نبع الأخوة في الله 46.

والأخوة الإسلامية من نعم الله تعالى، وهي كفيلة بإزالة العداوات والثارات والصراع بين القبائل والمجتمعات والدول، كما قال تعالى في الأوس والخزرج: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) } [آل عمران: 103] .

فقد ذكرهم الله بعظيم النعمة عليهم في الإسلام؛ لأنهم كانوا في جاهليتهم يقتل بعضهم بعضًا، ويستبيح كل غالب منهم من غلبه، فحظر عليهم الإسلام الأنفس والأموال إلا بحقها، فعرفهم الله عز وجل ما لهم من الحظ في العاجل في الدخول في الإسلام.

وهذه نزلت في الأوس والخزرج 47؛ لأنهم كانت بينهم في الجاهلية حروب دائمة قد أتت عليها السنون الكثيرة، فأزال الإسلام تلك الحروب وصاروا إخوانًا في الإسلام متوادين على ذلك، وأصل الأخ في اللغة: أن الأخ مقصده مقصد أخيه، وكذلك هوى الصداقة تكون إرادة بينهم، فكل واحد من الأخوين يكون موافقًا لما يريد صاحبه، والعرب تقول: فلان يتوخى مسار فلان، أي: يقصد ما يسره 48.

وقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} فهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن وإحن وأحقاد، طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام، فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانًا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) } [الأنفال: 62 - 63] 49.

وعلى ركيزة الأخوة العامة بنيت المجتمعات الإسلامية والدول، قال سيد قطب: «ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة، وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم، فإذا انهارت واحدة منهما لم تكن هناك جماعة مسلمة، ولم يكن هنالك دور لها تؤديه: ركيزة الإيمان والتقوى أولًا، الركيزة الثانية فهي ركيزة الأخوة، الأخوة في الله، على منهج الله، لتحقيق منهج الله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) } [آل عمران: 103] .

فهي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام .. من الركيزة الأولى .. أساسها الاعتصام بحبل الله -أي: عهده ونهجه ودينه- وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر، ولا على أي هدف آخر، ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة! {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت