في الآية خطابٌ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا} في إسلامكم بعد إذ هداكم الله، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم، وهذا النهي مفيدٌ لتحريم الربا، ويريد بالأكل الأخذ أضعافًا مضاعفةً، وهو أن يقول المرابي لمن عليه الدين بعد حلول الأجل: إما أن تقضي، وإما أن تربي، فإن لم يدفعه ضاعف ذلك عليه، ثم يفعل كذلك عند حلوله من بعد حتى تصير أضعافًا مضاعفةً، وقد نهي الله بعد ذلك عن تعاطي الربا في الصورة التي كانت شائعةً بين الناس.
وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} يدل على أن الربا من الكبائر التي يستحق عليها الوعيد بالنار، إلا أنه لم يكن فيه من التهديد والوعيد على نحو ما سنرى.
المرحلة الرابعة: هي المرحلة التي جاءت الآيات الكريمة فيها بالحكم الشرعي، فقد جاء التشريع بالتحريم للربا بجميع أنواعه، مصحوبًا بالتهديد الشديد، وإعلان الحرب على المرابين، ولم يكن ذلك إلا حين استقر في نفوس المسلمين أن الربا لا فائدة فيه، ولا طائل منه، وأن الله لا يرضى عن التعامل به.
قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 275 - 279] .
وهذه الآيات آخر ما نزل من القرآن الكريم، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: «هذه آخر آيةٍ نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم» 32.
ويستمر تحريم الربا إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، ولكن يأبى الذين استحوذ عليهم الشيطان إلا عتوًا ونفورًا؛ ليستمروا على التحكم بأموال الناس بغير حقٍ.
وقد أباح الإسلام استثمار المال عن طريق التجارة، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] .
وأثنى سبحانه وتعالى على الضاربين في الأرض للتجارة، قال تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل: 20] .
وقد أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم حربه على الربا والمرابين، وبين خطره على المجتمع، فقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم: إنه إذا ظهر الربا والزنا في قريةٍ، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله.
فعن عبد الله بن مسعودٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه) ، قال: وقال: (ما ظهر في قومٍ الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله عز وجل) 33.
ومن ثم، نرى أن الربا من أكبر الكبائر، إن لم يكن أكبرها مطلقًا، وقد آذن الله المرابين بحربٍ منه، إن لم يتركوا ما بقي من الربا، كما أمرهم وأعلمهم بأنهم في حربٍ من الله ورسوله، وهذه الحرب معروفة المصير، مقررة العاقبة، لا هوادة فيها، إنها حربٌ على الأعصاب والقلوب وحربٌ على البركة والرخاء، وحربٌ على السعادة والطمأنينة.
إن الغالب في المال الحرام أن يأتي عن طريق الربا، وقد يأتي عن طريق الرشوة (الهدية) ، وقد جاء الكتاب الكريم والسنة بالنهي عن الربا والوعيد الشديد فيه ما لم يرد في غيره من الذنوب، فمن تجرأ على الله عز وجل، ولم يتب عن الربا، فقد عرض نفسه لأنواع العقوبات العاجلة والآجلة في الدنيا والآخرة.
وقد ذكر في سبب تحريم الربا وجوهًا:
أحدها: الربا يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوضٍ؛ لأن من يبيع الدرهم بدرهمين نقدًا كان أو نسيئةً، فيحصل له زيادة درهمٍ من غير عوضٍ، ومال الإنسان متعلق حاجته، وله حرمةٌ عظيمةٌ عند الله، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرامٌ، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه) 34.
فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوضٍ محرمًا.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون لبقاء رأس المال في يده مدة مديدة عوضًا عن الدرهم الزائد؛ وذلك لأن رأس المال لو بقي في يده هذه المدة لكان المال الذي يتجر فيه، ويستفيد بسبب تلك التجارة ربحًا، فلما تركه في المديون وانتفع به المديون، لم يبعد أن يدفع إلى رب المال ذلك الدرهم الزائد عوضًا عن انتفاعه بماله 35.
قلنا: إن هذا للانتفاع الذي ذكر أمرٌ موهومٌ، قد يحصل، وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد أمرٌ متيقنٌ، فتفويت المتيقن لأجل الأمر الموهوم لا ينفك عن نوع ضرر.
وثانيها: قال بعضهم: الله إنما حرم الربا من حيث أنه يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب؛ وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقدًا كان أو نسيئةً خف عليه اكتساب وجه المعيشة؛ فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعة الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات 36.
وثالثها: قيل: السبب في تحريم عقد الربا، أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض؛ لأن الربا إذا حرم طابت النفوس بقرض الدرهم، واسترجاع مثله، ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين، فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان.
رابعها: أن الغالب أن المقرض يكون غنيًا، والمستقرض يكون فقيرًا؛ فالقول بتجويز عقد الربا تمكينٌ للغني من أن يأخذ من الفقير مالًا زائدًا، وذلك غير جائزٍ برحمة الرحيم.
خامسها: أن حرمة الربا قد ثبتت بالنص، ولا يجب أن يكون حكم جميع التكاليف معلومةً للخلق، فوجب القطع بحرمة عقد الربا، وإن كنا لا نعلم الوجه فيه 37.
ومن ثم فإنه إذا كان الله تعالى قد حرم الربا، فلا مجال للجدال في هذا التحريم؛ لأنه لا اجتهاد مع النص، ولا يجوز لنا أن نفسر الآيات تبعًا للهوى، وطمعًا في مكسبٍ ممحوق البركة.
تحريم الربا في التشريع اليهودي:
لقد خلق الله الناس لعبادته تعالى، فالناس جميعًا أمةٌ واحدةٌ، وربهم واحدٌ لا شريك له.
قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الأنبياء: 108] .
وبالنظر في حكم الربا في الشرائع السابقة، كاليهودية والمسيحية، لم نر في شريعتهم ما يحل الربا، فالربا لم يحل في شريعةٍ قط؛ لقوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 160 - 161] .
إن اليهود هم أكلة الربا، لقد حرم الله الربا على اليهود، وهم يعلمون ذلك، وينهون عنه فيما بينهم، لكنهم يبيحونه مع غيرهم، قال الإمام الحافظ ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى: «أي: أن الله قد نهاهم عن الربا، فتناولوه وأخذوه، واحتالوا عليه بأنواعٍ من الحيل وصنوفٍ من الشبه، وأكلوا أموال الناس بالباطل» 38.
وقد صرف اليهود النص المحرم للربا؛ حيث قصروا التحريم فيه على التعامل بين اليهود بعضهم بعضًا، أما معاملة اليهودي لغير اليهودي بالربا، فجعلوه جائزًا لا بأس به.
لقد حرم الله الربا في التوراة على اليهود، ولكنهم خالفوا أمره، واحتالوا، وحرفوا، وبدلوا كلام الله واعتبروا أن التحريم إنما يكون بين اليهود فقط، أما مع غيرهم فلا يكون محرمًا في زعمهم الباطل؛ ولذلك ذمهم الله في هذه الآيات كما بيناه.
قال تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: 42] .
ومن سمات اليهود أنهم أكالون للسحت، وهو المال الحرام الذي يسحت الطاعات، أي: يستأصلها.
أما ما جاء في تحريم الربا عند اليهود 39، فقد ذكر الربا في مواضع متعددةٍ من التوراة، فقصت في سفر الخروج: «إن أقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك، فلا تكن له كالمرابي، لا تضعوا عليه ربًا» 40.
والشريعة اليهودية في كتاب التوراة، كانت تنهى الناس في العهد القديم عن أخذ الربا من إخوتهم وينص العدد (20) في نسخة التوراة التي يتداولها يهود اليوم، على أن «للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا؛ لكي يباركك الرب، إلهك في كل ما تمتد إليه يدك في الأرض التي أنت داخلٌ إليها لتمتلكها» 41.
وقد حفلت النصوص برعاية المدينين، ومنعت مضارتهم في الرهون المقبوضة منهم، وفرضت إبراء المعسر مما عليه من القرض كل سبع سنين، وكل ذلك عندهم ما لم يكن المدين أجنبيًا.
ويذهب بعض المفسرين من أهل الكتاب 42 إلى أن نصوص سفري الخروج واللاويين التي سلفت إنما حرمت الربا الفاحش، وأن تحريم مطلق الفائدة، لم يشرع إلا من بعد ذلك بما جاء في سفر التثنية، وقيل: إن صحف موسى حرمت على اليهود أخذ الربا من الفقراء، ولو كانوا من الأجانب، ثم انحصر التحريم في إقراض اليهود، وإن كان المقترض موسرًا.
ولم يكن اليهود يعملون بالتجارة حين أنزلت التوراة، فلم تشر نصوصها إلى الديون التجارية، ولكنهم حين حرموا أخذ الربا على الديون التجارية، قد رخصوا في الوقت ذاته، فيما يؤدي إلى التهرب من هذا التحريم من طريق الحيلة القانونية، بأن يعتبر المقرض بالربا بمثابة شريكٍ مستحقٍ لأرباح المشروع التجاري الذي أمده برأس ماله، لكن دون أن يتحمل المقرض نصيبه من الخسائر. ويبين لنا القرآن الكريم أن الربا حرم في شريعة اليهود، فهو محرمٌ في كل الشرائع السماوية.
تحريم الربا في التشريع المسيحي:
الشريعة المسيحية تحرم الربا، وتنهى عنه، وتشير بعض المراجع التاريخية إلى أن الكنيسة كانت ومازالت تحرم الربا في نطاق أخذ الفائدة من الفقراء عند اقراضهم لسد احتياجاتهم، وقد حث السيد المسيح عليه السلام الناس دائمًا على أن يحب الناس بعضهم بعضًا، وأن يساعد بعضهم بعضًا، وجاء النهي عن الربا في شريعتهم.
ففي إنجيل لوقا: «إذا أقرضتم الذين ترجون منهم المكافأة، فأي فضلٍ يعرف لكم، لكن افعلوا الخيرات، وأقرضوا غير منتظرين عائدتها، وإذًا يكون ثوابكم جزيلًا» ، وقد أجمع رجال الكنيسة ورؤساؤها، وقد اتفقت مجامعها على تحريم الربا تحريمًا قاطعًا.
ولم يكن تحريم الربا قاصرًا على أرباب الديانتين، بل حرمه من اشتهر بالعلم والفهم والحكمة، والفكر.
«أحبوا أعداءكم وأحسنوا، وأقرضوا وأنتم لا ترجون شيئًا؛ فيكون أجركم عظيمًا» 43.
وجاء التحريم في سفر الخروج: «إن أقرضت لشعبي الفقير الذي عندك، فلا تكن له كالمرابي لا تضعوا عليه ربًا» 44.
وجاء في سفر المزامير: «والرزيل محتقرٌ في عينيه، ويكرم خائفي الرب، يحلف للضرر، ولا يغير فضته، لا يعطيها بالربا، ولا يأخذ الرشوة على البريء، الذي يصنع هذا لا يتزعزع إلى الدهر» 45.
ومن ثم فإنني لم أر فيما اطلعت عليه تشريعًا من عند الله يحل الربا، أو يبيح التعامل به؛ لأن أخذ الربا ظلمٌ، وما كان الله ليشرع للناس إلا ما فيه خيرهم.
وأما العرب في جاهليتهم على الرغم من تعاملهم بالربا إلا أنهم كانوا ينظرون إليه نظرة ازدراءٍ، ويدل على ذلك أنه عندما تهدم سور الكعبة، وأرادت قريش إعادة بنائه حرصت على أن تجمع الأموال لذلك من بيوت الأشراف التي لا تتعامل بالربا، حتى لا يدخل في بناء البيت مالٌ حرامٌ.
إن الربا «كان محرمًا في الشرائع، والذي فعله العرب في الجاهلية، إنما كان عادة المشركين، واشتمال شرائع الأنبياء قبلنا على تحريم الربا مشهورٌ مذكورٌ في كتاب الله تعالى، كما حكي عن اليهود في قوله تعالى: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} [النساء: 161] » .
وقيل: «جاء رجلٌ إلى مالك بن أنسٍ، فقال: يا أبا عبد الله، إني رأيت رجلًا سكرانًا يتعاقر يريد أن يأخذ القمر، فقلت: امرأتي طالقٌ إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر، فقال: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد، فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد، فقال له: امرأتك طالقٌ، إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه، فلم أر شيئًا أشر من الربا؛ لأن الله أذن فيه بالحرب» 46.
ومن ثم نؤكد أن أكل الربا والعمل به من الكبائر، ولا خلاف في ذلك عند كل ذي عقلٍ رشيدٍ.
رابعًا: شبهٌ حول تحريم الربا:
لقد تناول القرآن الكريم الحديث عن الربا في أربعة مواضع، وكان أول موضعٍ منها وحيًا مكيًا، والثلاثة الباقية مدنية.
وإذا نظرنا إلى مواقف العلماء من مسألة الربا، نجد منهم من يحاول التحايل على النص، والتماس مخرج يبيحه، ومنهم من يحرم، وهم كثرٌ، ولكن هب أنهم متساوون من يحرم، ومن يحلل، فما حكم الشرع، فيما تساوت فيه الاجتهادات؟
فعن النعمان بن بشيرٍ رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الحلال بينٌ، وإن الحرام بينٌ، وبينهما مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملكٍ حمًى، ألا وإن حمى الله محارمه) 47.
إن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين لنا مسألة الشبهة بما أوتي من جوامع الكلم، في الحديث الشريف، ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن فعل الشبهات، وإنما قال: (فمن اتقى) : أي تركها، إذن: من وقع في الشبهات، لم يستبريء لا لدينه ولا لعرضه، ومن ثم لا يرضى أحدٌ أن يوصف هذا الوصف.
إن المتأمل في المجتمعات التي تحيط بنا، يجد في كل بلدٍ أناسًا يتعاملون بالربا، ولا يجدون في ذلك غضاضةً، وهؤلاء المرابون لا يموتون بخيرٍ، وثرواتهم كاملةٌ؛ لأن الله تعالى توعد المرابي بأن يزيل ما كسبه، قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276] ؛ لذلك نسمع مقولات (فلانٌ ماهرٌ في التجارة) ، (فلانٌ يضع يده في التراب يصير ذهبًا) فالله تعالى يعطي الكافر ويوسع عليه زهرة الدنيا، حتى إذا أخذه كان أخذه أليمًا، فإن أردت أن توقع عدوك لا توقعه من مكانٍ منخفضٍ، إنما من مكانٍ عالٍ حتى يكون السقوط مؤلمًا.
والله يمحق المال المكتسب من الربا، والمال المحرم ممحوق البركة معرضٌ هو، وما خالطه من الحلال للتلف والزوال، وإن بقي، فلا يقبل الله منه صدقةً، ولا حجًا ولا صلةً، وإنما يقاسي صاحبه أتعابه، ويتحمل حسابه، وهذا في الدنيا.
قال تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178] .
إن المرابي مهما اكتسب، واغتنى، فإنما غناه كيدٌ فيه، ومبالغةٌ في إيذائه، إنما يمد له حتى إذا أخذه لم يفلته.
قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44] .
فالدنيا لا قيمة لها عند الله، وإنما هي متاعٌ، وعملٌ للآخرة.
وقال تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 33 - 36] .
ويسعى بعض الناس جاهدين التمسك بمفاهيم خاطئةٍ، فهم يبيحون الفوائد (الربا) إذ يقولون: إن العقد شريعة المتعاقدين، وأن كلا الطرفين (الدائن والمدين) راضيان عن هذا العقد، وأن العقد شريعة المتعاقدين، بيد أنهم نسوا أن هناك مشرعًا أعلى، وهو الله سبحانه وتعالى، وأن مقولة: (العقد شريعة المتعاقدين) لا تصلح إلا في العقود الحلال، وإلا لأصبحت عقود الزنى حلالًا؛ لوجود التراضى بين الاثنين.
ولا شك أن الربا عقوده باطلةٌ قانونيًا، وليس شرعيًا فقط، فالأصل أن القانون يحمي الطرفين: المقرض والمقترض، أما عقود الربا فإنها تحمى المقرض فقط؛ لأنها تبيح له أن يأخذ كل الضمانات التى يريدها من المقترض، فتبيح الحجز على متاع بيته، أو غير ذلك، ولا يعطي للمقترض أي حق؛ ومن ثم فإن عقد الربا مفسوخٌ لا يجوز بحالٍ؛ لما رواه الأئمة عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: (جاء بلالٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمرٍ برنيٍ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:(من أين هذا؟) قال بلالٌ: كان عندنا تمرٌ رديٌ، فبعت منه صاعين بصاعٍ؛ لنطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: (أوه أوه، عين الربا عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيعٍ آخر، ثم اشتره) 48.
وفي روايةٍ: (هذا الربا، فردوه، ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا) .
قال علماؤنا: «فقوله: (أوهٍ عين الربا) أي: هو الربا المحرم نفسه لا ما يشبهه» 49.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فردوه) يدل على وجوب فسخ صفقة الربا، وأنها لا تصح بوجهٍ، وهو قول الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة حيث يقول: «إن بيع الربا جائزٌ بأصله من حيث هو بيعٌ، ممنوعٌ بوصفه من حيث هو ربًا، فيسقط الربا ويصح البيع، ولو كان على ما ذكر لما فسخ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصفقة، ولأمره برد الزيادة على الصاع، ولصحح الصفقة في مقابلة الصاع» 50.
ومن الشبهات ما قيل: إن تحريم الربا في الإسلام يصيب الاقتصاد العالمي بالشلل التام:
والحقيقة غير ما ادعاه المبطلون؛ ذلك أن الربا، كما قال الاقتصادي الألماني شاخت: «ليتسبب في مصائب عالمية، وإن الربا ليضر بالاقتصاد العالمي، وإنه ليزيد الفقير فقرًا، والغنى غنًى» ؛ لأن الغني تتضاعف أمواله بالربا، أما الفقير فإنه ينشغل بسداد ديونه وفوائدها، فيزداد فقرًا على فقرٍ ويضطر إلى الحرام.
وكذلك فإن البريطاني (كينز) مؤسس علم الاقتصاد العالمي، قال: «حين تصل قيمة الفوائد إلى الصفر، يشيع النماء والرخاء في العالم كله» ، ومعنى هذا هو عدم الربا، وقد لجأت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة للإقراض بدون فوائد؛ لتشجيع الاستثمار في المجتمع الأمريكي، كما أن المصرف المركزي للاتحاد الأوروبي يجعل سعر الفائدة نصف في المائة 51.
ويرى كينز أن من واجب الدولة أن تعمد إلى تحقيق وفرة المدخرات، ومن ثم وفرة رؤوس الأموال المتاحة؛ للتوظيف في النشاط الاقتصادي، وبهذا تتحقق العدالة الكاملة، وتنتفي ندرة رأس المال، ويهبط سعر الفائدة إلى الصفر 52.
بيد أن الإسلام عندما حرم الربا، لم يترك الفقراء عالةً يتكففون الناس، وإنما حث على الصدقة والقرض الحسن، وجعل أجره أعلى من أجر الصدقة، ووعد من صبر على المعسر بجزيل الأجر والثواب، وفي هذا تكافلٌ اجتماعي كبيرٌ.