فهرس الكتاب

الصفحة 1194 من 2431

1.أيقنا بأن الكبر مرض عضال من أمراض القلوب، تظهر أعراضه على المتكبر في الدنيا والآخرة، لذا لا بد له من علاج كي يستقيم حاله وينصلح أمره، ولن تجد له وصفة علاج أمثل ولا أفضل من علاج القرآن والسنة؛ لأن الله أعلم بخلقه من أنفسهم، (قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ?) [البقرة:140] .

وهذه بعض علاجات القرآن لمرض الكبر:

أولًا: معرفة الله:

إن الله له الأسماء الحسنى، والصفات العليا، وله الشرف الأتم الأسنى، تقدست أسماؤه، وعظمت صفاته، هو واحد أحد، فرد صمد، لا يشبهه شيء، ولم يكن له كفؤًا أحد.

وإن من أسمائه جل في علاه (الخالق) ، خلق الخلق عظيمه وحقيره، كبيره وصغيره، دقيقه وجليله، بنظام محكم متقن بديع، لا يسع الإنسان معه إلا أن يقف أمام هذه العظمة قائلًا: جلت عظمة الخالق، لا إله غيره ولا رب سواه، ثم يخر له ساجدًا خاضعًا ذليلًا.

إن المتكبر إذا علم صفات الله عرف حجمه ومكانته وموقعه، وأين هو في هذا الكون؟! وماذا يشكل فيه؟! فينقطع حينئذٍ عن كبريائه وتعاظمه، ويخضع فقط لعظمة الله، ويذل لجبروته وكبريائه سبحانه، ويأبى أن يكون كبيرًا على أحد أو أن يكون أحدٌ عليه كبير غير الله.

ثم إن من علمه بربه يقتضي أن لا يسيء الظن به، لأن إساءة الظن به جل جلاله تورد المهالك، وتسبب الخسران المبين.

قال تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) } [فصلت:23] .

إن عادًا لما استكبروا في الأرض بغير الحق واغتروا بقوتهم، ذكرهم الله تعالى ببديع صنعه وعظيم خلقه، وكمال قوته؛ ليرجعوا عن عتوهم وكبريائهم، ويذلوا لعظمته وكبريائه سبحانه.

قال تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) } [فصلت:15] .

فهذه أول وأهم خطوة على سبيل علاج مرض التكبر؛ أن يتعرف العبد على الله تعالى.

ثانيًا: معرفة المتكبر لحقيقته ومصيره:

لا بد للمتكبر أن يلعم بأنه مخلوق من مخلوقات الله جل جلاله، خلقه من تراب، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين حقير، فأصله من تراب، منه خلق وفيه يعود، ونسله من ماء مهين، يخرج من حيث يخرج البول، لذا فإن الله تعالى ذكر هذا الإنسان بأصله لما تكبر وتمرد على طاعة الله، وذهب إلى أهله يتمطى، فقال جل جلاله: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) } [القيامة:37 - 39] .

كما ذكره كذلك بأصل خلقته لما ضرب هذا المتكبر مثلًا، حين قال: من يحيي العظام بعد أن تصبح رميمًا.

قال جل جلاله:. {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) } [يس:78 - 79] .

إن الله تعالى كما ذكر المتكبرين بمنشأهم ذكرهم كذلك بمآلهم، فبين لهم أنهم بعد هذه الحياة يموتون، وأنهم إلى التراب يصيرون، وفيه يعودون، فقهرهم بالموت، وكفى بالموت واعظًا.

قال تعالى: {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25) } [الأعراف:25] .

لذا قال الله تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} [الإسراء:37] .

ولم يقل: (ولا تمش مرحًا) ؛ يذكر تعالى الإنسان شأنه بأصله الذي منه خلق وفيه يعود، وهو الأرض، فإذا تكبر فعلام يتكبر؟! أيتكبر على أصله الذي منه جاء وفيه يعود؟!

إن المتكبر إذا عرف هذه المعاني وأيقن بهذه الحقائق فلن يتكبر، ولن يتعاظم على الناس.

ثالثًا: الوعيد الشديد للمتكبرين:

إضافة إلى ما سبق فإن الله تعالى أعد للمتكبرين عذابًا شديدًا، فقال جل جلاله: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) } [الزمر:60] .

وفي حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) 63.

وقد سبق حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عز وجل: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار) 64.

وقد رأينا في هذا البحث كيف كان مصير المستكبرين في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأخزى، فليس بعد هذا الوعيد من وعيد، والعاقل من استفاد من تجارب السابقين.

فهذه ثلاث طرق لعلاج الكبر مستوحاة من كتاب الله تعالى وسنة حبيبه صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن المتكبر حال تلبسه بكبريائه يغيب عن باله عظمة الخالق سبحانه، وينسى أصله وحقيقته ومآله، ويتجاهل ما ينتظره من العذاب الشديد، ولو استحضر هذه أمامه لما تكبر على خلق الله، ولا تعالى على عباده.

موضوعات ذات صلة:

التواضع، الذل، العجب، الغرور

1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 5/ 153،154.

2 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 543 - 546.

3 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 5/ 125.

4 المفردات، ص 545.

5 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، رقم 91، عن عبد الله بن مسعود.

ومعنى (بطر الحق) : دفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا، و (غمط الناس) : احتقارهم. شرح صحيح مسلم، النووي، 2/ 90.

6 انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبد الله إبراهيم جلغوم، ص 1001 - 1002.

7 انظر: تهذيب الأخلاق، الجاحظ، ص 32.

8 انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ص 953.

9 كتاب العين، الفراهيدي، 5/ 383.

10 انظر: روح المعاني، الألوسي، 5/ 56.

11 إرشاد العقل السليم، 2/ 261.

12 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 4/ 243، لسان العرب، ابن منظور، 1/ 582.

13 الفروق اللغوية، العسكري ص 248.

14 انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي 2/ 456.

15 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 4/ 112.

16 انظر: التوقيف، المناوي، ص 59.

17 انظر: روح المعاني، الألوسي، 15/ 25.

18 لسان العرب، ابن منظور، 15/ 27 بتصرف.

19 مفاتح الغيب، الرازي، 4/ 454.

20 الكشاف، الزمخشري، 2/ 526.

21 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 8/ 396.

22 التوقيف، المناوي، ص 212.

23 أخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب ما جاء في الكبر، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وصححه الشيخ الألباني.

24 مفاتح الغيب، الرازي، 8/ 183.

25 التوقيف، للمناوي، ص 606.

26 المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 712.

27 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 23/ 244.

28 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 13/ 19.

29 انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي، 2/ 238.

30 انظر: الدر المنثور، السيوطي، 1/ 270.

31 انظر: المصدر السابق 1/ 274.

32 إحياء علوم الدين، الغزالي 2/ 436.

33 البحر المحيط، أبو حيان، 5/ 469.

34 البحر المحيط، أبو حيان، 5/ 469.

35 إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 8/ 50.

36 روح المعاني، الألوسي، 25/ 120.

37 فتح القدير، الشوكاني، 4/ 97.

38 في ظلال القرآن،6/ 3294.

39 أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري، 2/ 204.

40 في ظلال القرآن، سيد قطب، 3/ 1313 - 1314.

41 فتح القدير، الشوكاني، 4/ 137.

42 فتح القدير، الشوكاني، 1/ 682.

43 تلبيس إبليس، ص 33.

44 انظر: معالم التنزيل، البغوي، 1/ 315.

45 روح المعاني، 3/ 27.

46 جامع البيان، 19/ 481.

47 المصدر السابق، 17/ 117.

48 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/ 448.

49 أيسر التفاسير، الجزائري، 4/ 462.

50 جامع البيان، الطبري، 21/ 239.

51 فتح القدير، الشوكاني، 1/ 142.

52 البحر المحيط، أبو حيان، 1/ 468.

53 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 7/ 169.

54 روح المعاني، الألوسي، 9/ 224 - 225.

55 أنوار التنزيل، البيضاوي، 1/ 279.

56 فتح القدير، الشوكاني، 5/ 425.

57 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 6/ 519.

58 أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري، 3/ 52،53.

59 البحر المحيط، أبو حيان، 7/ 448.

60 تفسير السمرقندي، 3/ 408.

61 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 8/ 227.

62 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 160 - 161.

63 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، رقم 91، عن عبدالله ابن مسعود.

64 أخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب ما جاء في الكبر، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وصححه الشيخ الألباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت