فهرس الكتاب

الصفحة 2299 من 2431

وجعل نفس الحكم حالًا منه مبالغة، والمراد: أنه ذو حكم، أي: حكمة 58. أي: يحكم في القضايا والوقائع بما تقتضيه الحكمة، مترجمًا بلسان العرب؛ ليسهل عليهم فهمه وحفظه. وقيل: أراد بالحكم العربي القرآن كله؛ لأنه يفصل بين الحق والباطل ويحكم 59.

أو المراد بـ (حُكْمَا) أي: مفصحًا عن الأحكام، نحو: (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ) [الأنفال: 8] .

أو: ناسخًا لما قبله من الأحكام 60 أي: إن القرآن مع أنه خوطب به العرب ونزل بلسانهم إلا أن حكمه لزم الثقلين كافة عربًا وعجمًا، فكل أهل دين قبله عليهم اتباع دينه، وكل حكم تبع لحكمه، وكل لسان تبع للسانه.

وفي وصف الحكم بأنه (عربيًا) أيضًا إشارة إلى أن الشريعة بأحكامها لا تفهم إلا إذا فهم اللسان العربي، والإخلال في ذلك قد يؤدي إلى انحراف الأحكام عن استقامتها إلى البدعة والضلال.

وكذلك في وصف الحكم بأنه (عربيًا) تكريمًا وتشريفًا للسان العربي وأهله، وكيف لا يكون خطاب رب العالمين إلى كافة المكلفين -عربًا وعجمًا- شرفًا للعرب، وقد جاء بلغتهم دون سواهم؟! وعلى قدر التشريف يأتي التكليف؛ فمن قام بهذا التكليف استحق الذكر والتشريف، وبالمقابل من نبذ الرسالة وضيع الأمانة عاد عليه القعود عن التكليف بالتوبيخ والتعنيف، وكان معرضًا للوعيد والتهديد، فواجب على العرب أن ينهضوا بحضارتهم، وألا يغفلوا عن تبليغ رسالات ربهم، فمن ينهض بالتكليف يناله حظه من التشريف.

والمقصود أن الله تعالى جعل الحكم والدين عربيًا نسبة إلى العرب؛ لأنه منزل بلغتهم على محمد صلى الله عليه وسلم وهو عربيٌّ، فنسب الدين إليه إذ عليه أنزل 61.

وجاءت رسالة الإسلام ونزل الوحي الأمين باللغة العربية؛ ليخاطب القرآن الكريم شعوب الأرض كلها بمختلف أجناسها وأعراقها ولغاتها بهذا اللسان العربي المبين، فانتقلت اللغة العربية مع أول آية نزل بها الوحي نقلة واسعة هائلة تملأ العصور والأقطار والشعوب.

أولًا: الحكمة من اختيار العربية لغة القرآن:

اختار الله تعالى أن يكون اللسان العربي مظهرًا لوحيه، ومستودعًا لمراده، وأن يكون العرب هم المتلقين أولًا لشرعه، وإبلاغ مراده، لحكم علمها، منها:

ولما تتمتع به اللغة العربية من مقومات اللغات الحية، وعناصر قوتها واستمرارها؛ وذلك من حيث وفرة مفرداتها بالأصالة والاشتقاق، أو بالحقيقة والمجاز، أو من حيث قبولها للتطور والتقدم الحضاري، أو من حيث مرونة أساليبها، وصلاحيتها لكل ما يراد منها، أو من حيث فصاحة ألفاظها، وبلاغة تراكيبها.

أضف إلى ذلك أن خصائص اللغة العربية وقابليتها الحيوية، ومرونة تعبيراتها وسعتها، وما إليها من مميزات من حيث الاشتقاق الصرفي والإيجاز، والخصائص الصوتية، وإمكانية تعريب الألفاظ الواردة تجعل اختيارها لغة للقرآن الكريم هو الخيار الصحيح.

فمثلًا: موسى عليه السلام جاء بمعجزة إبطال السحر؛ لأنهم كانوا بارعين في السحر، وعيسى عليه السلام جاء بالطب، وإحياء الموتى؛ لأنهم كانوا بارعين في الطب، وكذلك العرب هم أمهر الناس في اللغة من بين الأمم في وقتهم، فجاء القرآن إعجازًا لهم في معانيه وألفاظه وتشبيهاته وإحالاته وإعجامه وتصريفاته.

ومن هنا كانت معجزة الرسول الكبرى القرآن الكريم من جنس ما اشتهر به قومه من الفصاحة والبلاغة، فجاء يتحداهم في نفيس بضاعتهم، وأبرز أسباب شهرتهم وتفوقهم.

ليتمكن من التعامل معه بصورة طبيعية، ومن هذا المنطلق كان من الطبعي اختيار اللغة العربية دون غيرها من اللغات، حيث إنها اللغة التي كان يتحدث بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كما أن أي رسول لابد وأن يتحدث بلسان القوم المرسل إليهم أو المبعوث فيهم، ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الأمر، حيث قال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) [إبراهيم: 4] .

فكان من الطبعي أن يتم نزول القرآن باللغة العربية، التي هي لغة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولغة قومه الذين يعيش معهم؛ لكن اختيار لغة قوم الرسول لا يدل على انحصار الدعوة في من يتكلم بتلك اللغة، خاصة وأن الأدلة القاطعة تثبت خلاف ذلك.

فهذه الشبهة كان يمكن طرحها لو جاء على أي لغة أخرى -غير العربية-، وحينئذٍ لقالوا: لماذا نزل القرآن بهذه اللغة؟ ومن أين تعلم اللغة وهو أمي لا يكتب؟ وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ? أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ?) [فصلت: 44] .

ولا شك أن اللسان العربي مختص بأنواع الفصاحة والجزالة التي لا توجد في سائر الألسنة 62.

ولتطرق التحريف إلى الكتاب المنزل، بل يقرب من المحال أن يتحد هذا المنزل مع تعدد اللغات، وتنوع اللهجات، وتعدد الخصائص والدلالات بالنسبة لاستنباط الأحكام، ورسم المنهج، ومعرفة الحدود، وإحكام جميع العبادات والتشريعات.

فيكون نزول القرآن باللسان العربي نعمة عظيمة، وآية حكيمة، فالحمد لله على إزالة هذا التناكر والتدابر باختيار اللغة العربية الراقية؛ لتنال شرف نزول الوحي الإلهي بها، ولترتقي وحدها إلى تحمل إعجازه الذي لا يتسع له غيرها، وإنها لمسئوولية وفخار للأمة صاحبة اللغة واللسان، وقد حددها الله سبحانه بقوله: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ? وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) [الزخرف: 44] .

وليس المراد من خطاب العرب بالقرآن أن يكون التشريع قاصرًا عليهم أو مراعيًا لخاصة أحوالهم، بل إن عموم الشريعة ودوامها وكون القرآن معجزة دائمة مستمرة على تعاقب السنين ينافي ذلك، نعم إن مقاصده تصفية نفوس العرب الذين اختارهم لتلقي شريعته وبثها ونشرها، فهم المخاطبون ابتداءً قبل بقية أمة الدعوة، فكانت أحوالهم مرعية لا محالة، وكان كثير من القرآن مقصودًا به خطابهم بخاصة، وإصلاح أحوالهم.

قال تعالى: (مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَ?ذَا) [هود: 49] .

وقال: أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى? طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى? مِنْهُمْ) [الأنعام: 156 - 157] .

لكن ليس في ذلك دليل على الاقتصار على أحوالهم فقط 63.

والمقصود أننا لا نشك في أن نزول القرآن باللغة العربية دون غيرها من اللغات لم يكن عفويًّا، بل كان لأسباب دقيقة، وهو بكل تأكيد اختيار حكيم؛ لأنه من قبل رب العالمين، ونحن نؤمن بوجود الحكمة في هذا الاختيار، سواءً تبينت لنا أسبابه أم لم تتبين! وسواء علمنا الحكمة من اختيار الله للغة العربية لتكون هي لغة الإسلام الدين العالمي أم لم نعلمها، فلابد أن نجزم ونوقن أنها أفضل اللغات مطلقًا؛ ولهذا اختارها الله من بين اللغات؛ ليخاطب الله بها الناس جميعًا، فالقرآن الكريم هو معجزة الله الخالدة في كل شيء حتى في اللغة التي أنزل بها.

ثانيًا: أثر القرآن على اللغة العربية:

لقد تأثرت اللغة العربية بالقرآن الكريم تأثرًا كثيرًا، ويمكن إجمال هذا الأثر في العناصر الآتية:

حفظ القرآن الكريم اللغة العربية من الضياع والاندثار كغيرها من اللغات الأخرى التي تفرقت، واختلفت بمرور الزمن، فالمتأمل للتاريخ يرى بوضوح لغات كثيرة قد اندثرت بموت أهلها، أو ضعفت بضعفهم، لكن ارتباط اللغة العربية بالقرآن جعلها محفوظة بحفظه، وباقية ببقائه، وسبحان الله القائل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9] .

والذي يدقق النظر في العربية المعاصرة يجد الكثير من الألفاظ التي هجرت، وظل بقاؤها حية على الألسنة، قاصرًا على الاستخدام الديني لها، وهو الاستخدام المرتبط بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

بنزول القرآن ودخول الناس في دين الإسلام أفواجًا من شتى بقاع الأرض اتجه المسلمون من غير العرب إلى تعلم العربية؛ رغبة في أداء العبادات والشعائر الدينية بها، وقراءة القرآن بالعربية؛ لأن قراءة القرآن الكريم تعبد لله تعالى لا يصلح إلا باللسان العربي، وبالتالي انتشرت اللغة العربية انتشارًا ما كان يتحقق لها بدون القرآن الكريم.

فنزول القرآن باللسان العربي حَوَّلَها من لغة محلية إلى إنسانية، وذلك عن طريق الموجات البشرية التي خرجت من الجزيرة العربية إلى البلاد المجاورة؛ داعية للإسلام حاملة معها قرائنها وعقيدتها وأخلاقها، وبقيت معلقة بموطنها الأصلي مادي ومعنوي، وهو ما دعا سكان البلاد الأصليين إلى الإسلام واعتنائهم؛ لما رأوه من أخلاق المسلمين وعدلهم؛ ولما أسلموا كان عليهم أن يؤدوا الصلاة وهي عمود الدين، والصلاة لا تكون إلا بقراءة الفاتحة على الأقل، فأدى ذلك إلى تعلمهم اللغة العربية.

كما أن اعتناقهم لهذا الدين وقبولهم به يعني التزامهم بأخلاقه ومبادئه، وهذا دعاهم إلى ضرورة التفقه في الدين، ومعرفة أحكامه وقراءة القرآن؛ لنيل الأجر والثواب على قراءته؛ كل هذا دعا المسلمين من غير العرب إلى تعلم العربية ومعرفتها، إلا أن ما يلفت النظر هو أن هؤلاء لم يتعلموا العربية فقط، بل أتقنوها فألفوا فيها المؤلفات التي ما تزال من أمهات المصادر العربية حتى يومنا هذا، ككتاب سيبويه وهو فارسي الأصل، ودلائل الإعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني وغيرهم.

رغم أن التطور سنة جارية في كل اللغات، وأكثر مظاهره يكون في الدلالات، إلا أن العربية ظلت محتفظة بكل مستوياتها اللغوية (صوتية - صرفية - نحوية - دلالية) ، وما تطور منها كان في إطار المعاني الأصلية وبسبب منها، والمحافظة على الأصل الدلالي للفظ على تطور الزمن له فائدة لا يستهان بها، فتواصل الفهم بين الأجيال للنصوص القديمة وتراث الأمة أمر من الأهمية بمكان، ويزداد إدراك أهمية الاستقرار اللغوي الذي تتميز به العربية إذا ما تأملنا التعبير السريع الذي يلحق اللغة الإنكليزية (لغة الحضارة المعاصرة) ، فنصوص الإنجليزية القديمة (التي مر عليها قرابة ثلاثة قرون) أصبحت عصية على الفهم بالنسبة للإنجليزية المعاصرة.

ولعل هذا التغير السريع هو الذي دفع علماء هذه اللغة إلى إعادة صياغة النصوص الأدبية المهمة عندهم -مثل نصوص شكسبير- بإنجليزية حديثة يفهمها المعاصرون بدلًا من الإنجليزية القديمة.

فرغم مرور أربعة عشر قرنًا على وجود الإسلام إلا أن الإنسان العربي لا يكاد يجد صعوبة في فهم هذه النصوص، ولا تصادفه غرابة في الألفاظ، وما يصادفنا من ألفاظ صعبة، فإن أبسط المعاجم يمكن أن يبدد هذه الصعوبة، وهكذا الشأن مع باقي المستويات اللغوية (الصوتية، والصرفية، والنحوية) وهذه مزية عظيمة أن تكون الأمة موصولة بتراثها الزاخر تفيد منه وتنتفع به.

فقد نَحَّى القرآن الكريم عن اللغة التقعير في الكلام، والألفاظ الغريبة الثقيلة على السمع، وإن من يتأمل النثر أو الشعر الجاهلي يرى كثيرًا من هذه الكلمات، ومن ذلك: (جحيش) : يقال للرجل: إذا كان يستبد برأيه ولا يشاور الناس 64، و (البخصات) : جمع بخصة وهي لحم باطن القدم، و (الملطاط) : وهو كل شفير نهر أو وادٍ 65، وغير ذلك كثير.

كما نحَّي القرآن الكريم أيضًا كثيرًا من الألفاظ التي تعبر عن معان لا يقرها الإسلام، ومن ذلك:

••المرباع: وهو ربع الغنيمة إلى الذي كان يأخذه الرئيس في الجاهلية.

••النشيطة: وهي ما أصاب الرئيس قبل أن يصير إلى القوم، أو ما يغنمه الغزاة في الطريق قبل بلوغ الموضع المقصود.

••المكس: وهو دراهم كانت تؤخذ كضريبة من بائعي السلع في الأسواق الجاهلية.

••قولهم للملوك: (أبيت اللعن) . ومثل ذلك كثير يرجع إليه في بطون كتب التراث.

ومن أثر القرآن بالعربية أيضًا:

••تقوية اللغة والرقي بها نحو الكمال.

••توحيد لهجات اللغة العربية، وتخليصها من اللهجات القبلية الكثيرة.

••تحويل اللغة العربية إلى لغة تعليمية ذات قواعد منضبطة.

••تهذيب ألفاظ اللغة العربية، ونشوء علم البلاغة.

ثالثًا: حكمة ورود ألفاظ غير عربية في القرآن الكريم:

اتفق أهل العلم على أنه ليس في القرآن كلام مركب من أساليب أعجمية، كما اتفقوا على أن في القرآن أسماء أعلام أعجمية مثل: نوح، ولوط، وإسرائيل، وجبريل، قال القرطبي رحمه الله في مقدمة تفسيره: «لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب، وأن في القرآن أسماء أعلامًا لمن لسانه غير لسان العرب، كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ولوط» 66.

واختلفوا: هل فيه ألفاظ أعجمية مفردة؟

فذهب الجمهور إلى عدم وجود ألفاظ أعجمية في القرآن، وذهب آخرون إلى وجودها، وتوسط طرف ثالث فتأول وجودها على أنها مشتركة بين العرب وغيرهم، وعلى أن العرب استعملوها وعربوها، فصارت تنسب إليهم لا باعتبار أصلها، بل باعتبار استعمالها وتعريبها.

وممن نصر القول الأول -وهو عدم وجود ألفاظ أعجمية في القرآن- الإمامان الجليلان الشافعي 67 والطبري 68 ووافقهما أبو عبيدة 69 وابن فارس 70 وأكثر أهل اللغة، وهو الذي نصره وأيده: بدر الدين الزركشي في كتابه (البرهان في علوم القرآن) واستدلوا بالآيات القرآنية الكثيرة التي تدل على عربية القرآن الكريم، منها: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2] .

وقوله: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الزمر: 28] .

قال الإمام الشافعي -بعد أن ساق الآيات السابقة-: «فأقام حجته بأن كتابه عربي في كل آية ذكرناها، ثم أكد ذلك بأن نفى عنه -جل ثناؤه- كل لسان غير لسان العرب في آيتين من كتابه، فقال تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103] .

وقال: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت: 44] » 71.

وذهب الإمام المفسر ابن عطية إلى القول الثاني: وهو أن في القرآن بعض ألفاظ أعجمية 72، ووافقه بعض الفقهاء، وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة 73. وهو الذي نصره وأيده جلال الدين السيوطي في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) وفي كتابه: (المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب) ومن أدلتهم: ما وجد من ألفاظ أعجمية كـ (إستبرق، وسندس) وغيرها، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث للناس كافة، فلا يمتنع وجود أكثر من لغة في القرآن، بل هو أبلغ في الإعجاز.

وقد رد الإمام الشافعي رحمه الله بكلامه الفصيح، وحجته القوية على هذا الزعم، مبينًا أنه ليس في كتاب الله شيء إلا بلسان العرب، مفندًا حجج هؤلاء الزاعمين، وأهمها اثنتان:

الأولى: أن في القرآن خاصًّا يجهل بعضه بعض العرب.

والثانية: أن في القرآن ما ينطق به غير العرب. فقام الشافعي بالرد على هاتين الشبهتين في كتابه الرسالة 74.

والمذهب الثالث هو لبعض الباحثين -وهو يجمع بين القولين- فهو يقول: إن وجود بعض الألفاظ الأعجمية لا يخرجه عن كونه عربيًّا؛ لأنها قليلة والعبرة للأكثر، كما أن من يعرف كتابة اسمه فقط لا يخرجه عن كونه أميًّا، وأن هذه الألفاظ هي أعجمية في الأصل عربية بالاستعمال والتعريب.

وبعد هذا التحقيق يتبين أنه لا مجال للطعن في كتاب الله تعالى بمثل هذه الشبهة، وأنه لو كانت مجالًا للطعن في القرآن لما تركها أسلاف هؤلاء من مشركي مكة ومن بعدهم، وهم أهل اللغة، وهم الذين لم يتركوا مجالًا لأحدٍ للطعن في النبي صلى الله عليه وسلم، وكتاب ربه إلا قالوه، ولو أنهم وجدوا هذه الشبهة قائمة لقالوها.

وقد يقول قائل: ما الحكمة من استعمال القرآن لهذه الكلمات الأجنبية مهما قلت مع وجود مرادفات في اللغة العربية؟!

وقد أبان السيوطي شيئًا من تلك الحكم بعد أن نقل بعض الآثار في كتابه المهذب عن أبي ميسرة قال: «في القرآن من كل لسان» ، وعن بعضهم قال: «ليس لغة في الدنيا إلا وهي في القرآن» ، قائلًا: «فهذه إشارة إلى أن حكمة وقوع هذه الألفاظ في القرآن أنه حوى علوم الأولين والآخرين، ونبأ كل شيء، فلا بد أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن؛ لتتم إحاطته بكل شيء، فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالًا للعرب» .

ثم رأيت ابن النقيب صرح بذلك فقال في تفسيره: «من خصائص القرآن على سائر كتب الله المنزلة أنها نزلت بلغة القوم الذين أنزلت عليهم، لم ينزل فيها شيء بلغة غيرهم، والقرآن احتوى على جميع لغات العرب، وأنزل فيه بلغات غيرهم من الروم والفرس والحبشة شيء كثير» .

و أيضًا فالنبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى كل أمة، وقد قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] .

فلا بد وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم، وإن كان أصله بلغة قومه هو» 75.

ولعل من الحكم في ذلك؛ ليكون دلالة على عالمية القرآن، وكأنما يشير الله سبحانه وتعالى بهذه الكلمات إلى شعوب ودول على المسلمين أن يصلوا إليها؛ لنشر هداية القرآن، وتعاليم الإسلام، كأنما يقول: تذكروا فارس، والحبشة، والدولة الرومية وغيرها، وانشروا فيها علمكم، ونور دينكم ولغتكم؛ وهذا ما فعله المسلمون.

موضوعات ذات صلة:

القرآن، القراءة، الكتابة، اللسان

1 التعريفات، الجرجاني ص 192.

2 أخرجه ابن ماجه، كتاب النكاح، باب ما جاء في فضل النكاح، 3/ 72، رقم 1872، وأحمد في مسنده، 29/ 260، رقم 17722.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 591، رقم 3084.

3 انظر: مختار الصحاح، الرازي ص 467.

4 انظر: الكليات، الكفوي ص 798، المصباح المنير، الفيومي 2/ 400.

5 انظر: القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب 1/ 246.

6 انظر: لسان العرب، ابن منظور 1/ 586، تاج العروس، الزبيدي 3/ 333.

7 انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 3/ 95، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 8/ 231.

8 انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 1/ 342، مشارق الأنوار، القاضي عياض 2/ 68.

9 انظر: الفروق الفردية، العسكري 1/ 58.

10 فتح القدير، الشوكاني 3/ 279.

11 اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 8/ 349.

12 انظر: مقدمة ديوان الأدب للفارابي، 1/ 80، تحقيق: دكتور أحمد مختار عمر.

13 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/ 96.

14 وحي القلم 3/ 33 - 34.

15 اقتضاء الصراط المستقيم 1/ 424.

16 المجموع، النووي 1/ 20.

17 اقتضاء الصراط المستقيم ص 207.

18 المزهر 2/ 302.

19 مقدمة ابن خلدون ص 426.

20 أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 10/ 456 - 457، رقم 9963، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، 2/ 1132، رقم 2228.

21 اقتضاء الصراط المستقيم 1/ 425.

22 انظر: جامع البيان، الطبري 11/ 283، تفسير ابن أبي حاتم في 10/ 3170.

23 أخرجه الحاكم في المستدرك، 2/ 542،- 3845، وابن أبي حاتم في تفسيره، 10/ 3366، رقم 18953.

24 مجموع فتاوى ابن تيمية 8/ 343.

25 انظر: سلسلة التفسير، مصطفى العدوي 24/ 6.

26 تهذيب اللغة 2/ 219.

27 جامع البيان، الطبري 15/ 551.

28 مقدمة ابن خلدون ص 75.

29 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 365.

30 الرسالة ص 46 - 47.

31 جامع البيان، الطبري 1/ 15.

32 أخرجه الحاكم في المستدرك، 2/ 550، رقم 3872، والطبراني في الكبير، 11/ 125، رقم 11250، وهو في صحيح السيرة النبوية 1/ 158.

33 توفيق الرحمن، فيصل آل مبارك 4/ 230.

34 روح المعاني، الألوسي 23/ 261.

35 الإيمان ص 111.

36 معالم التنزيل، البغوي 2/ 267.

37 البيت منسوب لعامر بن الطفيل، انظر: لسان العرب، ابن منظور 1/ 63.

38 الاعتصام، الشاطبي 2/ 56.

39 انظر: الكشاف 1/ 156، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 2/ 276.

40 الاعتصام، الشاطبي 2/ 58.

41 انظر: فتح القدير، الشوكاني 5/ 650.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت