فهرس الكتاب

الصفحة 2187 من 2431

وهذه أيضًا من صفات عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور، قيل: هو الشرك وعبادة الأصنام، وقيل: الكذب والفسق والكفر واللغو والباطل، وقال محمد ابن الحنفية: هو اللغو والغناء. وقال أبو العالية وطاووس وابن سيرين والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم: هي أعياد المشركين .. وقال عمرو بن قيس: هي مجالس السوء والخنا، وقال مالك عن الزهري: شرب الخمر لا يحضرونه ولا يرغبون فيه، كما جاء في الحديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر) 40.

والأظهر من السياق أن المراد: لا يشهدون الزور، أي: لا يحضرونه، ولهذا قال تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} أي: لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به مروا ولم يتدنسوا منه بشيء، ولهذا قال: {مَرُّوا كِرَامًا} 41.

المعنى: على الاحتمال الأول: والذين لا يحضرون مشاهدة الباطل والإثم في كل مجلس تتعدى فيه الحدود، أو تنتهك فيه الحرمات، أو يحكم فيه بالجور أو تعظم فيه الطواغيت، أو يدعى فيه بدعوى الجاهلية، أو تحيى فيه معالم الوثنية، أو تطمس فيه السنة النبوية، أو يدعى فيه أحد مع الله، أو يضرع إلى سواه.

وعلى الاحتمال الثاني: والذين لا يشهدون شهادة الزور ولا يخبرون إلاّ بالحق الواقع. ترجيع وترجيح:

يلزم من أنهم لا يشهدون مشاهدة الباطل أنهم لا يشهدون بالزور؛ لوجهين:

الأول: لأنهم إذا كانوا لا يحضرون مجالس الباطل فبالأحرى أنهم لا يقولونه.

والثاني: أن مشهد شهادة الزور من مشاهد الباطل التي لا يحضرونها؛ فيكون الوجه الأول أولى؛ لأنه أشمل.

{وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ} وهو الكلام الذي لا فائدة فيه، دينية ولا دنيوية، ككلام السفهاء ونحوهم، {مَرُّوا كِرَامًا} أي: نزهوا أنفسهم وأكرموها عن الخوض فيه، ورأوه سفها منافيا لمكارم الأخلاق.

وفي قوله: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ} إشارة إلى أنهم لا يقصدون حضوره، ولا سماعه، ولكن يحصل ذلك بغير قصد، فيكرمون أنفسهم عنه 42.

هناك أساليب ذكرها القرآن الكريم في التحذير من الزور، وهي الأمر بالاجتناب، والتشنيع بأهله، والثناء على تاركيه، ويمكن بيان ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: الأمر بالاجتناب:

إن من الأساليب التي ذكرها القرآن الكريم في التحذير من الزور بكل صوره وأشكاله الأمر بالاجتناب، عما هو أقصى المحرمات قال تعالى: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30] .

فقوله تعالى: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} تعميم بعد تخصيص، فإن عبادة الأوثان رأس الزور لما فيها من ادعاء الاستحقاق، كأنه تعالى لما حث على تعظيم الحرمات أتبع ذلك بما فيه رد لما كانت الكفرة عليه من تحريم البحائر والسوائب ونحوهما، والافتراء على الله تعالى بأنه حكم بذلك، ولم يعطف قول الزور على الرجس، بل أعاد العامل؛ لمزيد الاعتناء، والمراد من الزور: مطلق الكذب، وهو من الزور بمعنى: الانحراف، فإن الكذب منحرف عن الواقع، والإضافة بيانية.

وقيل: هو أمر باجتناب شهادة الزور؛ لما أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه والطبراني وغيرهم عن ابن مسعود: أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح، فلما انصرف قائمًا قال: (عدلت شهادة الزور الإشراك بالله تعالى) ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآية 4344.

والزور: الباطل والكذب. وسمي زورًا؛ لأنه أميل عن الحق، ومنه: {تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ} [الكهف: 17] .

ومدينة زوراء، أي: مائلة، وكل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور، وهذه الآية تضمنت الوعيد على الشهادة بالزور، وينبغي للحاكم إذا عثر على الشاهد بالزور أن يعززه وينادي عليه؛ ليعرف؛ لئلا يغتر بشهادته أحد، ويختلف الحكم في شهادته إذا تاب، فإن كان من أهل العدالة المشهور بها المبرز فيها لم تقبل؛ لأنه لا سبيل إلى علم حاله في التوبة؛ إذ لا يستطيع أن يفعل من القربات أكثر مما هو عليه، وإن كان دون ذلك فشمر في العبادة وزادت حاله في التقى قبلت شهادته.

وفي الصحيح من حديث أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين) ، وكان متكئًا فجلس فقال: (ألا وقول الزور، وشهادة الزور، ألا وقول الزور، وشهادة الزور) فما زال يقولها، حتى قلت: لا يسكت) 45.

وجمع بين الشرك وقول الزور أي: الكذب والبهتان أو شهادة الزور، وهو من الزور، وهو الانحراف؛ لأن الشرك من باب الزور؛ إذ المشرك زاعم أن الوثن يحق له العبادة 46.

قال محمد رشيد رضا: «إنه جعل الأمر بتركهما من مادة الاجتناب وهو أبلغ من الترك؛ لأنه يفيد الأمر بالترك مع البعد عن المتروك بأن يكون التارك في جانب بعيد عن جانب المتروك -كما تقدم-، ولذلك نرى القرآن لم يعبر بالاجتناب إلا عن ترك الشرك والطاغوت الذي يشمل الشرك والأوثان وسائر مصادر الطغيان، وترك الكبائر عامة، وقول الزور الذي هو من أكبرها، قال تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30] .

وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .

كما قال: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا} [الزمر: 17] .

وقال: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم: 32] » 47.

قال الشنقيطي: «وفي هذه الآية الكريمة الأمر باجتناب عبادة الأوثان، ويدخل في حكمها، ومعناها عبادة كل معبود من دون الله كائنًا من كان، وهذا الأمر باجتناب عبادة غير الله المذكور هنا، جاء مبينًا في آيات كقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .

وبين تعالى أن ذلك شرط في صحة إيمانه بالله في قوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] .

وأثنى الله على مجتنبي عبادة الطاغوت المنيبين لله، وبين أن لهم البشرى، وهي ما يسرهم عند ربهم في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى} [الزمر: 17] .

وقد سأل إبراهيم ربه أن يرزقه اجتناب عبادة الطاغوت، في قوله تعالى: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] .

والأصنام تدخل في الطاغوت دخولًا أوليًّا» 48.

وقال في موضع آخر: «وإذا علمت ذلك فاعلم أنه هنا قال: واجتنبوا قول الزور بصيغة عامة، ثم بين في بعض المواضع بعض أفراد قول الزور المنهي عنه كقوله تعالى في الكفار الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} [الفرقان: 4] .

فصرح بأن قولهم هذا من الظلم والزور، وقال في الذين يظاهرون من نسائهم، ويقول الواحد منهم لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة: 2] .

فصرح بأن قولهم ذلك منكر وزور، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي بكرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟) قلنا: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الإشراك بالله وعقوق الوالدين) وكان متكئًا فجلس فقال: (ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور) فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت 49.

وقد جمع تعالى هنا بين قول الزور والإشراك به تعالى في قوله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج: 30، 31] .

وكما أنه جمع بينهما هنا، فقد جمع بينهما أيضًا في غير هذا الموضع كقوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] ؛ لأن قوله: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} هو قول الزور، وقد أتى مقرونًا بقوله: {وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} وذلك يدل على عظمة قول الزور؛ لأن الإشراك بالله قد يدخل في قول الزور، كادعائهم الشركاء، والأولاد لله، وكتكذيبه صلى الله عليه وسلم فكل ذلك الزور فيه أعظم الكفر والإشراك بالله، نعوذ بالله من كل سوء» 50.

وعموم الأمر باجتناب قول الزور وجيهة، حتى ولو صحّ أن الجملة من الوجهة الزمنية ومقام ورودها قد عنت تلك الصيغة، ويوجب على المسلم أن يتجنب الزور وقول الزور وشهادة الزور في كل ظرف ومكان؛ لما في ذلك من عظيم البغي والضرر والشرّ، حتى استحقّ وصف الرسول الأعظم له بأنه من أكبر الكبائر وبأنه يعدل الشرك 51.

والتعبير بقوله تعالى: {وَاجْتَنِبُوا} أبلغ من التعبير بلفظ حرم؛ لأنه يفيد التحريم وزيادة، وهو التنفير والابتعاد عنه بالكلية 52.

كما تفيد الآية وجوب التباعد عن قول الزور كما يجب أن يتباعد عن الشرك 53.

ثانيًا: التشنيع بأهله:

شنع الله تعالى على القائل بالزور بأن رفع الذكر بالقبيح الذي قالوه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} [الفرقان: 4] .

أي: إن الله تعالى شنع على هؤلاء العصاة الذين لم يستجيبوا لدعوة النبي إلى الإسلام، وإنما افتروا على الله الكذب بوصف المعجزات بأنها سحر، ثم ذكر غرضهم من الافتراء، وهو محاولة إبطال دين الله وإطفاء نوره وشرعه، والحال أن الله متم نوره، ومظهر دينه على الأديان كلها 54.

كما شنع سبحانه على المظاهرين من نسائهم: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة: 2] .

فقد وصف الله تعالى قولهم: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} ،أي: وإن هؤلاء المظاهرين ليقولون بهذا قولًا منكرًا، أي: فظيعًا ينكره الشرع ويقبحه ولا يجيزه، كما لا يقره عقل، {وَزُورًا} ، أي: كذبًا، وإن الله كثير العفو والمغفرة؛ إذ جعل الكفارة عليهم مخلصة لهم عن هذا المنكر، كما أن الله غفور لمن أذنب وتاب، وغفور من غير توبة لمن يشاء، كما قال: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] .

يتبين منه أن الله وصف الظهار بأنه منكر وزور؛ لتشبيه الزوجة بالأم، فهو خبر زور كذب، وإنشاء منكر ينكره الشرع ولا يعرفه، وهو يدل على أن الظهار محرم، وهو أيضًا عند الشافعية معصية كبيرة؛ لأن فيه الإقدام على إحالة حكم الله تعالى وتبديله بدون إذنه سبحانه، ولأن المقدم على ذلك كاذب معاند للشرع 55.

ثالثًا: الثناء على تاركيه:

أثنى الله سبحانه وتعالى على الذين لا يشهدون الزور.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72] .

ثم بين ثوابهم فقال عز وجل: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا} [الفرقان: 75] .

يعني: غرف الجنة كقوله: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ} [الزمر: 20] .

{بِمَا صَبَرُوا} يعني: صبروا على أمر الله تعالى في الدنيا، وعلى الطاعة {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا} يعني: في الجنة {تَحِيَّةً} يعني: التسليم {وَسَلَامًا} يعني: سلام 56.

«والزور: هو الكذب والباطل، ولا يشاهدونه وإلى الثاني ذهب جمهور المفسرين، قال الزجاج: الزور في اللغة الكذب، ولا كذب فوق الشرك بالله، قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن الزور هاهنا: بمعنى الشرك، والحاصل أن {يَشْهَدُونَ} إن كان من الشهادة، ففي الكلام مضاف محذوف، أي: {لَا يَشْهَدُونَ} شهادة الزور وإن كان من الشهود والحضور، كما ذهب إليه الجمهور فقد اختلفوا في معناه، فقال قتادة: لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم، وقال محمد بن الحنفية: لا يحضرون اللهو والغناء، وقال ابن جريج: الكذب. وروي عن مجاهد أيضًا، والأولى عدم التخصيص بنوع من أنواع الزور، بل المراد الذين لا يحضرون ما يصدق عليه اسم الزور كائنًا ما كان، {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} أي: معرضين عنه غير ملتفتين إليه، واللغو: كل ساقط من قول أو فعل، قال الحسن: اللغو: المعاصي كلها، وقيل: المراد مروا بذوي اللغو، يقال: فلان يكرم عما يشينه، أي: يتنزه ويكرم نفسه عن الدخول في اللغو والاختلاط بأهله، {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} أي: بالقرآن، أو بما فيه موعظة وعبرة {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} أي: لم يقعوا عليها حال كونهم صما وعميانا، ولكنهم أكبّوا عليها سامعين مبصرين، وانتفعوا بها، قال ابن قتيبة: المعنى لم يتغافلوا عنها، كأنهم صم لم يسمعوها، وعمي لم يبصروها» 57.

كما جاء في الحديث الذي رواه جابر رضي الله عنه: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر) 58.

لا يحضرون من المشاهدة، والزور: الشرك والصنم أو الكذب أو آلة الغناء أو أعياد النصارى 59.

قال سيد قطب: «وبعد هذا البيان المعترض يعود إلى سمات عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} .. وعدم شهادة الزور قد تكون على ظاهر اللفظ ومعناه القريب، أنهم لا يؤدون شهادة زور، لما في ذلك من تضييع الحقوق، والإعانة على الظلم. وقد يكون معناها الفرار من مجرد الوجود في مجلس أو مجال يقع فيه الزور بكل صنوفه وألوانه؛ ترفعًا منهم عن شهود مثل هذه المجالس والمجالات. وهو أبلغ وأوقع. وهم كذلك يصونون أنفسهم واهتماماتهم عن اللغو والهذر: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} لا يشغلون أنفسهم به، ولا يلوثونها بسماعه إنما يكرمونها عن ملابسته ورؤيته بله المشاركة فيه! فللمؤمن ما يشغله عن اللغو والهذر، وليس لديه من الفراغ والبطالة ما يدفعه إلى الشغل باللغو الفارغ، وهو من عقيدته ومن دعوته ومن تكاليفها في نفسه وفي الحياة كلها في شغل شاغل» 60.

هناك أحكام متعلقة بشهادة الزور تدل على مدى اهتمام الشريعة الإسلامية بهذه الشهادة، وهذه الأحكام يمكن ذكرها باختصار كما يأتي:

أولًا: حكم شهادة الزور:

لا خلاف بين الفقهاء بأن شهادة الزور من أكبر الكبائر، وأنها محرمة شرعًا، وقد نهى الله تعالى عنها في كتابه مع نهيه عن الأوثان، فقال تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30] 61.

ونهى عنها رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟) قلنا: بلى يا رسول الله، قال ثلاثا: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين) -وكان متكئًا- فقال: (ألا وقول الزور، وشهادة الزور، ألا وقول الزور، وشهادة الزور) فما زال يقولها حتى قلنا: ليته سكت 62.

وبما رواه خريم بن فاتك الأسدي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح فلما انصرف قام قائمًا، فقال: (عدلت شهادة الزور الإشراك بالله) ، ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآية: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30] ) 63.

وشهادة الزور جريمة خلقية شائنة تتنافى مع النظام العمراني، وتفضي إلى الفوضى في كل نواحي الحياة، فهي شر مستطير، يجب على الناس أن ينزهوا أنفسهم عنها تنزيهًا تامًا 64.

كما أن شهادة الزور شهادة باطلة لا يجوز الحكم بها؛ لأن الغاية من التزوير إبطال الحق وتفويته على صاحبه والقضاء بالحق لغير صاحبه، وذلك كله من الباطل والمحرم في الشريعة 65.

ثانيًا: ثبوت شهادة الزور:

تثبت شهادة الزور بأحد ثلاثة أوجه:

أحدها: الإقرار، وذلك بأن يقر الشاهد أنه شاهد زور: فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن شهادة الزور لا تثبت إلا بالإقرار؛ لأنه لا تتمكن تهمة الكذب في إقراره على نفسه، ولا تثبت عندهم بالبينة؛ لأنها نفي لشهادته، والبينة حجة للإثبات دون النفي، وقد تعارضت البينتان، فلا يعزر في تعارض البينتين، أو ظهور فسقه أو غلطه في الشهادة؛ لأن الفسق لا يمنع الصدق، والتعارض لا يعلم به كذب إحدى البينتين بعينها، والغلط قد يعرض للصادق العدل ولا يتعمده فيعفى عنه 66.

وقد قال الله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 3] .

الثاني: تثبت من جهة الواقع، وذلك بأن يشهد بما يقطع بكذبه: كأن يشهد على رجل بفعل في الشام في وقت، ويعلم أن المشهود عليه في ذلك الوقت في الحجاز، أو يشهد بقتل رجل وهو حي، أو أن هذه البهيمة في يد هذا منذ ثلاثة أعوام، وسنها أقل من ذلك، أو يشهد على رجل أنه فعل شيئًا في وقت وقد مات قبل ذلك، أو لم يولد إلا بعده، وأشباه هذا، مما يتيقن بكذبه ويعلم تعمده لذلك، وإذا ثبت ذلك بالبينة فعليه العقوبة، سواء أكان ذلك قبل الحكم أم بعده.

الثالث: أن تقوم عليه البينة أنه شاهد زور، ذهب إلى ذلك الإمام ابن فرحون من المالكية والشيرازي من الشافعية 67.

ثالثًا: عقوبة شاهد الزور:

اتفق الفقهاء على أن عقوبة شاهد الزور عقوبة تعزيرية، فمتى ثبت عند القاضي عن رجل أنه شهد بزور عمدًا عزره باتفاق الفقهاء؛ لأن الشريعة لم تقدر عقوبة محددة لشاهد الزور 68، لكن اختلف الفقهاء في تفصيلات هذه العقوبة التعزيرية على أقوال:

القول الأول: قال الشافعية والحنابلة وبعض المالكية: «تأديب شاهد الزور مفوض إلى رأي الحاكم، إن رأى تعزيره بالجلد جلده، وإن رأى أن يحبسه، أو كشف رأسه وإهانته وتوبيخه فعل ذلك ولا يزيد في جلده على عشر جلدات» ، وقال الشافعي: «لا يبلغ بالتعزير أربعين سوطًا» 69.

القول الثاني: قال الإمام أبو يوسف، ومحمد بن الحسن وبعض المالكية: «إذا ثبت عند القاضي أو الحاكم عن رجل أنه شهد بالزور، عوقب بالسجن والضرب، ويطاف به في المجالس؛ لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه ضرب شاهد زور أربعين سوطًا وسخم وجهه، والتسخيم هو: التسويد، وسخم وجهه: سوده وطلاه بالسخام، وهو سواد القدر والفحم، ويكون ذلك في التعزير عقوبة شاهد الزور» 70.

ولما روي عن عمر رضي الله عنه أيضًا أنه كتب إلى عماله بالشام: «إذا أخذتم شاهد الزور فاجلدوه بضرب أربعين سوطًا وسخموا وجهه وطوفوا به حتى يعرفه الناس ويحلق رأسه ويطال حبسه؛ لأنه أتى كبيرة من الكبائر، يتعدى ضررها إلى العباد بإتلاف أنفسهم وأعراضهم وأموالهم» 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت