فهرس الكتاب

الصفحة 1297 من 2431

فكونهم أشد الناس عداوة للمسلمين لم يمنع ذلك من إنصافهم، والإشادة بمن أحسن منهم.

وقوم موسى هم أتباع دينه من قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن بقي متمسكًا بدين موسى عليه السلام بعد بلوغ دعوة الإسلام إليه فليس من قوم موسى، ولكن يقال: هو من بني إسرائيل أو من اليهود؛ لأن الإضافة في قوم موسى تؤذن بأنهم متبعو دينه الذي من جملة أصوله ترقب مجيء الرسول الأمي صلى الله عليه وسلم 112.

والآية تبين أنهم جماعة؛ لأن لفظ (الأمة) يدل على الكثرة، وهم في الواقع قليل.

قال في اللباب: فإن قيل: إنهم كانوا قليلين في العدد، ولفظ (الأمة) ينبئ عن الكثرة، فالجواب: إنهم لما أخلصوا في الدين جاز إطلاق لفظ (الأمة) عليهم؛ كقوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) [النحل:120] 113.

فمدحهم الله بقوله: (يَهْدُونَ بِالْحَقِّ) أي: يهدون الناس من بني إسرائيل، أو من غيرهم، ببث فضائل الدين الإلهي، وهو الذي سماه الله بالحق، و (وَبِهِ يَعْدِلُونَ) أي: يحكمون حكمًا لا جور فيه ... ، والمعنى: أنهم يحكمون بالعدل على بصيرة وعلم، وليس بمجرد مصادفة الحق عن جهل، فإن القاضي الجاهل إذا قضى بغير علم كان أحد القاضيين اللذين في النار، ولو صادف الحق؛ لأنه بجهله قد استخف بحقوق الناس، ولا تنفعه مصادفة الحق؛ لأن تلك المصادفة لا عمل له فيها 114.

والحاصل: أن الله أخبر عن صفة لقوم موسى الذين رغبهم الله تعالى باتباع ملة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي أن بعضهم أمة مؤمنة يهدون بالحق، وبه يعدلون، وهذا فيه إنصاف لهم، وشهادة صريحة من الله تعالى، تبين أن من قوم موسى جماعة تهدي بالحق، وتؤمن بالإيمان الحق، وترشد الناس إلى الإيمان الصحيح والخير، وتدل على منهج الاستقامة، وتحكم بمقتضى العدل الإلهي الواجب اتباعه في القضاء، دون جور أو ظلم، هؤلاء الجماعة اهتدوا واتقوا وعدلوا، فأشاد القرآن بهم، وهذا من إنصاف القرآن وعدله.

2.ثناؤه على طائفة من أهل الكتاب.

قال تعالى (لَيْسُوا سَوَاءً ? مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ(113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَ?ئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) [آل عمران:113 - 115] .

فقوله: (لَيْسُوا سَوَاءً) هذا أيضًا من إنصاف القرآن، فهو لا يعمم حكمه إلا حيث يكون التعميم هو الحق الذي لا شك فيه، وإن كان في قوم من هم جديرون بالثناء ذكرهم ... ، ففي هذه الآية يذكر بالخير العظيم طائفة من هؤلاء، فيقول الحكم العدل تعالت كلماته: (لَيْسُوا سَوَاءً) أي: ليسوا متساوين في هذه الأعمال، وتلك الأخلاق، أو ليسوا متساوين مطلقًا، فليسوا جميعًا أشرارًا، وإن الله سبحانه وتعالى لم يخلق طائفة كبيرة من الناس اجتمعت على الشر اجتماعًا مطلقًا، بحيث يرتضيه الجميع ويقصدونه ويريدونه ويبتغونه، عامدين مريدين معتدين، بل إن منهم الضال، ومنهم المضل، ومنهم الناطق بالحق الذي لا يجد داعيًا، أو يحمل على السكوت في وسط نكران الضالين ... ، وبعد أن ذكر سبحانه أنهم ليسوا سواء، وقد ذكر أحوال أشرارهم أخذ يبين أحوال أخيارهم، فقال: (مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) أي: من أهل الكتاب الذين ذكرنا أوصاف الكثرة منهم، طائفة قائمة ... ، وفسر الزمخشري كلمة (قَائِمَةٌ) بمعنى مستقيمة عادلة، من قولك: أقمت العود فقام، بمعنى استقام 115، وقد ذكر سبحانه وتعالى في هذا الجزء من الآية الكريمة وصفين اثنين:

الأول: أنهم يتلون آيات الله.

والثاني: أنهم يسجدون.

ومعنى يسجدون، أي: يخضعون ويتطامنون للحق، ولا يجحدون، ويتجهون إلى ربهم، يرجون رضاه، ولا يستكبرون عن نداء الحق إذا دعوا، فكنى بالسجود عن الخضوع المطلق الذي يعد السجود مظهره.

ويصح أن يراد به السجود الذي يقع في صلاة المسلمين.

وقد ذكر ذلك الوصف مصدرًا بـ (هم) إذ يقول: وهم يسجدون، فلم يقل: ويسجدون؛ للإشارة إلى أن الخضوع والإذعان للحق شأن من شئونهم، وليس حالًا تعرض لهم؛ إذ إن ذكر الضمير فيه تقوية الإسناد، وتوثيق لدوامه واستمراره 116.

وفي الآية قولان ذكرهما ابن كثير، حيث قال:

عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً ? مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) قال: لا يستوي أهل الكتاب، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

والمشهور عند كثير من المفسرين كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وأسد بن عبيد وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية وغيرهم، أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب، وهؤلاء الذين أسلموا؛ ولهذا قال تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً) أي: ليسوا كلهم على حد سواء، بل منهم المؤمن، ومنهم المجرم؛ ولهذا قال تعالى: (مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشرعه، متبعة نبي الله، فهي قائمة، يعني: مستقيمة 117.

وقد ذكر ابن جرير أن قوله: (مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) إلى آخر الآيات الثلاث: أنها نزلت في جماعة من اليهود أسلموا فحسن إسلامهم 118. ولا يمنع أن تشمل أيضًا النصارى.

فقد قال ابن عاشور: وعدل عن أن يقال: «منهم أمة قائمة» إلى قوله: (مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) ليكون هذا الثناء شاملًا لصالحي اليهود وصالحي النصارى، فلا يختص بصالحي اليهود، فإن صالحي اليهود قبل بعثة عيسى كانوا متمسكين بدينهم، مستقيمين عليه، ومنهم الذين آمنوا بعيسى واتبعوه، وكذلك صالحو النصارى قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانوا مستقيمين على شريعة عيسى، وكثير منهم أهل تهجد في الأديرة والصوامع، وقد صاروا مسلمين بعد البعثة المحمدية 119.

3.ذكر أن عند بعضهم أمانة.

قال سبحانه: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) [آل عمران:75] .

قال أبو جعفر الطبري: هذا خبر من الله عز وجل أن من أهل الكتاب، وهم اليهود من بني إسرائيل، أهل أمانة، يؤدونها، ولا يخونونها، ومنهم الخائن أمانته، الفاجر في يمينه 120.

فهذا مطلق الإنصاف الإلهي، فإذا كان الحق قد كشف للرسول بعضًا من مكر أهل الكتاب، فذلك لا يعني أن هناك حملة على أهل الكتاب، وكأنهم كلهم أهل سوء، لا، بل منهم من يتميز بالأمانة، وهذا القول إنما يؤكد إنصاف الإله المنصف العدل 121.

والمقصود: أن هذا من إنصاف القرآن، وعدله في الحكم عليهم، فلم يخف بعض صفاتهم الحسنة، بل أشاد بها، وذكرها بكلام يتلى إلى قيام الساعة.

ثانيًا: إنصاف بعض النصارى:

ومن النماذج القرآنية في الإنصاف، إنصافه لبعض النصارى، فقد أثنى عليهم بقوله: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ? وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى? ? ذَ?لِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ?82?وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى? أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ? يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ?83?وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ?84?فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ? وَذَ?لِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ?85?) [المائدة:82 - 85] .

أي: هم ألين عريكة، وأقرب ودًا، ولم يصفهم بالود إنما جعلهم أقرب من اليهود والمشركين ... ، واليهود ليسوا على شيء من أخلاق النصارى، بل شأنهم الخبث واللي بالألسنة، وفي خلال إحسانك إلى اليهودي يترقب ما يغتالك به، ألا ترى إلى ما حكى تعالى عنهم ذلك بأنهم قالوا: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) [آل عمران:75] .

وفي قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) إشارة إلى أنهم ليسوا متمسكين بحقيقة النصرانية، بل ذلك قول منهم وزعم، ووصف العداوة بالأشد، والمودة بالأقرب دليل على تفاوت الجنسين بالنسبة إلى المؤمنين، فتلك العداوة أشد العداوات وأظهرها، وتلك المودة أقرب وأسهل.

فظاهر الآية يدل على أن النصارى أصلح حالًا من اليهود، وأقرب إلى المؤمنين مودة، وعلى هذا الظاهر فسرت هذه الآية 122.

فالظاهر أن النصارى على الجملة أصلح حالًا من اليهود، وقد ذكر المفسرون ما فضل به النصارى على اليهود من كرم الأخلاق، والدخول في الإسلام سريعًا، وليس الكلام واردًا بسبب العقائد، وإلا فكلهم كفار، وإنما ورد بسبب الانفعال للمسلمين ...

وصدر الآية يقتضي العموم؛ لأنه قال: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) .

ثم أخبر أن من هذه الطائفة علماء وزهاد ومتواضعين، وسريعي استجابة للإسلام، وكثيري بكاء عند سماع القرآن، واليهود بخلاف ذلك، والوجود يصدق قرب النصارى من المسلمين وبعد اليهود.

وذكر العلة في ذلك فقال: (ذَ?لِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) .

والإشارة بذلك إلى أقرب المودة عليه، أي: منهم علماء وعباد، وأنهم قوم فيهم تواضع واستكانة، وليسوا مستكبرين، واليهود على خلاف ذلك، لم يكن فيهم قط أهل ديارات ولا صوامع وانقطاع عن الدنيا، بل هم معظمون متطاولون لتحصيلها، حتى كأنهم لا يؤمنون بآخرة؛ ولذلك لا يرى فيهم زاهد 123.

والآيات التي جاءت في إنصاف أهل الكتاب -غير ما سبق- كثيرة، منها: قوله تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَ?ئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ? وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ?121?) [البقرة:121] قال ابن الجوزي: قوله تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على قولين:

أحدهما: أنها نزلت في الذين آمنوا من اليهود، قاله ابن عباس.

والثاني: في المؤمنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قاله عكرمة وقتادة 124.

ومن الآيات: قوله تعالى: (وَكَذَ?لِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ? فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ? وَمِنْ هَ?ؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ? وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ) [العنكبوت:47] قال ابن جرير في قوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) من قبلك من بني إسرائيل (يُؤْمِنُونَ بِهِ ? وَمِنْ هَ?ؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ) يقول: ومن هؤلاء الذين هم بين ظهرانيك اليوم من يؤمن به كعبد الله بن سلام، ومن آمن برسوله من بني إسرائيل 125.

وقوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ(52) وَإِذَا يُتْلَى? عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَ?ئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [القصص:52 - 54] .

قال ابن أبي حاتم: قوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ) قال: يعني: من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب 126.

ثالثًا: إنصاف ذي القرنين:

ومن النماذج القرآنية في الإنصاف إنصاف ذي القرنين، كما حكى الله تعالى عنه بقوله:. (حَتَّى? إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ? قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا(86) قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى? رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى? ? وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) [الكهف:86 - 88] .

يحكي الله عن ذي القرنين أنه لما وصل إلى هؤلاء القوم، ووجدهم كفارًا، خير في أمرهم (إِمَّا أَن تُعَذِّبَ) أي: تهلكهم، وتستأصلهم بكفرهم، بحيث لا يبقى منهم أحد (وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ) وتصنع (فِيهِمْ حُسْنًا) شرعًا ودينًا، كما في سائر المؤمنين.

ثم لما خير ذو القرنين في أمرهم، وفوض أمرهم إليه، قال على مقتضى العدل والإنصاف، الذي قد جبله الحق عليه: أدعوهم أولًا إلى الإيمان، وألقي عليهم كلمة التوحيد، ثم بعد ذلك (مَن ظَلَمَ) وتولى وأبى وأصر على ما عليه من الكفر والهوى (فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) أو نقتله حدًا بعد عرض الإسلام ... ، (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى) المثوبة العظمى، والدرجة العليا، والمقام الأسنى (وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) قولًا سهلًا معتدلًا بين إفراط القتل، والاستئصال، وتفريط الإبقاء على الكفر والضلال مداهنة. وهذا غاية في العدل والإنصاف.

وهكذا أقام ذو القرنين العدل، بتعذيب الظالم، وتكريم المؤمن، صاحب العمل الصالح.

وفي الآية دلالة على أن من قدر على أعدائه وتمكن منهم فلا ينبغي له أن تسكره لذة السلطة بسوقهم بعصا الإذلال، وتجريعهم غصص الاستعباد والنكال، بل يعامل المحسن بإحسانه، والمسيء بقدر إساءته، فإن ما حكي عن الإسكندر ها هنا من قوله: (قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ) ... إلى آخره، نهاية في العدل، وغاية الإنصاف 127.

وبين الله تعالى اتصاف ذي القرنين بصفتي العدل والإنصاف ليحتذى حذوه، ويقتدى به في ذلك.

والمقصود: أن هذا هو قانون العدل والإنصاف، وهو أن يجازي المسيء على إساءته، والمحسن بإحسانه، هذا ما استقر عليه أمره واعتزمه؛ ولذا قال معتزمًا تنفيذه: (أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى? رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا) ... ، هذا هو جزاء المسيء في قانون العدل الذي سنه ذو القرنين لنفسه، لا يفلت المسيء، وكذلك لا ينقص المحسن من جزاء حسن 128.

إنها سياسة العدل التي تورث التمكين في الحكم والسلطة، وفي قلوب الناس الحب والتكريم للمستقيمين، وإدخال الرعب في قلوب أهل الفساد والظلم، فالمؤمن المستقيم يجد الكرامة والود والقرب من الحاكم، ويكون بطانته وموضع عطفه وثقته، ورعاية مصالحه، وتيسير أموره، أما المعتدي المتجاوز للحد، المنحرف الذي يريد الفساد في الأرض، فسيجد العذاب الرادع من الحاكم في الحياة الدنيا، ثم يرد إلى ربه يوم القيامة ليلقى العقوبة الأنكى بما اقترفت يداه في حياته الأولى.

ولم يعين السياق القوم الذين اتخذ فيهم ذو القرنين هذه السياسة الحكيمة، كما أهمل ذكر المدة التي مكثها بينهم، والنتائج التي توصل إليها، وكأن الأمر المفروغ منه أن تثمر هذه السيرة العادلة، والمبادئ السامية حضارة ربانية، وتقدمًا، وسعادة وطمأنينة؛ لذا لا داعي لذكرها، والوقوف عندها 129.

رابعًا: إنصاف موسى عليه السلام لصاحبه الخضر:

ومن النماذج القرآنية في الإنصاف إنصاف موسى لصاحبه الخضر، حيث قال له عندما اشترط عليه في مصاحبته له: ألا يسأله عن شيء حتى يخبره هو به: (قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ? قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ?76?) [الكهف:76] .

فقوله: (فَلَا تُصَاحِبْنِي) أي قال منصفًا له: لك الحق بعد ذلك في ترك مصاحبتي، فإن فارقتني لا لوم عليك ألبتة؛ لوضوح العذر منك إلي.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أنك قد أعذرت فيما بيني وبينك، وقد أخبرتني: أني لا أستطيع معك صبرًا، وهذا إقرار من موسى بأن الخضر قد قدم إليه ما يوجب العذر عنده، فلا يلزمه ما أنكره 130.

فلما عاد موسى لنفسه وجد أنه خالف وعده مرتين، فاندفع وقطع على نفسه الطريق، وجعلها آخر فرصةٍ أمامه (قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي) أي: إن أنكرت عليك بعد هذه المرة، واعترضت على ما يصدر منك فلا تصحبني معك (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا) أي: قد أعذرت إلي في ترك مصاحبتي، فأنت معذورٌ عندي لمخالفتي لك ثلاث مرات، وهذا من إنصافه عليه السلام على نفسه، مع أن ذلك حرمه كثيرًا من العجائب التي كان سيراها في رحلته العجيبة تلك مع الخضر.

قال النيسابوري: ونهاه عن المصاحبة حينئذٍ، مع حرصه على التعلم لظهور عذره، كما قال: (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا) وهذا كلام نادم شديد الندامة، جره المقال، واضطره الحال إلى الاعتراف، وسلوك سبيل الإنصاف 131.

وقال ابن عاشور: وأنصف موسى؛ إذ جعل لصاحبه العذر في ترك مصاحبته في الثالثة؛ تجنبًا لإحراجه 132.

خامسًا: الإنصاف في القصاص:

أمر الله تعالى برعاية العدل والإنصاف في استيفاء الحقوق والحدود، وجعل القصاص بالمثل، قال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى? عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى? عَلَيْكُمْ) [البقرة:194] .

وقال: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) [النحل:126] .

قال الرازي: اعلم أنه تعالى أمر برعاية العدل والإنصاف في هذه الآية، ورتب ذلك على أربع مراتب:

المرتبة الأولى: قوله: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) يعني: إن رغبتم في استيفاء القصاص فاقنعوا بالمثل، ولا تزيدوا عليه، فإن استيفاء الزيادة ظلم، والظلم ممنوع منه في عدل الله ورحمته.

والمرتبة الثانية: الانتقال من التعريض إلى التصريح، وهو قوله: (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) [النحل:126] .

وهذا تصريح بأن الأولى ترك ذلك الانتقام؛ لأن الرحمة أفضل من القسوة، والإنفاع أفضل من الإيلام.

المرتبة الثالثة: وهو ورود الأمر بالجزم بالترك، وهو قوله: (وَاصْبِ) [النحل: 127] ؛ لأنه في المرتبة الثانية ذكر أن الترك خير وأولى، وفي هذه المرتبة الثالثة صرح بالأمر بالصبر؛ ولما كان الصبر في هذا المقام شاقًا شديدًا ذكر بعده ما يفيد سهولته، فقال: (وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) [النحل:127] أي: بتوفيقه ومعونته، وهذا هو السبب الكلي الأصلي المفيد في حصول الصبر، وفي حصول جميع أنواع الطاعات 133.

فالله تعالى أمر المحقين برعاية العدل في العقاب، وترك الزيادة فيه، فقال: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ? وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) أي: وإن عاقبتم أيها المؤمنون من ظلمكم فلكم في العقاب إحدى طريقين:

والصبر خير للصابرين من الانتقام؛ لأن الله ينتقم من الظالم بأشد مما كان ينتقم منه لنفسه، فإن الزيادة ظلم، والظلم لا يحبه الله، ولا يرضى به، وإن تجاوزتم عن العقوبة، وصفحتم فذلك خير وأبقى، والله هو الذي يتولى عقاب الظالم، ويأخذ بناصر المظلوم.

وهذا كقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) [الشورى:40] أمر الله برعاية العدل والإنصاف في باب استيفاء الحقوق، يعني: إن رغبتم في استيفاء القصاص فاقتصوا بالمثل، ولا تزيدوا عليه، فإن الزيادة ظلم 134.

أولًا: ثمار الإنصاف على الفرد:

1.الإنصاف موصل للتقوى:

من ثمار وفوائد الإنصاف والعدل تحقيق التقوى التي هي مطلب كل مسلم، ومرغوب كل مؤمن، والتي أعد الله تعالى لأصحابها جنة عرضها السماوات والأرض.

قال تعالى: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى?) [المائدة:8] .

والعدل هنا مطلق، يتناول معنى الإنصاف، وعدم الإجحاف، وعدم تجاوز الحق، قولًا وفعلًا، في كل موقف ومناسبة.

قال ابن جرير: وأما قوله: (هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) فإنه يعني بقوله: (هُوَ) العدل عليهم، أقرب لكم أيها المؤمنون إلى التقوى، يعني: إلى أن تكونوا عند الله باستعمالكم إياه من أهل التقوى، وهم أهل الخوف والحذر من الله أن يخالفوه في شيء من أمره، أو يأتوا شيئًا من معاصيه، وإنما وصف جل ثناؤه العدل بما وصف به من أنه أقرب للتقوى من الجور؛ لأن من كان عادلًا كان لله بعدله مطيعًا، ومن كان لله مطيعًا كان لا شك من أهل التقوى، ومن كان جائرًا كان لله عاصيًا، ومن كان لله عاصيًا كان بعيدًا من تقواه، وإنما كنى بقوله: (هُوَ أَقْرَبُ) عن الفعل، والعرب تكني عن الأفعال إذا كنت عنها بـ (هو وبذلك) كما قال جل ثناؤه: (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة:271] .

(ذَ?لِكُمْ أَزْكَى? لَكُمْ) [البقرة:232] 135.

وفي الآية ثلاثة مؤكدات على العدل والإنصاف:

وفيه تنبيه على أن وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله إذا كان بهذه الصفة من القوة، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه 136.

قال البيضاوي: صرح لهم بالأمر بالعدل، وبين أنه بمكان من التقوى بعد ما نهاهم عن الجور، وبين أنه مقتضى الهوى 137.

والمقصود: أن من ثمار العدل والإنصاف في الفرد أنه يدخله مداخل التقوى، ويقيمه مقام المتقين.

قال السعدي: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة:8] أي: كلما حرصتم على العدل، واجتهدتم في العمل به، كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم، فإن تم العدل كملت التقوى 138.

2.الإنصاف سبب في محبة الله للعبد:

ومن ثمار الإنصاف والعدل نيل محبة الله تعالى، التي هي أعظم العطايا، وأحب المطالب للمسلم، قال تعالى: {وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات:9] والقسط من معاني الإنصاف.

قال الرازي: والقسط العدل والنصفة 139.

والمعنى: أي: واعدلوا، إن الله يحب العادلين، ومحبته لهم تستلزم مجازاتهم بأحسن الجزاء 140.

وفي الآية إظهار المحبة للمقسطين على شرف منزلتهم، وفضيلة أفعالهم.

وأي منزلة أعلى في الوجود من هذه المحبة التي تتضمن الرضا، ورضوان الله أكبر من كل شيء.

قال السعدي: فإن محبة الله للعبد هي أجل نعمة أنعم بها عليه، وأفضل فضيلة، تفضل الله بها عليه، وإذا أحب الله عبدًا يسر له الأسباب، وهون عليه كل عسير، ووفقه لفعل الخيرات، وترك المنكرات، وأقبل بقلوب عباده إليه بالمحبة والوداد 141.

وقال ابن عطية: ومحبة الله للعبد أمارتها للمتأمل أن يرى العبد مهديًا مسددًا، ذا قبول في الأرض، فلطف الله بالعبد ورحمته إياه هي ثمرة محبته، وبهذا النظر يتفسر لفظ المحبة حيث وقعت من كتاب الله عز وجل 142.

فالعبد إذا بلغ في الطاعة إلى حيث يفعل كل ما أمره الله، وكل ما فيه رضاه، وترك كل ما نهى الله، وزجر عنه، فكيف يبعد أن يفعل الرب الرحيم الكريم مرة واحدة ما يريده العبد، بل هو أولى؛ لأن العبد مع لؤمه وعجزه لما فعل كل ما يريده الله، ويأمره به فلأن يفعل الرب الرحيم مرة واحدة ما أراده العبد كان أولى؛ ولهذا قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة:40] 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت