فهرس الكتاب

الصفحة 2326 من 2431

الوهن

أولًا: المعنى اللغوي

قال ابن فارس: «الواو والهاء والنون كلمتان تدل إحداهما على ضعف، والأخرى على زمان» 1. فالضعف نحو: وهن الشيء يهن وهنا: ضعف، والزمان الوهن والموهن: ساعة تمضي من الليل، وأوهن الرجل: صار أو سار في تلك الساعة.

ويطلق الوهن على ثلاثة معانٍ، هي: الضعف، وساعة من الليل، والفتور 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي

قال الخليل: «الوهن: الضعف في العمل، وفي الأشياء، وكذلك في العظم ونحوه» 3.

وقال الراغب الأصفهاني: «الوهن: ضعف من حيث الخلق، أو الخلق» 4.

وقال الفيومي: «وهن: ضعف، فهو واهن في الأمر والعمل والبدن» 5.

وقيل: «ضعف تماسك البدن أو الشيء من اشتماله على رخاوة، ولذهاب الصلابة منه» 6.

وقيل: «انكسار حد الشيء، بعد قوة متحققة أو ممكنة، مما يؤدي إلى عجزه» 7.

وردت مادة (وهن) في القرآن الكريم (8) مرات 8.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} [مريم:4]

الفعل المضارع ... 3 ... {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} [آل عمران:139]

المصدر ... 2 ... {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} [لقمان:14]

اسم فاعل ... 1 ... {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18) } [الأنفال:18]

اسم تفضيل ... 1 ... {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) } [العنكبوت:41]

وجاء الوهن في القرآن على معناه اللغوي وهو: الضعف 9.

الضعف

الضعف لغةً

قال الجوهري: «الضعف خلاف القوة» 10.

الضعف اصطلاحًا

قال الراغب: «والضعف قد يكون في النفس، وفي البدن، وفي الحال» 11.

الصلة بين الوهن والضعف

قال أبو هلال العسكري: «الوهن هو أن يفعل الإنسان فعل الضعيف وهو قوي في نفسه، فهو من فعل الإنسان. أما الضعف فهو من فعل الله تعالى بالإنسان، كما أن القوة من فعله، تقول: خلقه الله ضعيفًا أو خلقه قويًا» 12.

وفرق بعضهم بينهما، فبين أن بينهما عمومًا وخصوصًا وجهيًا، فيجتمعان في الضعف إذا كان طارئًا، وينفرد الضعف في إطلاقه على الضعف الأصلي، وينفرد الوهن في صفات أخرى؛ إذ قد يكون الوهن جبنًا بعد شجاعة، أو فتورًا بعد عزيمة، أو توانيًا بعد همة، أو اختلالًا بعد إحكام إلخ 13.

القوة

القوة لغة

«القوة تدل على الشدة، وهي خلاف الضعف» 14.

القوة اصطلاحًا

تستعمل تارة في معنى القدرة، وتارة للتهيؤ الموجود في الشيء، قد يكون في البدن أو في القلب أو المعاون أو القدرة الإلهية 15. وأطلقت القوة في القرآن الكريم على خمسة معانٍ: الشدة والبطش، والأنصار والأعوان، والجد والاجتهاد، والسلاح، والقدرة والطاقة 16.

الصلة بين الوهن والقوة

الوهن: هو ضعف بعد قوة، فالعلاقة بينه وبين القوة علاقة تضاد.

وقيل: إن لفظ (القوة) هو المقابل التام للفظ (الوهن) ، فالقوة: شدة، وجد، وشجاعة، وإحكام، واستطاعة. والوهن: ضعف، وفتور، وجبن، وخلل، وعجز 17.

الكسل

الكسل لغة

«الكسل أصلٌ يدل على التثاقل عن الشيء والقعود عن إتمامه» 18.

الكسل اصطلاحًا

«الفتور في الأفعال لسآمة أو كراهية» 19.

الصلة بين الوهن والكسل

الكسل هو فتور مع إمكان العزم والجد، وهو بهذا المعنى أخص من الوهن.

السنة

العزم لغة

«عزم على الشيء: عقد ضميره على فعله، وعزم عزيمة: اجتهد وجد في أمره» 20.

العزم اصطلاحًا

«العزم: عقد القلب على إمضاء الأمر» 21.

الصلة بين الوهن والعزم

العزم يقابل الفتور، والفتور هو أحد معاني الوهن، ومن ثم فالعلاقة بين الوهن والعزم التضاد في المعنى.

يصنف (الوهن) في القرآن الكريم من حيث الشيء الواهن إلى ثلاثة أنواع: وهن الجسم، ووهن القلب، ووهن العمل. وفيما يأتي توضيح لها.

أولًا: وهن الجسم وأسبابه

ورد لفظ (وهن) للدلالة على وهن الجسم، مرتين في القرآن الكريم: الأولى للدلالة على وهن العظم.

والأخرى للدلالة على وهن الحامل. وأما معنى الوهن وهو الدلالة على الضعف، فقد ورد في آيات عديدة كما في المرض أو مرحلة الشيخوخة.

تبين آيات الكتاب الكريم أن الجسم يصيبه الوهن إما بسبب الكبر، وإما بسبب العوارض الطارئة كالحمل والولادة.

يعرض للجسم الوهن بسبب الكبر، فيرق عظمه، ويشيب رأسه، ويرتعش صوته، وتزداد مخاوفه 22.

وقد اجتمعت هذه المظاهر في نداء زكريا عليه السلام: (إِذْ نَادَى? رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ?3?قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ?4?وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ?5?) [مريم: 2 - 5] .

قال الرازي: «واعلم أن زكريا عليه السلام قدم على السؤال أمورًا ثلاثة: أحدها: كونه ضعيفًا. والثاني: أن الله تعالى ما رد دعاءه البتة. والثالث: كون المطلوب بالدعاء سببًا للمنفعة في الدين، ثم بعد تقرير هذه الأمور الثلاثة صرح بالسؤال» 23.

فزكريا يشكو من وهن جسمه بسبب الكبر، فذكر وهن عظمه، وشيب رأسه، ووهن العظم كما قال المفسرون: ضعفه، قال الطبري: «ضعف ورق من الكبر» 24.

وقال ابن كثير: «ضعفت وخارت القوى» 25.

وقد بين الزمخشري وجه إسناد الوهن إلى العظم؛ «لأنه عمود البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما فيه وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن» 26.

فالمفسرون يرون أن وهن العظم يستلزم وهن الجسم، كما قال الشنقيطي: «فوهنه يستلزم وهن غيره من البدن» 27.

وقال ابن عاشور: «لأن العظم هو قوام البدن، وهو أصلب شيء فيه، فلا يبلغه الوهن إلا وقد بلغ ما فوقه» 28.

كما ربط الرازي بين وصف النداء بـ (الخفي) ، وبين مظاهر الوهن في جسم زكريا، فذكر من الأوجه: «خفي صوته؛ لضعفه وهرمه، كما جاء في صفة الشيخ: صوته خفات وسمعه تارات. فإن قيل: من شرط النداء الجهر، فكيف الجمع بين كونه نداء وخفيًا؟ والجواب من وجهين، الأول: أنه أتى بأقصى ما قدر عليه من رفع الصوت إلا أن الصوت كان ضعيفًا؛ لنهاية الضعف بسبب الكبر، فكان (نِدَاءً) نظرًا إلى قصده، و (خَفِيًّا) نظرًا إلى الواقع» 29.

وبين الرازي أن (وَهَنَ الْعَظْمُ) هو استيلاء الضعف على باطن الجسم؛ لتداعي قوته، ثم قال: «وأما أثر الضعف في الظاهر فذلك استيلاء الشيب على الرأس. فثبت أن هذا الكلام يدل على استيلاء الضعف على الباطن والظاهر، وذلك مما يزيد الدعاء توكيدًا لما فيه من الارتكان على حول الله وقوته، والتبري عن الأسباب الظاهرة» 30.

وقال ابن كثير: «والمراد من هذا الإخبار عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة» 31.

وقال السعدي: «شكا إلى ربه ضعفه الظاهر والباطن» 32.

كما ورد وهن الجسم من الكبر في قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً) [الروم: 54] .

فالآية تبين أن الإنسان بعد أن يبلغ قوته يعود إلى مرحلة الضعف بسبب الكبر.

قال السعدي: «يخبر تعالى عن سعة علمه وعظيم اقتداره وكمال حكمته، ابتدأ خلق الآدميين من ضعف وهو الأطوار الأول من خلقه من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى أن صار حيوانًا في الأرحام إلى أن ولد، وهو في سن الطفولية وهو إذ ذاك في غاية الضعف وعدم القوة والقدرة. ثم ما زال الله يزيد في قوته شيئًا فشيئًا حتى بلغ سن الشباب واستوت قوته وكملت قواه الظاهرة والباطنة، ثم انتقل من هذا الطور ورجع إلى الضعف والشيبة والهرم» 33.

ومن الآيات التي تصف وهن الإنسان في هذه المرحلة، قوله تعالى: (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ) [يس: 68] .

قال أبو السعود: «أي: نقلبه فيه، ونخلقه على عكس ما خلقناه أولًا، فلا يزال يتزايد ضعفه وتتناقص قوته وتنتقص بنيته ويتغير شكله وصورته، حتى يعود إلى حالة شبيهة بحال الصبي في ضعف الجسد وقلة العقل، والخلو عن الفهم والإدراك» 34.

وقوله: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ? وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى? أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ?) [النحل: 70] .

قال النيسابوري: «أرذل العمر أخسه وأحقره. وقال السدي: هو حالة الخرف فيصير إلى حالة شبيهة بحال الطفل في النسيان وعدم التذكر، واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع:

أولها: سن النشوء.

وثانيها: سن الوقوف وهو سن الشباب.

وثالثها: الانحطاط الخفي اليسير، وهو سن الكهولة.

ورابعها: سن الانحطاط الظاهر، وهو سن الشيخوخة» 35.

«إن أول من تنبه لظاهرة الشيخوخة كعلم مستقل هو الطبيب الفرنسي شاركوت عام 1881 م، ولم يتبعه أغلب الباحثين إلا في القرن العشرين، ولذا نعجب أن يولي القرآن الكريم موضوع الشيخوخة عنايته قبل ذلك بأكثر من عشرة قرون، ولا تجد لهذا نظيرًا في أي كتاب آخر ينسب اليوم للوحي غير القرآن الكريم، وإن إدراك خفايا الشيخوخة في عصرنا حيث توفرت التقنيات إنما هو شهادة للقرآن» 36.

تحدث القرآن الكريم عن وهن الجسم بسبب العوارض الطارئة، ومنها حمل الأم وولادتها.

وقد جاءت الإشارة إلى وهن الحمل في قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى? وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) [لقمان: 14] .

فالآية تتحدث عن وصية الله للإنسان بوالديه، ثم تخص والدته بالذكر؛ حيث حملته وهنا على وهن، ثم وضعته، ثم كان فصاله في عامين.

وقد فسر الوهن في الآية بالضعف، وقيل: الجهد والمشقة التي تعانيها الأم 37.

وعامة المفسرين على أن الوهن في الآية يعود إلى الأم، فقوله: (وَهْنًا) حال من الفاعل (أُمُّهُ) ، والمعنى: حملته أمه في حال كونها واهنة وهنا على وهن. وذكر بعضهم أنه يُحتمل أن يكون حالًا من المفعول في (حَمَلَتْهُ) ، أي: الولد، فالواهن هو الجنين في بطن أمه إلا أن سياق الآية يدل على أن الوهن للأم؛ إذ الآية توصي الإنسان بوالديه، وتبين معاناة الأم في حمله، ثم في فصاله 38.

كما ذكر المفسرون أقوالًا عديدة في المراد بالتركيب: (وَهْنًا عَلَى? وَهْنٍ) ، فقيل: ضعفًا بعد ضعف، وقال ابن عطية: «وقيل: إشارة إلى مشقة الحمل ومشقة الولادة بعده، وقيل: إشارة إلى ضعف الولد وضعف الأم معه، ويحتمل أن أشار إلى تدرج حالها في زيادة الضعف، فكأنه لم يعين ضعفين بل كأنه قال: حملته أمه والضعف يتزيد بعد الضعف إلى أن ينقضي أمره» 39.

وزاد أبو حيان في البحر المحيط: «وقيل: وهنا على وهن: نطفة ثم علقة، إلى آخر النشأة، فعلى هذا يكون حالًا من الضمير المنصوب في (حَمَلَتْهُ) ، وهو الولد» 40.

وقال السعدي: «أي: مشقة على مشقة، فلا تزال تلاقي المشاق، من حين يكون نطفة، من الوحم، والمرض، والضعف، والثقل، وتغير الحال، ثم وجع الولادة، ذلك الوجع الشديد» 41.

والآية تُذَكِّرُ الإنسان بحق والديه عليه، وخاصة الأم، التي حملته وهنا على وهن، ثم وضعته كرهًا، ثم أرضعته عامين، قال سيد قطب «وما يملك الوليد وما يبلغ أن يعوض الوالدين بعض ما بذلاه، ولو وقف عمره عليهما. وهذه الصورة الموحية: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى? وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) ترسم ظلال هذا البذل النبيل، والأم بطبيعة الحال تحتمل النصيب الأوفر وتجود به في انعطاف أشد وأعمق وأحنى وأرفق» 42.

وقد علل الشعراوي تذكير الإنسان بدور الأم دون الأب، مع أن الله وصاه بوالديه، وذلك أن دور الأم كان والإنسان جنين ثم رضيع لا يدرك، فالأم كانت «تصنع لك وأنت صغير لا تدرك صنعها، فهو مستور عنك لا تعرفه، أما أفعال الأب وصنعه لك فجاء حال كبرك وإدراكك للأمور من حولك، فالابن يعرف ما قدم أبوه من أجله» 43.

ومن الوهن بسبب العوارض الطارئة ما جاء في قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ? حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ? وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ? حَتَّى? إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى? وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ? إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ?15?) [الأحقاف: 15] .

وقال السعدي: «نبه على ذكر السبب الموجب لذلك فذكر ما تحملته الأم من ولدها وما قاسته من المكاره وقت حملها، ثم مشقة ولادتها المشقة الكبيرة ثم مشقة الرضاع وخدمة الحضانة، وليست المذكورات مدة يسيرة ساعة أو ساعتين، وإنما ذلك مدة طويلة قدرها (ثَلَاثُونَ شَهْرًا) للحمل تسعة أشهر ونحوها، والباقي للرضاع هذا هو الغالب» 44.

قال تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4] .

{وَهَنَ الْعَظْمُ} يشير إلى مظهر من مظاهر الجسم نتيجة الكبر، وبلوغ مرحلة الشيخوخة، حيث تتناقص كثافة العظام، وتضعف قوتها، وتلين صلابتها، ويصاب النسيج العظمي بالهشاشة؛ مما يجعله عرضة سهلة للكسر 45.

ويقرر الأطباء أن الجسم يبلغ قوته في الأربعين، حيث إن «الكتلة العظمية تبلغ ذروتها من حيث القوة والكثافة في سن الثلاثين إلى الأربعين، ثم تبدأ تتناقص كثافتها وتضعف قوتها بعد الأربعين، ويزداد التناقص كلما تقدم الإنسان في العمر» 46.

وإلى بلوغ ذروة الأشد يشير قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15] .

ثم تبدأ مرحلة الضعف لقوى الجسم، وهي مرحلة مقترنة بالشيخوخة (الشيبة) ، وجاء الحديث عنها في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [الروم: 54] .

وتتبين دلالة الإعجاز في استخدام لفظ (الوهن) دون غيره من ألفاظ الضعف، أو اللين، فلفظ «الوهن يوحي بالتراكمية والتدرج في المقدار، وهو يتناسب مع حالة الهشاشة؛ فليس لها مقدار ثابت معين بل إنها تتزايد شدتها، ويمكن أن تحدث منها مضاعفات» 47.

ويشير العلماء إلى أن سبب وهن العظم عند الكبر يعود إلى نقص كفاءة خلايا البناء العظمي، مما يؤدي إلى نقص امتصاص الكالسيوم، ومن ثم زيادة هدم العظام؛ حيث تنفرد خلايا الهدم بالعمل على نخر العظام ولا تواجهها خلايا البناء بالتعويض 48.

وقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} [لقمان: 14] .

تشير الآية إلى معاناة الأم أثناء حملها بولدها، ويقرر الأطباء أن الحامل تمر بمظاهر كثيرة من الوهن، خلال أشهر الحمل، وتعاني من آلام شديدة، سواء في منطقة الرحم أو المنطقة المحيطة به، أو في منطقة الثديين، أو في مناطق أخرى من جسمها، كالظهر والبطن والفخذين، ومجرى البول، والتهابات في العظام والأسنان. ويسهم الجنين أيضًا في وهن الأم؛ حيث يسحب ما يحتاج إليه من غذاء ودم من جسم أمه، مما يضاعف من وهنها. وفي الأشهر الأخيرة من الحمل تظهر أنواع أخرى من المتاعب الناتجة عن ضغط الرحم على المعدة والكبد، وتشكو الأم من ضيق في التنفس؛ لأن الرحم ملأ تجويف البطن. ومع اقتراب الوضع يزداد تقلص الرحم، وتتكرر الانقباضات، وتشتد آلامها، حتى تضع الحامل جنينها كرهًا.

قال تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} [الأحقاف: 15] 49.

ثانيًا: وهن القلب وأسبابه

وهن القلب هو الضعف الذي يصيب قوته فيضعف ويفتر ويجبن، وقد جاء النهي عنه في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع {فَلَا تَهِنُوا} ، وجاء منفيًّا في موضع رابع {فَمَا وَهَنُوا} ، فهو وصف ذميم، ينزه الله عباده المؤمنين عن الاتصاف به.

ويتبين من خلال آيات القرآن الكريم، أنَّ لوهن القلب سببين، هما: حبُّ الدنيا، وكراهية الموت. وقد جاء التصريح بهما في الحديث: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها) ، فقال قائل: ومن قلةٍ نحن يومئذ؟ قال: (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعنَّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن) ، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: (حبَّ الدنيا، وكراهية الموت) 50.

قال البيضاوي: «وأراد بـ (الوهن) : ما يوجبه، ولذلك فُسِّرَ بحب الدنيا وكراهة الموت» 51.

1.حب الدنيا.

قال تعالى: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ?35?إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ? وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ?36?) [محمد: 35 - 36] .

قال البيضاوي: « (فَلَا تَهِنُوا) فلا تضعفوا، (وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ) ولا تدعوا إلى الصلح خورًا وتذللًا» 52.

وقال الشوكاني: «فلا تضعفوا عن القتال، ولا تدعوا الكفار إلى الصلح ابتداء منكم، فإنَّ ذلك لا يكون إلا عند الضعف» 53.

وقال سيد قطب «إنَّ هذا النهي يكشف عن وجود أفراد من المسلمين كانوا يستثقلون تكاليف الجهاد الطويل ومشقته الدائمة، وتهن عزائمهم دونه ويرغبون في السلم والمهادنة؛ ليستريحوا من مشقة الحروب» 54.

فالوهن المنهي عنه في الآية هو فتور القلب عن العزم في الجهاد، ومِنْ ثَمَّ يميلُ ُإلى الراحة والمهادنة؛ تجنبًا للقتال، ورغبة في الدنيا.

قال الرازي في تفسير قوله: إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ: «يعني: كيف تمنعك الدنيا من طلب الآخرة بالجهاد» 55.

وقال ابن عاشور: «هذه الآية تعليل لمضمون قوله: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ» 56.

وهناك كثيرٌ من آيات القرآن الكريم تُبَيِّنُ أن حبُّ الدنيا يوهن القلب، ويضعفه، ويملؤه بالجبن.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ? أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ? فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) [التوبة: 38] .

قال الزمخشري: «أي: تباطأتم وتقاعستم، وضُمِّنَ معنى الميل والإخلاد فعدي بـ (إِلَى) ، والمعنى: ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاقَّ السفر ومتاعبه، ونحوه: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) [الأعراف: 176] » 57.

وقال ابن كثير: «هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، حين طابت الثمار والظلال في شدة الحرِّ (اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) أي: تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض وطيب الثمار، (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ) أي: ما لكم فعلتم هكذا، أرضًا منكم بالدنيا بدلا من الآخرة؟!» 58.

كما أنَّ حبَّ الدنيا يؤدي إلى الفشل، وهو الجبن والتنازع، فتهن القلوب، وتنكسر الهمم.

قال تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ? حَتَّى? إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ? مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) [آل عمران: 152] .

فقال لهم: منكم من يريد الدنيا، وهم الذين كانوا سببًا في هزيمة المسلمين في أحد، وهذه الهزيمة هي التي سببت وهنهم بعد ذلك، فنهاهم الله عنه، وقال: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ?139?إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) [آل عمران: 139 - 140] .

2.كراهية الموت.

وقد تحدثت سورة آل عمران عن الوهن الذي أصاب المؤمنين، بعد هزيمتهم في أحد، وَبَيِّنَ لهم أنَّ القعود عن الجهاد كراهيةً للقتال لا يؤدي إلا إلى مزيد من الوهن، فقال تعالى: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ?139?إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) [آل عمران: 139 - 140] .

قال البغوي: «:وَلَا تَهِنُوا أي: لا تضعفوا ولا تجبنوا عن جهاد أعدائكم بما نالكم من القتل والجرح، وكان قد قتل يومئذ من المهاجرين خمسة منهم: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير، وقتل من الأنصار سبعون رجلًا، وَلَا تَحْزَنُوا) أي: على ما فاتكم» 59.

وكراهية القتال «تنشأ بسبب الهزائم والآلام والقروح التي تصيب المؤمنين، مما يؤدي إلى تسلل الوهن إلى قلوبهم، ويكون مظاهر هذا الوهن: ضعفًا بعد قوة، وجبنًا بعد شجاعة، وفتورًا بعد عزيمة، ويدفعهم ذلك إلى القعود عن الجهاد، وإلقاء السلاح، والتخلي عن نصرة الحق، والرضا بالذل والهوان» 60.

كما تحدث عن الربيين الذين قاتلوا مع النبيين، فلم يهنوا ولم يضعفوا، بل صبروا، قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) [آل عمران: 146] .

أي: ما وهنوا لمصابهم، فاللام؛ للتعليل والسببية، وتفيد أن سبب الوهن هو ما أصابهم في سبيل الله. قال الطبري: «فما عجزوا لما نالهم من ألم الجراح الذي نالهم في سبيل الله، ولا لقتل من قتل منهم، عن حرب أعداء الله، ولا نكلوا عن جهادهم» 61.

وقال الماوردي: «فلم يهنوا بالخوف، ولا ضعفوا بنقصان القوة، ولا استكانوا بالخضوع» . وقال ابن إسحاق: «فما وهنوا بقتل نبيهم، ولا ضعفوا عن عدوهم، ولا استكانوا لما أصابهم» 62.

وقال الزمخشري: «وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار عند الإرجاف بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم» 63.

وقال تعالى: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ? إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ?) [النساء: 104] .

فقال الواحدي في تفسيرها: «والمراد بالقوم ههنا: أبو سفيان وأصحابه، لمَّا انصرفوا عن أحد منهزمين، وقد قذف الله في قلوبهم الرعب، أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يسير في آثارهم بعد الوقعة بأيام، فندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس لذلك، فاشتكوا ما بهم من الجراحات، فأنزل الله هذه الآية» 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت